خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ
٩٦
فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ
٩٧
-آل عمران

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر وأبي جعفر حِجّ البيت بكسر الحاء والباقون بفتحها.
الحجة: قال سيبويه حَجَّ حِجّاً مثل ذَكَر ذِكْراً فحِجّ على هذا مصدر فهذا حجة لمن كسر الحاء وقال أبو زيد الحِجَج السنون واحدتها حِجَّة قال أبو علي: يدلّ على ذلك قولـه ثماني حجج قال الحَجَّة من حج البيت الواحدة قال سيبويه: قالوا حِجَّة أرادوا عمل سنة ولم يجيئوا بها علي الأَصل ولكنه اسم لـه، فقولـه لم يجيئوا بها على الأَصل أراد أنه للدفعة من الفعل ولكن كسروه فجعلوه اسماً لـهذا المعنى كما قالوا غزاة لعمل وجه واحد ولم يجئ فيه الغزوة وكان القياس.
اللغة: أول الشيء ابتداؤه ويجوز أن يكون المبتدأ لـه آخر ويجوز أن لا يكون آخر لـه لأَن الواحد أول العدد ولا نهاية لآخره ونعيم أهل الجنة لـه أول ولا نهاية لـه وأصل بكَّة البك وهو الزحم يقال بكَّه يبكّهُ إذا زحمه ويباكّ الناس إذا ازدحموا فبكة مزدحم الناس للطواف وهو ما حول الكعبة من داخل المسجد الحرام وقيل سميت بكة لأَنها تبكّ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم ولم يمهلوا والبكّ دق العنق وأما مكة فيجوز أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة وإبدال الميم من الباء كقولـه: ضربة لازب ولازم، ويجوز أن يكون من قولـهم أمتك الفصيل ما في ضرع الناقة إذا مصّ مصاً شديداً حتى لا يبقى منه شيء، ومك المشاش مكاً إذا تمشش بفيه فسميت مكة بذلك لقلة مائها وأصل البركة الثبوت من قولـهم برك بروكاً أو بركاً إذا ثبت على حالـه فالبركة ثبوت الخير بنمّوه ومنه البِرْكة شِبْهُ الحوض يمسك الماء لثبوته فيه ومنه قول الناس تبارك الله لثبوته لم يزل ولا يزال وحده.
الإعراب: قولـه تعالى {مباركاً} نصب على الحال بالظرف مِنْ ببكة على معنى الذي استقر ببكة مباركاً ويجوز أن يكون من الضمير في وُضع كأنه قيل وضع مباركاً وعلى هذا يجوز أن يكون قد وضع قبلـه بيت ولا يجوز في التقدير الأَول وأما رفع مقام إبراهيم فلأَنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره هي مقام إبراهيم عن الأخفش، وقيل هو بدل من آيات عن أبي مسلم ومن استطاع إليه سبيلاً في موضع جرٍ بدلاً من الناس وهو بدل البعض من الكل.
النزول: قال مجاهد تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأَنه مهاجر الأَنبياء والأَرض المقدسة وقال المسلمون بل الكعبة أفضل فأنزل الله تعالى: {إن أول بيت}.
المعنى: {إن أول بيت وضع للناس} أي بني للناس ولم يكن قبلـه بيت مبني وإنما دحيت الأرض من تحتها وهو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الله تعالى السماء والأَرض من تحتها وهو خلقه الله قبل الأَرض بألفي عام وكانت زَبَدة بيضاء على الماء عن مجاهد وقتادة والسدي، وروي عن أبي عبد الله (ع) قال: أنها كانت مهاة بيضاء يعني درة بيضاء وروى أبو خديجة عنه (ع) قال: إن الله أنزلـه لآدم من الجنة وكان درة بيضاء فرفعه الله تعالى إلى السماء وبقي رأسه وهو بحيال هذا البيت يدخلـه كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه أبداً فأمر الله تعالى إبراهيم (ع) وإسماعيل (ع) ببنيان البيت على القواعد وقيل معناه إن أول بيت وضع للعبادة ولم يكن قبلـه بيت يحجّ إليه إلا البيت الحرام وقد كانت قبلـه بيوت كثيرة ولكنه أول بيت مبارك وهدى وضع للناس عن علي (ع) والحسن، وقيل أول بيت رغب فيه وطلب منهُ البركة مكة عن الضحاك، وروى أصحابنا أن أول شيء خلقه الله من الأَرض موضع الكعبة ثم دحيت الأرض من تحتها وروى أبو ذر أنه
"سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع للناس فقال: المسجد الحرام ثم بيت المقدس" .
" {للذي ببكة} قيل بكة المسجد ومكة الحرام كلـهُ يدخل في البيوت عن الزهري وضمرة بن ربيعة وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، وقيل بكة بطن مكة عن أبي عبيدة، وقيل موضع البيت والمطاف ومكة اسم البلدة وعليه الأَكثر وقيل بكة هي مكة والعرب تبدل الباء ميماً مثل سبد رأسه وسمده عن مجاهد والضحاك {مباركاً} يعني كثير الخير والبركة وقيل مباركاً لثبوت العبادة فيه دائماً حتى يحكى على أن الطواف بهِ لا ينقطع أبداً وقيل لأَنه يضاعف فيه ثواب العبادة عن ابن عباس، ورووا فيه حديثاً طويلاً وقيل لأَنه يغفر فيه الذنوب ويجوز حملـه على الجميع إذا لا تنافي.
{وهدى للعالمين} أي دلالة لـهم على الله تعالى لإهلاكه كل من قصده من الجبابرة كأصحاب الفيل وغيرهم وباجتماع الظبي في حرمه مع الكلب والذئب فلا ينفر عنه مع نفرته عنه في غيره من البلاد وبانمحاق الجمار على كثرة الرماة فلولا أنها ترفع لكان يجتمع هناك من الحجارة مثل الجبال وباستئناس الطيور فيه بالناس وباستشفاء المريض بالبيت وبأن لا يعلوه طير إعظاماً لـه إلى غير ذلك من الدلالات وقيل معناه أنهم يهتدون به إلى جهة صلاتهم أو يهتدون إلى الجنة بحجه وطوافه.
{فيه آيات بينات} أي دلالات واضحات والـهاء في فيه عائد إلى البيت وروي عن ابن عباس أنه قرأ فيه بينة {مقام إبراهيم} فجعل مقام إبراهيم وحده هو الآية وقال أثر قدميه في المقام آية بينة والأول عليه القراء والمفسرون أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأَسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلـها وأركان البيت وازدحام الناس عليها وتعظيمهم لـها وقد مضى ذكر مقام إبراهيم في سورة البقرة. وسئل الصادق (ع) عن الحطيم: فقال هو ما بين الحجر الأَسود والباب. قيل: ولم سمي الحطيم؟ قال: لأَن الناس يحطم بعضهم بعضاً وهو الموضع الذي فيه تاب الله على آدم وقال (ع) إن تهيأ لك أن تصلي صلاتك كلـها الفرائض وغيرها عند الحطيم فافعل فإنه أفضل بقعة على وجه الأرض وبعده الصلاة في الحجر أفضل. وروي عن أبي حمزة الثمالي قال: قال لنا علي بن الحسين: أيّ البقاع أفضل؟ فقلنا الله تعالى ورسولـه وابن رسولـه أعلم فقال لنا: أفضل البقاع ما بين الركن والمقام ولو أن رجلاً عمر ما عمر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان ثم لقي الله تعالى بغير ولايتنا ولا ينفعه ذلك شيئاً. وقال الصادق (ع): الركن اليماني بابنا الذي ندخل منه الجنة وروي أنه من روي من ماء زمزم أحدث لـه به شفاء وصرف عنه داء قال المفسرون ومن تلك الآيات مقام إبراهيم (ع) وأمن الداخل فيه وأمن الوحوش من السباع الضارية وأنه ما علا عبد على الكعبة إلا عتق وإذا كان الغيث من ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن وإذا كان من ناحية الركن الشامي كان الخصب بالشام وإذا عم البيت كان في جميع البلدان وسائر ما ذكرناه قبل من الآيات.
وقولـه {ومن دخلـه كان آمناً} عطف على مقام إبراهيم وفي مقام إبراهيم دلالة واضحة لأَنه حجر صلد يرى فيه أثر قدميه ولا يقدر أحد أن يجعل الحجر كالطين إلا الله. وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الحرم كلـه مقام إبراهيم ومن دخل مقام إبراهيم يعني الحرم كان آمناً وقيل فيه أقوال أحدها: إن الله عطف قلوب العرب في الجاهلية على ترك التعرض لمن لاذ بالحرم والتجأ إليه وإن كثرت جريمته ولم يزده الإِسلام إلا شدة عن الحسن وثانيها: أنه خبر والمراد به الأَمر ومعناه إن من وجب عليه حد فلاذ بالحرم لا يبايع ولا يشاري ولا يعامل حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحدّ عن ابن عباس وابن عمر وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع) وعلى هذا يكون تقديره ومن دخلـه فأمِنّوا وثالثها: إن معناه من دخلـه عارفاً بجميع ما أوجبه الله عليه كان آمناً في الآخرة من العذاب الدائم وهو المروى عن أبي جعفر (ع). وأجمعت الأُمة على أن من أصاب فيه ما يوجب الحد أقيم عليه الحد فيه.
ثم لمّا بين الله فضيلة بيته الحرام عقبه بذكر وجوب حجة الإسلام فقال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} ومعناه ولله على من استطاع إلى حج البيت سبيلاً من الناس حج البيت أي من وجد إليه طريقاً بنفسه ومالـه واختلف في الاستطاعة فقيل هي الزاد والرحلة عن ابن عباس وابن عمر، وقيل ما يمكنه معه بلوغ مكة بأي وجه يمكن عن الحسن ومعناه القدرة على الوصول إليه. والمروي عن أئمتنا أنه وجود الزاد والراحلة ونفقة من يلزمه نفقته والرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة مع الصحة في النفس وتخلية السرب من الموانع وإمكان السير.
{ومن كفر} معناه ومن جحد فرض الحج ولم يره واجباً عن ابن عباس والحسن {فإن الله غنيٌّّ عن العالمين} لم يتعبّدهم بالعبادة لحاجته إليها وإنّما تعبدهم بها لما علم فيها من مصالحهم وقيل إن المعنيّ به اليهود فإنه لما نزل قولـه
{ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً } [آل عمران: 85] فلن يقبل منه قالوا نحن مسلمون فأمروا بالحج فلم يحجوا وعلى هذا يكون معنى من كفر من ترك الحج من هؤلاء فهو كافر والله غني عن العالمين، وقيل المراد به كفران النعمة لأَن امتثال أمر الله شكر لنعمته وقد روي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " "من لم يحبسه حاجة ظاهرة من مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديّاً وإن شاء نصرانيّاً" " وروي عن أبي عبد الله (ع) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " "الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد " وفي هذه الآية دلالة على فساد قول من قال إن الاستطاعة مع الفعل لأَن الله أوجب الحج على المستطيع ولم يوجب على غير المستطيع وذلك لا يمكن إلا قبل فعل الحج.
النظم: وجه اتصال الآية بما قبلـها أن الله تعالى أمر أهل الكتاب باتباع ملة إبراهيم ومن ملته تعظيم بيت الله الحرام فذكر تعالى البيت وفضلـه وحرمته وما يتعلق به في قولـه {إنّ أول بيت وضع للناس}.