خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ
٦
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
٧
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
٨
وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ
٩
-فاطر

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّ} [فاطر: 6] وعداوته بدوام مخالفته، فإن من الناس من يعاديه بالقول والقلب؛ ولكن يوافقه بالفعل بل يعبده فإن عبادة الشيطان هي طاعته، وهذا مما أخذوا عليه العهد يوم الميثاق بقوله: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } [يس: 60] أي: لا تطيعوه فإن في طاعته مخالفتنا وفي مخالفته طاعتنا، وفي عداوته محبتنا ولا يقوى إلا بملازمة الذكر ودوام الاستعانة بالرب وتلك الاستعانة صدق الاستغاثة والشيطان لا يفتر في عداوتك فلا تغفل عن كيده بذكر مولاك لحظة، فإنه يدعوك على التأييد لتكون من حزبه.
كما قال تعلى: {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ} [فاطر: 4] وحزبه المعرضون عن الله المشتغلون لغير الله { لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [فاطر: 7] بعذاب معجل وعذاب مؤجل فعجل تفرقة قلوبهم، وانسداد بصائرهم وخساسة أنفسهم حتى أنهم يرضون بأن يكون معبودهم الأصنام والهوى والدنيا والشيطان وعذاب الآخرة مما لا يخفى صعوبته
{ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [هود: 11] في المعجل يستر ذنوبهم ولولا ذلك لافتضحوا بكشف الحجب، وفي المؤجل تمحى الذنوب عن ديوانهم ولولا ذلك لهلكوا، والأجر الكبير اليوم سهولة العبادة ودوام المعرفة وما يناله في قلبه من زوائد اليقين وخصائص الإحسان وأنواع المواهب وفي الآخرة تحقيق السؤال ونيل ما فوق المأمول.
{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} [فاطر: 8] يشير به إلى دركات الشقاء في الكافر يتوهم أن عمله حسن كما قال تعالى:
{ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } [الكهف: 104] ثم الراغب في الدنيا يجمع حلالها وحرامها ويحرس حطامها بمتابعة شهوة ساعة فلقد زين له سوء عمله والذي يؤثر على دينه شيئاً من المخلوقات فهو من جملتهم والذي يتوهم أنه إذا وجد نجاته ودرجاته في الجنة فقد اكتفى فقد زين له سوء عمله فرآه حسناً، ومعنى الآية: فمن زين له سوء عمله فرآه حسناً كمن زينت له الدنيا بحذافيرها والآخرة بنعيمها فرآها حسناً إلى قربات الحق ومواهبه قبيحاً ولم يلتفت إليها أي: لا يستويان.
وبقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [فاطر: 8] يشير إلى أنه ليس للإنسان اختيار حقيقي ليرى الحسن حسناً والقبيح قبيحاً أو حسناً، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] يعني: إذا عرضت سر التقدير ومقتضى الحكمة وعلمت أنهم سقطوا من غير الله ودعوتهم جهراً وبذلت لهم نصحاً فأجابتهم: ليس إليك ولا إليهم على الحقيقة فلا تضع على قلبك من ذلك مشقة وعناءً {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8] وإنما يصنعون بحكمة منه واختيار في ذلك.
وبقوله: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} [فاطر: 9] يشير إلى أنه تعالى من سنته إذا أراد إحياء أرض يرسل الرياح فتثير سحاباً ثم يوجه ذلك السحاب إلى الموضع الذي يريد تخصيصاً له كيف يشاء ويمطر هناك كيف يشاء كذلك إذا أراد إحياء قلب ما يسقيه وينزل عليه من أمطار عنايته فيرسل أولاً رياح الرجاء ويزعج بها كوامن الإرادة ثم ينشئ فيه سحاب الاحتياج ولوعة الانزعاج، ثم يأتي بمطر الجود فينبت به في القلب أزهار البسط وأنوار الروح ويطيب لصاحبه العيش إلى أن تتم لطائف الأنس وذلك قوله: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} [فاطر: 9] أرض القلب {بَعْدَ مَوْتِهَا} باستيلاء صفات النفس عليها {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} يوم الحشر.