خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ
٦٧
قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ
٦٨
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ
٦٩
فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ
٧٠
قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ
٧١
قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ
٧٢
إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ
٧٣
إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ
٧٤
وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ
٧٥
جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ
٧٦
-طه

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ ابن ذكوان تلقف بالرفع والباقون بالجزم إلا أن حفصاً يقرؤها خفيفة والآخرون مشددة وابن كثير برواية البزي وابن فليح يشدّد التاء أيضاً وقرأ كيد سحر بغير ألف أهل الكوفة غير عاصم والباقون ساحر بالألف.
الحجة: من قرأ تلقف بالرفع فإنه يرتفع لأنه في موضع الحال والحال يجوز أن يكون من الفاعل الملقى أو من المفعول الملقي فإن جعلته من الفاعل جعلته من المتلقف وإن كان التلقف في الحقيقة للعصا لأن التلقف كان بإلقائه فجاز أن ينسب إليه وإن جعلته من المفعول فإنه أنَّث على المعنى لأن الذي في يمينه عصا ومثل ذلك في أن يكون مرة للخطاب ومرة للمؤنث قوله
{ يومئذ تحدث أخبارها } [الزلزلة: 4] فهذا يكون على تحدث أنت أيها الإنسان وعلى أن الأرض تحدث وأما تلقف بالجزم فعلى أن يكون جواباً كأنه قال أن تلقه تَلْقَف وتلقف ومن شدَّد التاء فإنما أراد تتلقف وهذا يكون على تتلقف أنت أيها المخاطب وعلى تتلقف هي إلا أنه أدغم التاء الأولى في التاء الثانية والإدغام في هذا ينبغي أن لا يكون جائزاً لأن المدغم يسكن وإذا سكن لزم أن يجلب له همزة الوصل كما جلبت في أمثلة الماضي نحو ادّرأتم وازينت واطّيروا وهمزة الوصل لا تدخل على المضارع قال وسألت أحمد بن موسى كيف يبتدئ من أدغم فقال كلاماً معناه أنه يصير والابتداء إلى قول من خفف ويدع الإدغام ومن قرأ كيد ساحر فلأن الكيد للساحر في الحقيقة وليس للسحر إلا أن يريد كيد ذي سحر فيكون في المعنى مثل كيد ساحر والاختلاف بين القراء في آمنتم والوجه في ذلك ذكرناه في سورة الأعراف.
اللغة: يقال لقفت الشيء وتلقفته والتقفته إذا أخذته بسرعة. قال الكسائي: الصبي في الحجاز إذا جاء من عند معلمه قال جئت من عند كبيري والكبير في اللغة الرئيس ولهذا يقال للمعلم الكبير، والإيثار الإختيار والتزكي طلب الزكاء والزكاء النماء في الخبر ومنه الزكاة لأن المال ينمو بها.
الإعراب: إنَّ مفصول من ما صنعوا لأن ما ههنا موصولة وصنعوا صلته ويجوز أن يكون الموصول اسماً بمعنى الذي ويكون العائد من الصلة إلى الموصول محذوفاً ويجوز أن يكون حرفاً فيكون تقديره إن صنعهم والفرق بين آمنتم به وآمنتم له إن آمنتم به بالباء وهو من الإيمان الذي هو ضد الكفر وآمنتم له بمعنى التصديق {من خلاف} يحتمل أن يكون من بمعنى عن أي عن خلاف ويحتمل أن يكون بمعنى على خلاف فيكون الجار والمجرور في موضع نصب على الحال {في جذوع النخل} في بمعنى على وإنما جاز ذلك لأن الجذع قد اشتمل عليهم وقد صاروا فيها قال الشاعر:

هُمُ صَلَبُوا العَبْديَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ فَــلا عَطَسَــتْ شَيْبانُ إلاّ بِأجْدَعا

{أيّنا أشد عذاباً وأبقى} تعليق ومعنى التعليق إن عملت تعمل في المعنى ولا تعمل في اللفظ والذي فطرنا موضعه جرّ عطف على ما جاءنا {فاقض ما أنت قاض} يجوز أن يكون ما مصدرية في تقدير الظرف أي فاقض القضاء مدة كونك قاضياً ويجوز أن يكون ما مفعوله أي فاقض ما أنت قاضيه فحذف الهاء {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} حذف المضاف وتقديره إنما تقضي أمور هذه الحياة الدنيا ويجوز أن يكون تقديره إنما تقضي مدة هذه الحياة الدنيا وهذه على القول الأول منصوبة مفعول بها وعلى الثاني منصوبة على الظرف ويجوز أن يكون الواو للقسم.
{جنات عدن} يجب أن يكون بدلاً من الدرجات ولا يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف لأن قوله خالدين فيها نصب على الحال من قوله لهم ذو الحال الضمير المجرور باللام فعلى هذا لا يجوز الوقف على الدرجات العلى والدرجات مرتفع بالظرف بلا خلاف بينهم لأن الظرف جرى خبراً على المبتدأ وهو أولئك واعتمد عليه فيرتفع ما بعده.
المعنى: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} معناه فأحسّ موسى ووجد في نفسه ما يجده الخائف ويقال أوجس القلب فزعاً أي أضمر والسبب في ذلك أنه خاف أن يلتبس على الناس أمرهم فيتوهموا أنهم فعلوا مثل فعله ويظنّوا المساواة فيشكُّوا ولا يتّبعونه عن الجبائي. وقيل: إنه خوف الطباع إذا رأى الإنسان أمراً فظيعاً فإنه يحذره ويخافه في أول وهلة. وقيل: إنه خاف أن يتفرق الناس قبل إلقائه العصا وقبل أن يعلموا ببطلان السحرة فيبقوا في شبهة. وقيل: إنه خاف لأنه لم يدر أن العصا إذا انقلبت حية هل تظهر المزية لأنه لا يعلم أنها تتلقفها فكان ذلك موضع خوف لأنها لو انقلبت حية ولم تتلقف ما يأفكون ربما ادّعوا المساواة لا سيما والأهواء معهم والدولة لهم فلما تلقفت زالت الشبهة وتحقق عند الجميع صحة أمر موسى وبطلان سحره.
{قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى} عليهم بالظفر والغلبة {وألق ما في يمينك} يعني العصا {تلقف ما صنعوا} أي تبتلع ما صنعوا فيه من الحبال والعصي لأن الحبال والعصي أجسام ليست من صنعهم قالوا ولما ألقى عصاه صارت حية وطافت حول الصفوف حتى رآها الناس كلهم ثم قصدت الحبال والعصي فابتلعتها كلها على كثرتها ثم أخذها موسى فعادت عصا كما كانت.
{إنما صنعوا كيد ساحر} أي أن الذي صنعوه أو أن صنيعهم كيد ساحر أي مكره وحيلته {ولا يفلح الساحر} أي لا يظفر الساحر ببغيته إذ لا حقيقة للسحر {حيث أتى} أي حيث كان من الأرض. وقيل: لا يفوز الساحر حيث أتى بسحره لأن الحق يبطله.
{فألقي السحرة سجداً} ههنا محذوف وهو فألقى عصاه وتلقف ما صنعوا فألقي السحرة سجداً أي سجدوا {وقالوا آمنا برب هارون وموسى} أضافوه سبحانه إليهما لدعائهما إليه وكونهما رسولين له.
{قال} فرعون للسحرة {آمنتم له} أي لموسى والمعنى قد صدقتم له {قبل أن آذن لكم} أي من غير إذني لأنه بلغ من جهله أنه لا يعتقد دين إلا بإذنه والفرق بين الإذن والأمر أنّ في الأمر دلالة على إرادة الآمر الفعل المأمور به وليس في الإذن ذلك وقوله
{ فإذا حللتم فاصطادوا } [المائدة: 2] إذن وقوله { أقيموا الصلاة } [الأنعام: 72] أمر {إنه لكبيركم الذى علّمكم السحر} معناه أنه لأستاذكم وأنتم تلامذته وقد يعجز التلميذ عما يفعله الأستاذ. وقيل: إنه لرئيسكم ومتقدمكم وأنتم أشياعه وأتباعه ما عجزتم عن معارضته ولكنكم تركتم معارضته احتشاماً له واحتراماً وإنما قال ذلك ليوهم العوام أن ما أتوا به إنما هو لتواطؤ من جهتهم ليصرفوا وجوه الناس إليهم {فلأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم من خلاف} أي أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى {ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي على جذوع النخل {ولتعلمن} أيها السحرة {أيّنا أشد عذاباً} لكم {وأبقى} وأدوم أنا على إيمانكم أم رب موسى على ترككم الإيمان به.
{قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات} أي لن نفضلك ولن نختارك على ما أتانا من الأدلة الدالة على صدق موسى وصحّة نبوته والمعجزات التي تعجز عنها قوى البشر {والذي فطرنا} أي وعلى الذي فطرنا أي خلقنا. وقيل: معناه لن نؤثرك والله الذي فطرنا على ما جاءنا من البينات وما ظهر لنا من الحق {فاقض ما أنت قاض} أي فاصنع ما أنت صانعه على إتمام وإحكام. وقيل: معناه فاحكم ما أنت حاكم وليس هذا بأمر منهم ولكن معناه أي شيء صنعت فإنا لا نرجع عن الإيمان {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي إنما تصنع بسلطانك أو تحكم في هذه الحياة الدنيا دون الآخرة فلا سلطان لك فيها ولا حكم. وقيل: معناه إنما تقضي وتذهب هذه الحياة الدنيا دون الحياة الآخرة.
{إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} من الشرك والمعاصي {وما أكرهتنا عليه من السحر} إنما قالوا ذلك لأن الملوك كانوا يجبرونهم على تعليم السحر كيلا يخرج السحر من أيديهم. قيل: إن السحرة قالوا لفرعون أرنا موسى إذا نام فأراهم إياه فإذا هو نائم وعصاه تحرسه فقالوا ليس هذا بسحر أن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى عليهم إلا أن يعملوا فذلك إكراههم عن عبد العزيز بن أبان.
{والله خير وأبقى} أي والله خير لنا منك وثوابه أبقى لنا من ثوابك. وقيل: معناه والله خير ثواباً للمؤمنين وأبقى عقاباً للعاصين منك وهذا جواب لقوله {ولتعلمنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً وأبقى} وههنا انتهى الإخبار عن السحرة.
ثم قال الله سبحانه {إنه من يأت ربه مجرماً}. وقيل: إنه من قول السحرة. قال ابن عباس: في رواية الضحاك المجرم الكافر وفي رواية عطاء يعني الذي أجرم وفعل مثل ما فعل فرعون {فإن له نار جهنم لا يموت فيها} فيستريح من العذاب {ولا يحيى} حياة فيها راحة بل هو معاقب بأنواع العقاب.
{ومن يأته مؤمناً} مصدقاً بالله وبأنبيائه {قد عمل الصالحات} أي أدّى الفرائض عن ابن عباس {فأولئك لهم الدرجات العلى} يعني درجات الجنة وبعضها أعلى من بعض والعلى جمع العليا وهي تأنيث الأعلى {جنات عدن} أي إقامة {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى} معناه إن الثواب الذي تقدَّم ذكره جزاء من تطهر بالإيمان والطاعة عن دنس الكفر والمعصية. وقيل: تزكى طلب الزكاء بإرادة الطاعة والعمل بها.