خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا
١
قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً
٢
مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً
٣
وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً
٤
مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً
٥
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً
٦
-الكهف

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أبو بكر برواية يحيى من لدنه بإشمام الدال الضم وكسر الهاء والنون وقرأ الباقون بضم الدال وسكون النون وفي الشواذ كبرت كلمة برفع كلمة قرأه يحيى بن يعمر والحسن وابن المحيصن وابن أبي إسحاق والثقفي والأعرج بخلاف وعمرو بن عبيد.
الحجة: قال أبو علي في لدن ثلاث لغات لَدُن مثل سبع ويخفف الدال ويكون على ضربين أحدهما: أن يحذف الضمة من الدال فيقال لَدْن والآخر: أن يحذف الضمة من الدال وينتقل إلى اللام فيقال لُدْن مثل عُضْد في عَضُد وفي كلا الوجهين يجتمع في الكلمة ساكنان فمن قرأ من لُدْنِه بكسر النون فإن الكسرة فيه ليست كسرة إعراب وإنما هي كسرة لالتقاء الساكنين وذاك أن الدال أسكنت كما أسكنت الباء في سبع والنون ساكنة فالتقى الساكنان فكسر الثاني منهما فأما إشمام الدال الضمة فليعلم أن الأصل كان في الكلمة الضمة ومثل ذلك قولهم أنت تغرين وقولهم قيل أشمث الكسرة فيهما الضمة ليدل على أن الأصل فيهما التحريك بالضم وإن كان الإشمام في لدنه ليس في حركة خرجت إلى اللفظة وإنما هو بهيئة العضو لإخراج الضمة وأما الجار في قوله من لدنه فيحتمل ضربين أحدهما: أن يكون صفة متعلقاً بشديد والآخر: أن يكون صفة للنكرة وفيها ذكر للموصوف.
اللغة: العَوج بالفتح فيما يرى كالقناة والخشبة وبالكسر فيما لا يرى شخصاً قائماً كالدين والكلام والقيم والمستقيم والباخع القاتل المهلك يقال بخع نفسه يبخعها بخعاً وبخوعاً قال ذو الرمة:

أَلا أَيُّهذَا البْاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقادِرُ

يريد نحَّته والأسف المبالغة في الحزن والغضب يقال أسف فهو آسف وأسيف قال الأعشى:

تَرى رَجُلاً مِنْهُمْ أَسِيفاً كَأَنـَّـهُ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفّاً مُخَضبَّا

قَيّماً نصب على الحَال من الكتاب والعامل فيه أنزل وقوله: {أن لهم أجراً} تقديره بأن لهم أجراً فحذف الجار وماكثين نصب على الحال في معنى خالدين, وقوله كبرت كلمة اختلف في نصب كلمة فقال السراج: انتصب على تفسير المضمر على حد قولهم نعم رجلاً زيد والتقدير على هذا كبرت الكلمة كلمة ثم حُذف الأول لدلالة الثاني عليه, ومثله كرم رجلاً زيد ولؤم صاحباً عمرو, ويكون المخصوص بالتكبير في هذه المسألة محذوفاً لدلالة صفته عليه والتقدير كلمة تخرج من أفواههم أي كلمة خارجة من أفواههم فيكون مرفوعاً على وجهين أحدهما: أن يكون مبتدأ وما قبله الخبر والآخر: أن يكون خبر مبتدأ محذوف وتقديره هي كلمة تخرج وقيل انتصب كلمة على التمييز المنقول عن الفاعل على حد قولك تصببت عرقاً وتفقأت شحماً والأصل كبرت كلمتهم الخارجة من أفواههم قال الشاعر:

وَلَقَدْ عَلِمْتُ إذَا الرِياحُ تناوَحَتْ هُــدْجَ الرِيــالَ تكُبُّهنَّ شِمالا

أي تكبهن الرياح شمالاً ومن قرأ كبرت كلمة فإنه جعل كلمة فاعل كبرت وجعل قولهم اتخذ الله ولداً كلمة كما قالوا للقصيدة كلمة, وعلى هذا فيكون قولـه تخرج من أفواههم في موضع رفع بكونه صفة لكلمة, ولا يجوز أن يكون وصفاً لكلمة الظاهرة المنصوبة لأن الوصف يقرب النكرة من المعرفة والتمييز لا يكون معرفة البتة ولا يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من كلمة المنصوبة لوجهين أحدهما: أن الحال يقوم مقام الوصف والثاني أن الحال لا يكون من نكرة في غالب الأمر وأسفاً منصوب بأنه مصدر وضع موضع الحال ولو كان في غير القرآن لجاز لم يؤمنوا بالفتح كما في قول الشاعر:

أَتَجْزَعُ أَنْ بانَ الْخَلِيطُ الْمُوَدِّعُ وَحَبْلُ الصَّفا مِنْ عِزَّة الْمُتَقَطّعُ

المعنى: {الحمد لله} يقول الله سبحانه لخلقه قولوا كل الحمد والشكر لله {الذي أنزل على عبده} محمد صلى الله عليه وسلم {الكتاب} أي القرآن وانتجبه من خلقه وخصَّه برسالته فبعثه نبياً رسولاً {ولم يجعل له عوجاً قيماً} فيه تقديم وتأخير وتقديره الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً, وعنى بقوله قيماً معتدلاً مستقيماً مستوياً لا تناقض فيه عن ابن عباس, وقيل قيما على سائر الكتب المتقدمة يصدقها ويحفظها وينفي البطل عنها وهو ناسخ لشرائعها عن الفراء, وقيل قيماً لأمور الدين يلزم الرجوع إليه فيها كقيم الدار الذي يرجع إليه في أمرها عن أبي مسلم, وقيل قيماً دائماً يدوم ويثبت إلى يوم القيامة لا ينسخ عن الأصم ولم يجعل له عوجاً أي لم يجعله ملتبساً لا يفهم ومعوجاً لا يستقيم وهو معنى قول ابن عباس, وقيل لم يجعل فيه اختلافاً كما قال عز وجل اسمه { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82] عن الزجاج ومعنى العوج في الكلام أن يخرج من الصحة إلى الفساد ومن الحق إلى الباطل ومما فيه فائدة إلى ما لا فائدة فيه.
ثم بيَّن سبحانه الغرض في إنزاله فقال {لينذر بأساً شديداً من لدنه} ومعناه ليخوف العبد الذي أنزل عليه الكتاب الناس عذاباً شديداً ونكاراً وسطوة من عند الله تعالى إن لم يؤمنوا به {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً} معناه وليبشر المصدقين بالله ورسوله الذين يعملون الطاعات بعد الإيمان أن لهم ثواباً حسناً في الآخرة على إيمانهم وطاعاتهم في الدنيا وذلك الثواب هو الجنة.
{ماكثين فيه أبداً} أي لابثين في ذلك الثواب خالدين مؤبَّدين لا ينتقلون عنه {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً} أي وليحذر الكفار الذين قالوا الملائكة بنات الله وهم قريش عن الحسن ومحمد بن إسحاق, وقيل هم اليهود والنصارى عن السدي والكلبي فعمَّ جميع الكفار بالإنذار في الآية الأولى وخصَّ في هذه الآية القائلين بهذه المقالة منهم لتقليدهم الآباء في ذلك ولإصرارهم على الجهل وقلة التفكر ولصدّهم الناس عن الدين.
{ما لهم به من علم ولا لآبائهم} أي ليس لهؤلاء القائلين بهذا القول الشنيع علم به ولا لأسلافهم الذين مضوا قبلهم على مثل ما هم عليه اليوم وإنما يقولون ذلك عن جهل وتقليد من غير حجة وقيل معناه ليس لهم بالله من علم ولا لآبائهم.
{كبرت كلمة تخرج من أفواههم} أي عظمت الكلمة كلمة تخرج من أفواه هؤلاء الكفار ووصف الكلمة بالخروج من الأفواه توسعاً ومجازاً وإن كانت الكلمة عرضاً لا يجوز عليها الدخول والخروج ولا الحركة والسكون ولكن لما كانت الكلمة قد تحفظ وتثبت وتوجد مكتوبة ومقروءة في غير الموضع الذي فعلت فيه وصفها بالخروج وذكر الأفواه تأكيداً والمعنى أنهم صرَّحوا بهذه الكلمة العظيمة في القبح وأظهروها {إن يقولون إلا كذباً} أي ما يقول هؤلاء إلا كذباً وافتراء على الله.
{فلعلك} يا محمد: {باخع نفسك على آثارهم} أي مهلك وقاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً تمرداً منهم على ربهم {إن لم يؤمنوا} أي إن لم يصدّقوا {بهذا الحديث} أي بهذا القرآن الذي أنزل عليك {أسفا} أي حزناً وتلهفاً ووجداً بإدبارهم عنك وإعراضهم عن قبول ما آتيتهم به وقيل على آثارهم أي بعد موتهم لشدة شفقتك عليهم وقيل معناه من بعد توليهم وإعراضهم عنك وقيل أسفاً أي غيظاً وغضباً عن ابن عباس وقتادة وهذه معاتبة من الله سبحانه لرسوله على شدة وجده وكثرة حرصه على إيمان قومه حتى بلغ ذلك به مبلغاً يقربه إلى الهلاك.