خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١
مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٢
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
٣
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ
٥
-فاطر

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم وأبو جعفر غير الله بالجر والباقون بالرفع.
الحجة: قال أبو علي: من قرأ غير الله بالجر جعله صفة على اللفظ والخبر يرزقكم من السماء والأرض ومن قرأ غير الله بالرفع احتمل وجوهاً:
أحدها: أن يكون خبر المبتدأ.
والآخر: أن يكون صفة على الموضع والخبر مضمر تقديره هل خالق غير الله في الوجود أو العالم.
والثالث: أن يكون غير استثناء والخبر مضمر كأنه قال هل من خالق إلا الله ويدل على جواز الاستثناء قوله
{ ما من إله إلا الله } [آل عمران: 62].
اللغة: الفطر الشق عن الشيء بإظهاره للحس وفاطر السموات خالقها.
الإعراب: مثنى وثلاث ورباع صفة لأجنحة معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. ما يفتح الله ما شرطية في محل النصب لكونها مفعول يفتح.
المعنى: {الحمد لله فاطر السماوات والأرض} أي خالقهما مبتدئاً على غير مثال سبق حَمَد سبحانه نفسه ليعلمنا كيف نحمده وليبيّن لنا أن الحمد كله له {جاعل الملائكة رسلاً} إلى الأنبياء بالرسالات والوحي {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} تقدَّم تفسيرها وإنما جعلهم أولي أجنحة ليتمكّنوا بها من العروج إلى السماء ومن النزول إلى الأرض فمنهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة أجنحة ومنهم من له أربعة أجنحة عن قتادة. قال: ويزيد فيها ما يشاء وهو قوله {يزيد في الخلق ما يشاء} قال ابن عباس: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح وهذا اختيار الزجاج والفراء. وقيل: أراد بقوله {يزيد في الخلق ما يشاء} حسن الصوت عن الزهري وابن جريج. وقيل: هو الملاحة في العينين عن قتادة وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن" .
{إن الله على كل شيء قدير} لا شيء إلا وهو قادر عليه بعينه أو قادر على مثله.
ثم بيَّن سبحانه إنعامه على خلقه فقال {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} أي يأتيهم به من مطر أو عافية أو أيّ نعمة شاء فإن أحداً لا يقدر على إمساكه {وما يمسك} من ذلك {فلا مرسل له من بعده} أي فإنَّ أحداً لا يقدر على إرساله. وقيل: معناه ما يرسل الله من رسول إلى عباده في وقت دون وقت فلا مانع له لأنّ إرسال الرسول رحمة من الله كما قال
{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء: 107] وما يمسكه في زمان الفترة أو عمن يقترحه من الكفار فلا مرسل له عن الحسن واللفظ محتمل للجميع {وهو العزيز} أي القادر الذي لا يعجز {الحكيم} في أفعاله إن أنعم وإن أمسك لأنه يفعل ما تقتضيه الحكمة.
ثم خاطب المؤمنين فقال {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم} الظاهرة والباطنة التي من جملتها أنه خلقكم وأوجدكم وأحياكم وأقدركم وشهّاكم وخلق لكم أنواع الملاذّ والمنافع {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} هذا استفهام تقرير لهم ومعناه النفي ليقرّوا بأنه لا خالق إلا الله يرزق من السماء بالمطر ومن الأرض بالنبات وهل يجوز إطلاق لفظ الخالق على غير الله سبحانه فيه وجهان:
أحدهما: إنه لا تطلق هذه اللفظة على أحد سواه وإنما يوصف به غيره على جهة التقييد وإن جاز إطلاق لفظ الصانع والفاعل نحوهما على غيره.
والآخر: أن المعنى لا خالق يرزق ويخلق الرزق إلا الله تعالى {لا إله إلا هو} أي لا معبود يستحق العبادة سواه سبحانه {فأنى تؤفكون} أي كيف تصرفون عن طريق الحق إلى الضلال. وقيل: معناه أنّى يعدل بكم عن هذه الأدلة التي أقمتها لكم على التوحيد مع وضوحها.
ثم سلّى سبحانه نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه إياه فقال {وإن يكذبوك} يا محمد {فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور} فيجازي من كَذّب رسله وينصر من كُذّب من رسله.
ثم خاطب الخلق فقال {يا أيها الناس إن وعد الله} من البعث والنشور والجنة والنار والجزاء والحساب {حق} صدق كائن لا محالة {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} فتغترون بملاذّها ونعيمها ولا يخدعنكم حبّ الرياسة وطول البقاء فإن ذلك عن قليل نافد بائد ويبقى الوبال والوزر {ولا يغرنكم بالله الغرور} وهو الذي عادته أن يغرّ غيره والدنيا وزينتها بهذه الصفة لأن الخلق يغترّون بها. وقيل: إن الغرور الشيطان الذي هو إبليس عن الحسن ومجاهد.