خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ
٢١
وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٢٢
أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ
٢٣
إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٢٤
إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ
٢٥
قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ
٢٦
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ
٢٧
وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ
٢٨
إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ
٢٩
يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٣٠
-يس

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أبو جعفر صيحة واحدة بالرفع والباقون بالنصب وفي الشواذ قراءة ابن مسعود وعبد الرحمن بن الأسود الأَزقيَةَ وقرأ الأعرج ومسلم بن جندب يا حسره على العباد ساكنة الهاء وقراءة علي بن الحسن (ع) وأبي بن كعب وابن عباس والضحاك ومجاهد يا حسرة العباد مضافاً.
الحجة: قال ابن جني الرفع ضعيف لتأنيث الفعل فلا يقوى أن تقول ما قامت إلا هند والمختار ما قام إلا هند وذلك أن الكلام محمول على معناه أي ما قام أحد إلا هند ثم إنه لما كان محصول الكلام قد كانت هناك صيحة واحدة جيء بالتأنيث حملاً للظاهر عليه ومثله قراءة الحسن فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم بالتاء في ترى وعليه قول ذي الرمة:

طَوَى النَّحْزُ والأجْرازُ ما في غُروضِها فَمــا بقِيــتْ إلاّ الصُّــدُورُ الْجَراشِــعُ

وأما الزَقْيَة فمن زقا الطائر يزقو ويزقى زقاء وزقواً إذا صاح وهي الزقية والزقوة وكأنه إنما استعمل ها هنا صياح الديك ونحوه تنبيهاً على أن البعث بما فيه من عظيم القدرة في استثارة الموتى من القبور سهل على الله تعالى كزقية زقاها طائر فهذا كقوله تعالى { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } [لقمان: 28] وأما من قرأ يا حسره على العباد بسكون الهاء فيمكن أن يكون حسرة غيره معلقة بعلى فيحسن الوقف عليها ثم يعلق على بمضمر يدل عليه قوله حسرة فكأنه قال: أتحسر على العباد ومثل ذلك كثير في التنزيل.
وإذا كان حسرة معلقة بعلى أو موصوفة فلا يحسن الوقف عليها دونه وعلى هذا فيمكن أن يكون ذلك لتقوية المعنى في النفس وذلك أنه موضع تنبيه وتذكير فطال الوقف على الهاء كما يفعله المستعظم للأمر المتعجب منه الدال على أنه قد بهره وملك عليه لفظه وخاطره. ثم قال من بعد {على العباد} وأما من قرأ يا حسرة العباد مضافاً فإن فيه وجهين:
أحدهما: أن يكون العباد فاعلين في المعنى كقوله يا قيام زيد والمعنى كان العباد إذا شاهدوا العذاب تحسّروا.
والآخر: أن العباد مفعولون في المعنى وتدل عليه القراءة الظاهرة {يا حسرة على العباد} أي يتحسر عليهم من يعنيه أمرهم وهذا واضح وفتح أبو عمرو الياء من قوله {وما لي لا أعبد} لئلا يكون الابتداء بلا أعبد وقرأ في النمل
{ ما لي لا أرى الهدهد } [النمل: 20] بسكون الياء.
المعنى: ثم ذكر سبحانه تمام الحكاية عن الرجل الذي جاءهم من أقصى المدينة فقال {اتبعوا من لا يسئلكم أجراً} أي وقال لهم اتبعوا معاشر الكفار من لا يطلبون منكم الأجر ولا يسألونكم أموالكم على ما جاؤوكم به من الهدى {وهم} مع ذلك {مهتدون} إلى طريق الحق سالكون سبيله.
قال: فلما قال هذا أخذوه ورفعوه إلى الملك فقال له الملك: أفأنت تتبعهم فقال {وما لي لا أعبد الذي فطرني} أي وأيّ شيء لي إذا لم أعبد خالقي الذي أنشأني وأنعم عليَّ وهداني {وإليه ترجعون} أي تردّون عند البعث فيجزيكم بكفركم ثم أنكر اتخاذ الأصنام وعبادتها فقال {ءأتخذ من دونه آلهة} أعبدهم {إن يردن الرحمن بضر} أي إن أراد الله إهلاكي والإضرار بي {لا تغن عني شفاعتهم شيئاً} أي لا تدفع ولا تمنع شفاعتهم عنّي شيئاً والمعنى لا شفاعة لهم فتغني {ولا ينقذون} أي ولا يخلصوني من ذلك الهلاك أو الضرر والمكروه {إني إذاً لفي ضلال مبين} أي إني إن فعلت ذلك في عدول عن الحق واضح والوجه في هذا الاحتجاج أن العبادة لا يستحقها إلا الله سبحانه المنعم بأصول النعم وبما لا توازيه نعمة منعم.
{إني آمنت بربكم} الذي خلقكم وأخرجكم من العدم إلى الوجود {فاسمعون} أي فاسمعوا قولي واقبلوا عن وهب. وقيل: إنه خاطب بذلك الرسل أي فاسمعوا ذلك مني حتى تشهدوا لي به عند الله عن ابن مسعود قال: ثم إن قومه لما سمعوا ذلك القول منه وطؤوه بأرجلهم حتى مات فأدخله الله الجنة وهو حيّ فيها يرزق وهو قوله.
{قيل ادخل الجنة}. وقيل: رجموه حتى قتلوه عن قتادة. وقيل: إن القوم لما أرادوا أن يقتلوه رفعه الله إليه فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء الدنيا وهلاك الجنة عن الحسن ومجاهد. وقال: إن الجنة التي دخلها يجوز هلاكها. وقيل: إنهم قتلوه إلا أن الله سبحانه أحياه وأدخله الجنة فلما دخلها {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي} تمنى أن يعلم قومه بما أعطاه الله تعالى من المغفرة وجزيل الثواب ليرغبوا في مثله وليؤمنوا لينالوا ذلك. وفي تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
"سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين عليّ بن أبي طالب (ع) وصاحب يس ومؤمن آل فرعون فهم الصديقون وعليٌّ أفضلهم" {وجعلني من المكرمين} أي من المدخلين الجنة والإكرام هو إعطاء المنزلة الرفيعة على وجه التبجيل والإعظام وفي هذا دلالة على نعيم القبر لأنه إنما قال ذلك وقومه أحياء وإذا جاز نعيم القبر جاز عذاب القبر فإن الخلاف فيهما واحد وما في قوله {بما غفر لي ربي} مصدرية والمعنى بمغفرة الله لي ويجوز أن يكون معناه بالذي غفر لي به ربي فيكون اسماً موصولاً ويجوز أن يكون المعنى بأي شيء غفر لي ربي فيكون استفهاماً يقال علمت بما صنعت هذا بإثبات الألف صنعت هذا بحذفها إلا أن الحذف أجود في هذا المعنى ثم حكى سبحانه ما أنزله بقوله من العذاب والاستئصال فقال {وما أنزلنا على قومه من بعده} أي من بعد قتله أو من بعد رفعه {من جند من السماء} يعني الملائكة أي لم تنتصر منهم بجند من السماء ولم تنزل لإهلاكهم بعد قتلهم الرسل جنداً من السماء يقاتلونهم {وما كنا منزلين} أي وما كنا ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم. وقيل: معناه وما أنزلنا على قومه من بعده رسالة من السماء قطع الله عنهم الرسالة حين قتلوا رسله عن مجاهد والحسن والمراد أن الجند هم ملائكة الوحي الذين ينزلون على الأنبياء.
ثم بيَّن سبحانه بأيّ شيء كان هلاكهم فقال {إن كانت إلا صيحة واحدة} أي كان إهلاكهم عن آخرهم بأيسر أمر صيحة واحدة حتى هلكوا بأجمعهم {فإذا هم خامدون} أي ساكنون قد ماتوا. قيل: إنهم لما قتلوا حبيب بن مري النجار غضب الله عليهم فبعث جبرائيل حتى أخذ بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم لا يسمع لهم حس كالنار إذا طفئت.
{يا حسرة على العباد} معناه يا ندامة على العباد في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الدنيا.
ثم بيَّن سبب الحسرة فقال {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون} عن مجاهد وهذا من قول الله سبحانه والمعنى أنهم حلّوا محل من يتحسّر عليه. وقيل: إن المعنى يا ويلا على العباد عن ابن عباس ويحتمل أن يكون ذلك من كلام الرجل المذكور وقال أبو العالية إنهم لما عاينوا العذاب قالوا يا حسرة على العباد يعني على الرسل حيث لم نؤمن بهم فتمنّوا الإيمان وندموا حين لم تنفعهم الندامة قال الزجاج: إذا قال قائل ما الفائدة في مناداة الحسرة والحسرة مما لا تجيب فالفائدة في ذلك أن النداء تنبيه فإذا قلت للمخاطب أنا أعجب مما فعلت فقد أفدته أنك متعجب وإذا قلت واعجباه مما فعلت ويا عجباه تفعل كذا كان دعاؤك العجب أبلغ في الفائدة والمعنى يا عجب أقبل فإنه من أوقاتك وكذلك إذا قلت ويل زيد لم فعل كذا. ثم قلت: يا ويل زيد لم فعل كذا كان أبلغ وكذلك في كتاب الله تعالى {يا ويلتا ويا حسرتا} و {يا حسرة على العباد} والحسرة أن يُركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية بعده حتى يبقى قلبه حسيراً.