خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ
١
-الفاتحة

مجمع البيان في تفسير القرآن

اتفق أصحابنا أنها آية من سورة الحمد ومن كل سورة وأنَّ من تركها في الصلاة بطلت صلاته سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً وأنه يحب الجهر بها فيما فيه بالقراءة ويستحب الجهر بها فيما يخافت فيه بالقراءة وفي جميع ما ذكرناه خلاف بين فقهاء الأمة ولا خلاف في أنها بعض آية من سورة النمل وكل من عدَّها آية جعل من قولـه: { صراط الذين } إلى آخره السورة آية ومن لم يعدها آية جعل { صراط الذين أنعمت عليهم } آية وقال: إنها افتتاح للتيمّن والتبرك وأما القراء: فإِن حمزة وخلفاً ويعقوب واليزيدي تركوا الفصل بين السور بالتسمية والباقون يفصلون بينها بالتسمية إلا بين الأنفال والتوبة.
فضلها: روي عن علي بن موسى الرضا (ع) أنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها, وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إذا قال المعلم للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال الصبي بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي وبراءة لأبويه وبراءة للمعلم" وعن ابن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فإنها تسعة عشر حرفاً ليجعل الله كل حرف منها جنة من واحد منهم وروي عن الصادق (ع) أنه قال: ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها وهي بسم الله الرحمن الرحيم.
اللغة: الاسم مشتق من السمو وهو الرفعة أصله سِمو بالواو لأنّ جمعه أسماء مثل قنو وأقناء وحنو وأحناء وتصغيره سُمَي قال الراجز:

باسم الذي في كل سورة سِمُهْ

وسُمه أيضاً ذكره أبو زيد وغيره وقيل إنه مشتق من الوسم والسمة والأول أصحّ لأنّ المحذوف والفاء نحو صلة ووصل وعدة ووعد لا تدخله همزة الوصل ولأنه كان يجب أن يقال في تصغيره وسيم, كما يقال وعيدة ووصيلة في تصغير عدة وصلة والأمر بخلافه { الله } اسم لا يطلق إلا عليه سبحانه وتعالى وذكر سيبويه في أصله قولين أحدهما: إنه إلآه على وزن فعال فحذفت الفاء التي هي الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً عنها بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلة على لام التعريف في القسم والنداء في نحو قولـه: أفَألله لتفعلنَّ, ويا ألله اغفر لي, ولو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل كما لم تثبت في غير هذا الاسم والقول الآخر أنّ أصله لاه ووزنه فعل فألحق به الألف واللام. يدل عليه قول الأعشى:

كَحلْفَةٍ مِن أَبيْ رِباحٍ يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ

وإنما أدخلت عليه الألف واللام للتفخيم والتعظيم فقط ومن زعم أنها للتعريف فقد أخطأ لأنّ أسماء الله تعالى معارف والألف من لاه منقلبة عن ياء فأصله إليه كقولـهم في معناه لهي أبوك قال سيبويه نقلت العين إلى موضع اللام وجعلت اللام ساكنة إذ صارت في مكان العين كما كانت العين ساكنة وتركوا آخر الاسم الذي هو لهي مفتوحاً كما تركوا آخر أنّ مفتوحاً وإنما فعلوا ذلك حيث غيروه لكثرته في كلامهم فغيروا إعرابه كما غيروا بناءه وهذه دلالة قاطعة لظهور الياء في لهي والألف على هذا القول منقلبة كما ترى, وفي القول الأول زائدة لأنها ألف فعال وتقول العرب أيضاً لاه أبوك تريد لله أبوك قال ذو الإصبع العدواني:

لاهِ ابنْ عَمِّكَ لا أفْضَلْتَ في حَسَبٍ عَنِّيْ وَلاَ أنْتَ دَيَّاني فَتُخْزُوْني

أي: تسوسني. قال سيبويه: حذفوا لام الإضافة واللام الأخرى ولم ينكر بقاء عمل اللام بعد حذفها فقد حكى سيبويه من قولـهم: الله لأخرجنَّ يريدون والله ومثل ذلك كثير يطول الكلام بذكره فأما الكلام في اشتقاقه فمنهم من قال إنه اسم موضع غير مشتق إذ ليس يجب في كل لفظ أن يكون مشتقاً لأنه لو وجب ذلك لتسلسل هذا قول الخليل ومنهم من قال إنه مشتق ثم اختلفوا في اشتقاقه على وجوه: فمنها أنه مشتق من الألوهية التي هي العبادة والتأله التعبد قال رؤبة:

للِه دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِ سَبَّحْنَ وَاسْترْجعْنَ مِنْ تْألُّهي

أي تعبدي وقرأ ابن عباس ويذرك والإِهتك أي: عبادتك ويقال آله الله فلان الإِهة كما يقال عبده عبادة, فعلى هذا يكون معناه الذي يحق له العبادة ولذلك لا يسمى به غيره ويوصف فيما لم يزل بأنه آله (ومنها) أنه مشتق من الوله وهو التحير يقال آله يأله إذا تحير - عن أبي عمرو - فمعناه أنه الذي تتحير العقول في كنه عظمته (ومنها) أنه مشتق من قولـهم ألهت إلى فلان أي فزعت إليه لأن الخلق يألهون إليه أي يفزعون إليه في حوائجهم فقيل للمألوه آله كما يقال للمؤتم به إمام (ومنها) أنه مشتق من ألهت إليه أي سكنت إليه عن المبرَّد ومعناه أن الخلق يسكنون إلى ذكره, ومنها أنه من لاه أي احتجب فمعناه أنه المحتجب بالكيفية عن الأوهام, الظاهر بالدلائل والأعلام, { الرحمن الرحيم } اسمان وضعا للمبالغة, واشتقا من الرحمة, وهي النعمة, إلا أن فعلان أشدُّ مبالغة من فعيل وحكي عن أبي عبيدة أنه قال: الرحمن ذو الرحمة والرحيم هو الراحم وكرّر لضرب من التأكيد وأما ما روي عن ابن عباس أنهما اسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر فالرحمن الرقيق والرحيم العطاف على عباده بالرزق والنعم فمحمول على أنه يعود عليهم بالفضل, بعد الفضل والنعمة بعد النعمة, فعبَّر عن ذلك بالرقة, لأنه لا يوصف بالرقة, وما حكي عن تغلب أن لفظة الرحمن ليست بعربية وإنما هي ببعض اللغات مستدلاً بقولـه تعالى: { { قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } }[الفرقان: 60] إنكاراً منهم لهذا الاسم فليس بصحيح لأن هذه اللفظة مشهورة عند العرب موجودة في أشعارها قال الشنفرى:

أَلا ضَرَبَتْ تِلْكَ الفَتَاةُ هَجيْنَهَا ألا قَضَبَ الرَّحْمنُ رَبِّي يَميْنَها

وقال سلامة بن جندل:

وما يشأ الرحمن يعقدْ ويطلقِ

الإعراب: { بسم الله } الباء حرف جر أصله الإلصاق والحروف الجارة موضوعة لمعنى المفعولية ألا ترى أنها توصل الأفعال إلى الأسماء وتوقعها عليها فإذا مررت بزيد أوقعت الباء المرور على زيد فالجالب للباء فعل محذوف نحو ابدأوا بسم الله أو قولوا بسم الله فمحله نصب لأنه مفعول به وإنما حذف الفعل الناصب لأن دلالة الحال أغنت عن ذكره وقيل إن محل الباء رفع على تقدير مبتدأ محذوف وتقديره ابتدائي بسم الله فالباء على هذا متعلقة بالخبر المحذوف الذي قامت مقامه أي ابتدائي ثابت بسم الله أو ثبت ثم حذف هذا الخبر فأفضى الضمير إلى موضع الباء وهذا بمنزلة قولك زيد في الدار ولا يجوز أن يتعلق الباء بابتدائي المضمر لأنه مصدر وإذا تعلقت به صارت من صلته وبقي المبتدأ بلا خبر وإذا سأل عن تحريك الباء مع أن أصل الحروف البناء وأصل البناء السكون فجوابه أنه حُرّك للزوم الإبتداء به ولا يمكن الإبتداء بالساكن وإنما حُرّك بالكسر ليكون حركته من جنس ما يحدثه وإذا لزم كاف التشبيه في كزيد فجوابه أن الكاف لا يلزم الحرفية وقد تكون اسماً في نحو قولـه:

يضحكن عن كالبَردِ المنهمِّ

فخولف بينه وبين الحروف التي لا تفارق الحرفية وهذا قول أبي عمرو الجرمي وأصحابه, فأما أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي فقال: إنهم لو فتحوا أو ضمُّوا لجاز لأن الغرض التوصل إلى الإبتداء فبأي حركة توصل إليه جاز وبعض العرب يفتح هذه الباء وهي لغة ضعيفة وإنما حذفت الهمزة من بسم الله في اللفظ لأنها همزة الوصل تسقط في الدرج وحذفت هاهنا في الخط أيضاً لكثرة الاستعمال ولوقوعها في موضع معلوم لا يخاف فيه اللبس ولا تحذف في نحو قولـه: { { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ } [العلق: 1] لقلة الاستعمال وإنما تغلظ لام الله إذا تقدمته الضمة أو الفتحة تفخيما لذكره, وإجلالا لقدره, وليكون فرقاً بينه وبين ذكر اللات. { الله } مجرور بالإضافة و{ الرحمن الرحيم } مجروران لأنهما صفتان لله.
المعنى: { بسم الله } قيل المراد به تضمين الاستعانة فتقديره استعينوا بأن تسمُّوا الله بأسمائه الحسنى, وتصفوه بصفاته العلى, وقيل: المراد استعينوا بالله ويلتفت إليه قول أبي عبيدة إن الاسم صلة والمراد هو الله كقول لبيد:

إِلَى الحوْلِ ثمَّ اسمُ السَّلاَمُ عليْكُما ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فقدِ اعتَذَرْ

أي ثمَّ السلام عليكما والاسم قد يوضع المسمى لما كان المعلَّق على الاسم ذكراً أو خطاباً معلَّقاً على المسمى تقول رأيت زيداً فتعلق الرؤية على الاسم وفي الحقيقة تعلقها بالمسمى فإن الاسم لا يرى فحسن إقامة الاسم مقام المسمى وقيل المراد به ابتدئ بتسمية الله فوضع الاسم موضع المصدر كما يقال أكرمته أي إكراماً وأهنته هواناً أي إهانة ومنه قول الشاعر:

أكفراً بَعْدَ رَدِّ الموْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطَائِكَ المائة الرّتاعا

أي: بعد اعطائك, وقال الآخر:

فإِنْ كَانَ هذا الْبُخْلُ مِنْكَ سَجِيَّةً لَقَدْ كُنْتُ فِي طُوْلى رَجائِكَ أَشْعبَا

أراد في إِطالتي رجاءك فعلى هذا يكون تقدير الكلام ابتداء قراءتي بتسمية الله, أو أقرأ مبتدئاً بتسمية الله وهذا القول أولى بالصواب لأنا إِنما أُمرنا بأن نفتتح أُمورنا بتسمية الله لا بالخبر عن كبريائه وعظمته كما أُمرنا بالتسمية على الأكل والشرب والذبائح؛ ألا ترى أن الذابح لو قال بالله ولم يقل باسم الله لكان مخالفاً لما أُمر به ومعنى الله والإِله أنه الذي تحق له العبادة وإِنما تحق له العبادة لأنه قادر على خلق الأجسام وإحيائها والإنعام عليها بما يستحق به العبادة وهو تعالى إِله للحيوان والجماد لأنه قادر على أن ينعم على كل منهما بما معه يستحق العبادة, فأما من قال معنى الإِله المستحق للعبادة يلزمه أن لا يكون إلهاً في الأزل لم يفعل الإنعام الذي يستحق به العبادة وهذا خطأ وإنما قدم الرحمن على الرحيم لأن الرحمن بمنزلة اسم العلم من حيث لا يوصف به إِلا الله فوجب لذلك تقديمه بخلاف الرحيم لأنه يطلق عليه وعلى غيره. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عيسى ابن مريم قال الرحمن رحمن الدنيا والرحيم رحيم الآخرة" . وعن بعض التابعين قال: "الرحمن بجميع الخلق والرحيم بالمؤمنين خاصة" ووجه عموم الرحمن بجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم وبَرُّهم وفاجرهم هو إنشاؤُه إِياهم وخلقهم أحياءً قادرين ورزقه إِياهم, ووجه خصوص الرحيم بالمؤمنين هو ما فعله بهم في الدنيا من التوفيق وفي الآخرة من الجنة والإكرام, وغفران الذنوب والآثام, وإِلى هذا المعنى يؤول ما روي عن الصادق (ع) أنه قال: الرحمن اسم خاص بصفة عامة والرحيم اسم عام بصفة خاصة وعن عكرمة قال: الرحمن برحمة واحدة والرحيم بمائة رحمة وهذا المعنى قد اقبسه من قول الرسول: "إن لله عز وجل مائة رحمة وإنه أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه بها يتعاطفون ويتراحمون وأخَّر تسعاً وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة" وروي أن الله قابض هذه إِلى تلك فيكملها مائة يرحم بها عباده يوم القيامة.