خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
١٥٩
مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
١٦٠
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
١٦١
قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٦٢
لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ
١٦٣
-الأنعام

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن مضار في الدين المتين بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} [الأنعام: 159] والإشارة فيها: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ}، أي: دينهم الذي ارتضي لهم الله تبارك وتعالى هو الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان، وتمامية نعمة الحق تعالى وهو الفوز العظيم بنور الله التام، كما قال تعالى: { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ } [الصف: 8] فارقوا بقلوبهم، وإن كانوا متمسكين ببعض سعادة بظواهرهم رياء وسمعة أو خوفاً وطمعاً، {وَكَانُواْ شِيَعاً} [الأنعام: 159]، أي: صاروا هؤلاء الفارقون المارقون فرقاً مختلفة، فرقة منهم أهل الأهواء والبدع من المذاهب المختلفة: كالمعتزلة والنجارية والمعطلة نافية الصفات والمشبهة والجسمية والمرجئة والجبرية والقدرية والروافض والخوارج وأمثالهم ممن يزعم أنه من أهل الإسلام، وفرقة منهم أهل الدعاوي من غير المعاني كبعض المتزهدين بالرياء، والمتصوفين بغير الصفاء، والعارفين الجاهلين المكذبين العادين عن المعرفة منهم: القلندرية والحوالقية وأكثر من يدَّعي الفقر وما شمَّ رائحته، وكبعض الغافلين البطالين والعلماء بالسوء الذين يأكلون الدنيا بالدين وهو [بأبدانهم] في طلب العلم وحرفة الجاه والقبول وجمع المال والمفاخرة والمباهاة والشهرة وأخذ المناصب للمكاسب، فإنهم يدَّعون من خواص أهل الإسلام ويظهرون شعائر الصالحين ويضمرون دثار الصالحين.
ومنهم فرقة خلعوا من ربقة الإسلام بالكلية وخرقوا من الدين خروق السَّهم من الرمية، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم: كالمتفلسفة والدهرية والطبائعية والحشوية والزنادقة والإباحية والمباركية والإسماعيلية والأباضية والحرورية وطوائف، فإن فيهم كثرة وليس أحد منهم على دين الإسلام، ولكن يخرطون في مسلكهم، وكانوا يتملكوا بملكهم، فهؤلاء أقوام اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم وأديانهم مجتمعين جهراً بجهر متفرقين شبراً بشبر.
قال الله تعالى: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]، ولا يجمعك وإياهم معنى شقك شق الحقائق وشقهم شق البواطل، ولا اجتماع للضدين، {إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} [الأنعام: 159]، أي: في بدء الأمر في الخلقة في قسم الاستعداد على ما شاء كما شاء، وفي الحال بالتوفيق والخذلان وفي المال بالمكافآت والمجازات، {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم} [الأنعام: 159]، عند المكافآت يوم المجازات، {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159]، في الدينا، إذا كانوا يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا ينبئهم عما فعله في البداية من التدبير والتقدير.
ثم أخبر عن مجازات الحسنات والسيئات بقوله تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، والإشارة فيها: إن الله تبارك وتعالى من كمال إحسانه مع العبد أحسن إليه بعشر حسنات قبل أن يعمل العبد حسنة واحدة، فقال تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، يعني: قبل أن يجئ بحسنة أحسنت إليه بعشر حسنات؛ حتى يقدر أن يجيء بالحسنة، وهي: حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد بأن خلقه في أحسن تقويم مستعداً للإحسان، وحسنة التربية، وحسنة الرزق بعثة الرسل، وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات والسيئات، وحسنة التوفيق، وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات.
{وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} [الأنعام: 160]، والسر فيه: إن السيئة بذر يذرع في أرض النفس والنفس خبيثة؛ لأنها أمَّارة بالسوء، والحسنة بذر يذرع في أرض القلب والقلب طيِّب؛ لأنه يذكر الله
{ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } [الرعد: 28]، وقد قال تعالى: { وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً } [الأعراف: 58]، وأمَّا ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات فاعلم أنه كما للأعداد أربع مراتب: آحاد وعشرات ومئات وألوف، وفي مرتبة الألوف ألف، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس، والقلب، والروح، والسر، فالعمل الواحد في مرتبة النفس يكون واحد بعينه، كما قال تعالى: { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [الشورى: 40]، إذ هي بمرتبة الآحاد، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها؛ لأنه بمرتبة العشرات، وفي مرتبة الروح يكون بمائة؛ لأنه بمرتبة المئات، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى؛ لأنه منزلة الألوف، والله اعلم.
{وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160]، المعنى: إن الله تعالى قد أحسن إليهم قبل أن يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة، فلا يظلمهم بعد أن أحسنوا، بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى:
{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } [النساء: 40].
ثم أخبر عن الصراط المستقيم وأنه هو الدين القيم بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 161]، الإشارة فيها: إن الإنسان لمَّا فارق غيب الغيب، وإن شاءته القدرة في عالم الأرواح فقد الحق عند وجدان الوجود، فلما أراد إلى أسفل سافلين القالب ضل عن سواء السبيل إلى أن أدركته العناية وساقته الهداية بجذبة:
{ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ } [الفجر: 28]، فيهديه ربه من تيه الضلالة والغواية إلى صراط مستقيم الدين القويم، كما قال تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل: يعني؛ أخبر الخلق أحوالك؛ ليعرفوك فيتبعوك عليه، أي؛ هداني بعد أن وجدني ضالاً عنه في تيه البشرية إلى صراط مستقيم إليه، دل عليه قوله تعالى: { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ } [الضحى: 7]، واعني بالصراط المستقيم: {دِيناً قِيَماً} [الأنعام: 161]، مبنياً على قرآن عجب يهدي إلى الرشد عند التمسك بحبله يوصل العبد إلى ربه.
{مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [الأنعام: 161]، أي: ذاهب إلى الحق؛ لقوله تعالى:
{ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الصافات: 99]، {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]، الذين يطلبون مع الله شيئاً آخر ويطلبون منه غيره، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162]، أي: سيرى على منهاج الصلاة؛ وهي معراج إلى الله وذبيحة نفسي لله، {وَمَحْيَايَ} [الأنعام: 162]، أي: حياة قلبي وروحي، {وَمَمَاتِي} [الأنعام: 162] أي: موت نفسي، {لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، لطلب الحق تعالى والوصول إليه، {لاَ شَرِيكَ لَهُ } [الأنعام: 163]، في الطلب من مطلوب سواه، {وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام: 163]، أي: ليس هذا الطلب والقصد إلى الله من نظري وعقلي وطبعي؛ إنما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ أوحى إلي وقال: { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } [المزمل: 8]، وقال: { قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ } [الأنعام: 91].
{وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163]، يعني: أنا أوَّل من استسلم عند الإيجاد لأمركن، وعند قبول فيض المحبة بقوله: [يحبهم]، والاستسلام للمحبة في قوله: [يحبونه]، دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
"أول ما خلق الله نوري" .