خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
٣٠
نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ
٣١
نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ
٣٢
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ
٣٣
وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
٣٤
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
٣٥
-فصلت

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن القلوب المستقيمة والأرواح الكريمة بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} [فصلت: 30] يشير إلى يوم الميثاق لما خوطبوا بقوله: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172]؛ أي: ربنا الله، وهم الذرات المستخرجة من ظهر آدم عليه السلام أقروا بربوبيته {ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} [فصلت: 30] على إقرارهم بالربوبية، تائبين على أقدام العبودية لما خرجوا إلى عالم الصورة، ولهذا ذكر بفلظه {ثُمَّ}؛ لأنه للتراخي فأقروا في عالم الأرواح، ثم استقاموا في عالم الأشباح، وهم المؤمنون بخلاف المنافقين والكافرين، فافهم أقروا ولم يستقميوا على ذلك:
فاستقامة العوام: في الظاهر بالأوامر والنواهي، وفي الباطن بالإيمان والتصديق.
واستقامة الخواص: في الظاهر بالتجريد عن الدنيا وترك زينتها أو شهواته، وفي الباطن بالتفريد عن نعيم الجنان شوقاً إلى لقاء الرحمن، وطلب العرفان.
واستقامة الأخص: في الظاهر برعاية حقوق المتابعة على وفق المبايعة بتسليم النفس والمال، وفي الباطن بالتوحيد في استهلاك الناسوتية؛ ليستقم بالله مع الله، فانياً عن الأنانية باقياً بالهوية بلا أرب من المحبوب، مكتفياً من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام فنائه في وجوده، {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} [فصلت: 30] الخوف إنما يكون في المستقبل من الوقت؛ وهو بحلول مكروه أو فوات محبوب، والملائكة يبشرونهم بأن كل مطلوب لهم سيكون وكل محذور لهم لا يكون، هذا تحقيق قوله تعالى: {أَلاَّ تَخَافُواْ}، والحزن من حزونة الوقت، والذي هو راض بجميع ما يجري مستسلم للأحكام الأولية فلا حزونة في عيشه؛ بل من يكون قائماً بالله، هائماً في الله، دائماً مع الله، لا يدركه الخوف والحزن، فالملائكة يبشرونهم ألا تخافوا من سوء الخاتمة، ولا تحزنوا على فوات العناية في السابقة، {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30]؛ أي: جنة الوصلة، فإن الوعد صار نقداً فما بقي الوعد والوعيد، وما هو إلا عبد في العبد، فأوعد الله للعوام من جميل الثواب، وللخواص من حسن المآب نقد لأخص الخواص من أولي الألباب، ويقال: لا تخافوا من عزل الولاية، ولا تحزنوا عن منع الهداية، وابشروا بحسن العناية في البداية والنهاية، ولا تخافوا ذلة المذلة، ولا تحزنوا مما أسلفتم من الذلة، وابشروا بدوام الوصلة، وبقوله: {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ} [فصلت: 31] يشير إلى ولاية الرحمة للعوام، وولاية النصرة للخواص، وولاية المحبة لأخص الخواص، فبولاية الرحمة للعوام {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [فصلت: 31] يوفقهم لإقامة الشريعة، {وَفِي ٱلآخِرَةِ} [فصلت: 31] يجازيهم بالجنة، وبولاية النصرة للخواص في الحياة الدنيا يسلطهم على أعدى عدوهم وهو أنفسهم الأمارة بالسوء؛ ليجعلوها مزكاة من أخلاقها الذميمة وأوصافها الدنية، وفي الآخرة جذبة
{ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ } [الفجر: 28] وبولاية المحبة لأخص الخواص في الحياة الدنيا يفتح عليهم أبواب المشاهدات والمكاشفات، وفي الآخرة يجعلهم من أهل القربات والمعاينات، {وَلَكُمْ فِيهَا} [فصلت: 31] في الآخرة {مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ} [فصلت: 31] من نعيم الجنة بحسب علو همتكم فيها، {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 31] بدواعي القلوب والأرواح، من الوصول والوصال بحسب صدق الطلب، وحسن السؤال من حضرة الجلال ذي الفضل والأفضال، والكرم والنوال، {نُزُلاً} [فصلت: 32] فضلاً وعطاءً، وتقدمه لما يستديم إلى الأبد من فنون الأعطاف وأصناف الألطاف {مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت: 32] يبدل السيئات باالحسنات، ويزيد لأهل الطاعات في الدرجات والقربات.
ثم أخبر عن أحسن الأقوال لأرباب الأحوال بقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} [فصلت: 33] يشير إلى أن أحسن قول قاله الأنبياء والأولياء قولهم: بدعوة الخلق إلى الله، وهو من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان مخصوصاً بهذه الدعوة قال تعالى:
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ } [الأحزاب: 46] وهو أن يكتفي بالله في الله لا يطلب منه غيره، قال: {وَعَمِلَ صَالِحاً} [فصلت: 33] أي: كما يدعو الخلق إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه؛ يعني: سلكوا طريق الله إلى أن يصلوا إلى الله وصولاً بلا اتصال ولا انفصال، فبسلوكهم ومنازلتهم عرفوا الطريق إلى الله، ثم دعوا بعد ما عرفوا الطريق إليه الخلق إلى الله، {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] لحكمة الراضين بقضائه وتقديره {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ} [فصلت: 34]؛ وهي التوجه إلى الله بصدق الطلب وخلوص المحبة، {وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} [فصلت: 34]؛ وهي طلب ما سواه منه والرضاء عنه بما دونه، ولهذا قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وبقوله: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34] يشير إلى دفع طلب ما سوى الله بطلب الله فإنه أحسن مما سواه، فإذا فعلت ذلك وتقربت إلى الله بطلبه والله يتقرب إليك بتجلي صفاته لك {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ} [فصلت: 34]؛ يعني: النفس الأمارة بالسوء {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]؛ لتزكيتها عن صفاتها الذميمة بإفاضة أنوار التجلي عليها، وهذا هو الإكسير الأعظم بأن صار العدو صديقاً والبعيد قريباً، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} [فصلت: 35] لا يقوم باستفادة هذه الأحوال إلا من أكرم بتوفيق الصبر، ورقى عن سفاسف الشيم الإنسانية إلى معالي الأخلاق الربانية، {وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] من فناء نفسه والبقاء بربه.