خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ
١٠
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ
١١
وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٢
يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ
١٣
-فاطر

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

وبقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} [فاطر: 10] يشير إلى أن الإنسان خلق ذليلاً مهيناً محتاجاً إلى كل شيء ولا يحتاج شيء إلى شيء كاحتياج الإنسان إلى الأشياء كلها واحتياج كل شيء لشيء دون شيء إلا الإنسان والذلة قدر الحاجة، فمن ازدادت حاجته ازدادت مذلته {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} لعدم احتياجه وكل شيء ذليل لاحتياجه إليه فلما كان احتياج الإنسان كاملاً مكان ذله كاملاً.
قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} [فاطر: 10] أي: لا تطلب العزة من غير الله؛ لأنه ذليل أيضاً لله فبقدر قطع النظر عن الأشياء وطلب العزة منه ينقص ذلة العبد ويزيد عزته إلى أنه لا يبقى له الاحتياج إلى غير الله ولا يزيل الاحتياج والافتقار إلى غير الله من القلوب إلا بنفي لا إله، وإثبات إلا الله، فبالنفي يقطع تعلقاته عن الكونين، وبالإثبات يتوجه بالكلية إلى الحق تعالى، فإذا لم يبق له تعلق ترجع حقيقة الكلمة إلى الحضرة، كما أن النار تستنزل من الفلك الأثير باصطكاك الحجر والحديد، ثم يوقد بها شجرة فالنار تأكل الشجرة وتفنيها من الحطيبة وتبقيها بالنارية إلى أن تفنى الشجرة بالكلية فلما لم يبق من وجود الحطب شيء ترجع النار إلى الأثير وهذا سر قول الله: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].
والعمل الصالح هو أركان الشريعة فأول ركن منها كمال استنزال نار نور الله من أثير الحضرة باصطكاك حديد "لا إله إلا الله" وحجر القلب القاسي فلما وقعت النار في شجرة الوجود الإنساني عمل العبد بركن من الأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها، والأركان الأربعة الباقية هي العمل الصالح الذي يقلع أصل الشجرة من أرض الدنيا ويقطعها قطعاً تستعد به لقبولها النار واشتعالها بالنار واحتراقها بها لتقع النار إلى أن تحترق الشجرة بالكلية، وترفع بالعبور عن الشجرة إلى أثير الحضرة ولما كانت الشجرة مشتعلة بتلك النار آنس موسى عليه السلام من جانب الطور ناراً
{ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } [القصص: 30] على لسان الشعلة: { إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } [القصص: 30] تأمله تفهم إن شاء الله تعالى.
وقوله: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} [فاطر: 10] فيشير إلى الذين يظهرون الحسنات بالمكر ويخفون السيئات من العقائد الفاسدة؛ ليحسبوهم الخلق من العالمين الصادقين.
{لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [فاطر: 10] وشدة عذابهم في تضعيف عذابهم، فإنهم يعذبون بالسيئات التي يخفونها ويضاعف لهم العذاب بمكرهم في إظهار الحسنات دون حقيقتها، كما قال تعالى: {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] أي: مكرهم يهلكهم.
وبقوله: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} [فاطر: 11] يشير إلى أنكم أبعد شيء من المخلوقات إلى الحضرة؛ لأن التراب أسفل المخلوقات وكثيفها فإن فوقها ماء وهو الطبيعة، وفوق الماء هواء وهو ألطف من الماء وفوق الهواء الأثير وهو ألطف من الهواء، وفوق الأثير السماء وهي ألطف من الأثير ولكن لا تشبه لطافة السماء بلطافة ما تحتها من العناصر؛ لأن لطافة العناصر من لطافة الأجسام ولطافة السماء من لطافة الأجرام فالفرق بينهما أن لطافة الأجسام تقبل الخرق والالتئام ولطافة السماوات لا تقبل الخرق والالتئام إلا أن يشاء الله وفوق كل سماء ما هو ألطف منه إلى الكرسي وهو ألطف من السماوات وفوقه العرش وهو ألطف من الكرسي، وفوقه عالم الروح وهو ألطف من العرش ولكن لا تشبه لطافة الأرواح بلطافة العرش والسماوات؛ لأنها لطافة الأجرام فالفرق بينهما أن لطافة الأجرام قابلة للجهات الست، ولطافة الأرواح غير قابلة للجهات وفوقه الله
{ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [الأنعام: 18] وهو ألطف من الأرواح ولكن لطافته لا تشبه لطافة الأرواح؛ لأن لطافة الأرواح نورانية علوية محيطة بما دونها إحاطة العلم بالمعلوم والله منزه عن هذه الأوصاف { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } [الشورى: 11].
قوله: {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} [فاطر: 11] أي: ثم خلقكم من نطفة، يشير إلى أنه خلقكم من أسفل المخلوقات وهي النطفة؛ لأن التراب نزل دركة المركب ثم دركة النباتية ثم دركة الحيوانية ثم دركة الإنسانية، ثم دركة النطفة، فهي أسفل سافلين المخلوقات، وهي آخر خلق خلقه الله من أصناف المخلوقات كما أن أصناف آخر شيء على الشجرة آخر شيء يخلقه الله تعالى وهو البذر الذي يصلح أن يؤخذ من الشجرة، فالبذر آخر صنف خلق من أصناف أجزاء الشجرة.
وقوله: {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} [فاطر: 11] يشير إلى ازدواج الروح والقالب، فالروح على أعلى مراتب القهر والقالب من أسفل دركات البعد، فبكمال القدرة والحكمة جمع بين أقرب الأقربين؛ ليكونا بالروح والفناء وأبعد الأبعدين ورتب للقالب على ظاهره الحواس الخمس وفي باطنه قوى البشرية ورتب للروح المدركات الروحانية؛ ليكون بالروح والقالب مدركاً لعالم الغيب والشهادة.
وبقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] يُشير إلى أن كل أنثى ووضع حملها إنما هو بتقديره وبعلمه بكيف وكيفية على وفق حكمته وإرادته {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} إلا وله في تعميره إلى أجل يعمر بأمر حكمة بالغة {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} أي: من عمره التام {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11] أي: الحكمة في تمام عمر من عمَّر عمراً تاماً، وفي نقص من عمَّر عمراً ناقصاً في أيام أم الكتاب الذي عنده لا يزيد فيه ولا ينقص {إِنَّ ذَلِكَ} [فاطر: 11] أي: في رعاية تلك الحكمة وإمضائها {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}.
ثم أخبر عن تلون الإنسان في تكونه بقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ} [فاطر: 12] يشير إلى بحر الروح {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} [فاطر: 12] أي: صفاته حميدة {سَآئِغٌ شَرَابُهُ} [فاطر: 12] أي: جائز عند الخلق والخالق يعني مشروبه مقبول محمود {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12] أي: بحر النفس وصفاتها ذميمة {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} [فاطر: 12] أي: من البحرين، أما من بحر الروح فلحمه الطَّري هو الواردات الربانية، وأما بحر النفس فلحمها الطري هي شهوات {وَتَسْتَخْرِجُونَ} [فاطر: 12] منه أي: من بحر الروح {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [فاطر: 12] من شواهد الحق ومعارفه.
{وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ} [فاطر: 12] يعني سفينتي الشريعة والطريقة {مَوَاخِرَ} [فاطر: 12] تجري إحداهما وهي سفينة الشريعة من بحر الروح إلى بحر النفس فيها أعمال الأوامر والنواهي، وثانيهما وهي سفينة الطريقة تجري من بحر الروح إلى الحضرة فيها أعمال الأسرار والحقائق والمعاني {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [فاطر: 12] وهو الوصول إلى الحضرة على قدمي الشريعة والطريقة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} في طلب الزيادة.
{يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} [فاطر: 13] أي: يغلب نهار الروحانية على ليل البشرية وكذلك الفيض مرة يغلب على البسط على القبض وكذلك في الصحو والسكر وكذلك الفناء والبقاء وكذلك السر والتجلي وكذلك الأنس والهيبة {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ} [فاطر: 13] شمس التوحيد {وَٱلْقَمَرَ} [فاطر: 13] قمر المعرفة على ما يريد إظهارها على القلوب {كُلٌّ يَجْرِي} في مقامات القلوب والأرواح {لأَجَلٍ مُّسَمًّى} [فاطر: 13] لنهاية مقدرة.
{ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ} [فاطر: 13] ملك القدرة على الوصول {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} [فاطر: 13] من العالمين {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13] من هذه المقامات والدرجات.