خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ
٦
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
٧
أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ
٨
أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ
٩
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ
١٠
-سبأ

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} [سبأ: 6] من عند الله موهبة منه لا من عند الناس بالتكرار والبحث {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [سبأ: 6] من النبوة والقرآن والحكمة {هُوَ ٱلْحَقَّ} وإنما يرون هذه الحقيقة؛ لأنهم ينظرون بنور العلم الذي أريتهم من الحق تعالى، فإن الحق لا يُرى إلا بالحق كما أن النور لا يُرى إلا بالنور، ولما يرى الحق بالحق كان الحق هادياً لأهل الحق وطالبيه إلى طريق الحق، وذلك قوله تعالى: {وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} [سبأ: 6] لأنه لا يوجد إلا به وبهدايته الحميد؛ لأنه لا يرد الطالب بغير وجدان كما قال: "ألا من طلبني وجدني"
ثم أخبر عن منكري البعث من الكفار بقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [سبأ: 7] بالاستهزاء {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] يشير إلى أن تراكم الغفلة على القلوب وظلمات الشهوات النفسانية وغلبات الصفات الذميمة الحيوانية إذا استولى بظلمات صفات النفس ويقسو حتى ينسى الله وينسى عالم الأرواح الذي هو الآخرة كالطفل الصغير يسير إلى بعض البلاد فينسى وطنه الأصلي بحيث لو ذكر به لم يتذكر كذلك نفس الإنسان القاسي قلبه إن ذكر الآخرة، وهي وطنه الأصلي لم يتذكر ويكفر به.
ويقول مستهزئاً به: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] ويتعجب من هذا الكلام ولا يتفكر أن أجزاءه كانت ممزقة حين هو ذرة أخرجت من صلب آدم وكيف جمع الله ذرات شخصه المتفرقة، وجعلها خلقاً جديداً كذلك يجمع الله أجزاءه الممزقة للبعث ويقول منكراً متعجباً: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8].
وقال تعالى: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} [سبأ: 8] من الغفلة وكثرة الحجب {فِي ٱلْعَذَابِ} من العمى والصم {وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} هو البعد عن الحضرة {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [سبأ: 9] سماء القلب {وَٱلأَرْضِ} [سبأ: 9] أرض النفس ما بين أيديهم من صفات القلب وما خلفهم من صفات النفس {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} [سبأ: 9] أرض البشرية بغلبات صفاتهم {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [سبأ: 9] أي: نقلب عليهم صفة من صفات القلب ونهلكهم بها؛ لأن كل صفة من صفات القلب وإن كانت حميدة، فإذا جاوزت حدها تؤول إلى الصفة فتصير ذميمة كالسخاوة، فإنها حميدة من صفات القلب فإذا جاوزت حدها يكون تبذيراً وهي ذميمة
{ إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ } [الإسراء: 27].
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [سبأ: 9] راجع إلى الله يرى الآيات بنور الله عن فضله بعد أن أخبر عن عدله بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} [سبأ: 10] يشير إلى داود الروح والفضل الذي أعطاه منه هو الفيض الإلهي بلا واسطة ولما ذكره بلفظ النكرة فضلاً يدل على أنه أعطاه شيئاً من الفضل وهو مما يتعلق به تعالى؛ إذ قال: {مِنَّا} وهو الفيض كما ذكرنا، والفرق بينه وبين نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ذكر فضله في حق داود عليه السلام على صيغة النكرة وهي تدل على نوع من الفضل، وقال في حق نبينا صلى الله عليه وسلم:
{ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } [النساء: 113] والفضل الموصوف بالعظمة يدل على كمال الفضل، وكذلك قوله { فَضْلُ ٱللَّهِ } [النساء: 113] لما أضاف الفضل إلى الله اشتمل على جميع الفضل كما لو قال: أخذ دار فلان اشتمل على جميع الدار.
وبقوله: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ} [سبأ: 10] يشير إلى أن الذكر من اللسان يعبر إلى أن يصل إلى الروح ويصير الروح ذاكراً لله، فعلى مقتضى كرم الله وسنته بقوله تعالى:
{ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } [البقرة: 152] بذكر الله ولما تنور الروح بنور ذكر الله إياه ينعكس النور من داود الروح على جبال النفس وطير القلب فتصير ذاكراً لله ومذكوراً له، ثم بالمداومة ينعكس نور الذكر من النفس على البدن فيستوعب جميع أجزاء البدن ظاهرها وباطنها، ثم ينعكس من أجزاء العنصرية على العناصر الأربعة مفردها ومركبها وينعكس من النفس على النفوس أعني الإنسانية والنفس الحيوانية والنفس السماوية والنفس النجومية ينعكس نور الذكر من الروح الإنساني على عالم الأرواح إلى أن يستوعب جميع العالم ملكه وملكوته، فيذكر العالم بما فيه موافقة للذاكر وإلى هذا المقام أشار بقوله تعالى: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } [الإسراء: 44].
ثم يعبر الذكر عن المخلوقات ويصعد إلى رب العالمين، كما قال تعالى:
{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ } [فاطر: 10] فيذكره تعالى كما يذكره الذاكر، ففي هذا المقام يتصف العبد بصفة الرب ويتخلق بخلقه في الذاكر به والمذكور به، فكما أنه تعالى يكون الذاكر والمذكور يكون العبد أيضاً ذاكراً ومذكوراً تفهم إن شاء الله وتؤمن به، فتحقيق هذا المقام يعلم حقيقته.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} [سبأ: 10] أنه هو مذكور به الحق تعالى، وينبئ عن هذا المعنى قوله: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ} [سبأ: 10] يشير بالجبال إلى عالم الملك وبالطير إلى عالم الملكوت، وبقوله: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} [سبأ: 10] يشير إلى إلانة قلبه.