خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
٢١
وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٢٢
أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٢٣
وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ
٢٤
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٢٥
-الجاثية

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر وروح وزيد سواء بالنصب والباقون بالرفع وقرأ أهل الكوفة غير عاصم غشوة بفتح الغين بغير ألف والباقون غشاوة بالألف.
الحجة: قال أبو علي: ليس الوجه في الآية نصب سواء على أن تجريه على ما قبله على حدّ قولك مررت برجل ضارب أبوه وبزيد خارجاً أخوه لأنه ليس باسم فاعل ولا مشبّه به مثل حسن وشديد ونحو ذلك إنما هو مصدر فلا ينبغي أن يجري على ما قبله كما يجري اسم الفاعل وما شبّه به لتعرّيه من المعاني التي أعمل فاعل وما شبّه به عمل الفعل ومن قال مررت برجل خير منه أبوه وسرج خزّ صفته وبرجل مئة أبله استجاز أن يجري سواء أيضاً على ما قبله كما أجرى الضرب الأول.
فأما من قرأ سواء بالنصب فإنّ انتصابه يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يجعل المحيا والممات بدلاً من الضمير المنصوب في نجعلهم فيصير التقدير أن نجعل محياهم ومماتهم سواء فينتصب سواء على أنه مفعول ثانٍ لنجعل ويكون انتصاب سواء على هذا القول حسناً لأنه لم يرفع مظهراً ويجوز أن يجعل محياهم ومماتهم ظرفين من الزمان فيكون كذلك أيضاً ويجوز أن يعمل في الظرفين أحد شيئين أحدهما: ما في سواء من معنى الفعل كأنّه يستوون في المحيا والممات والآخر: أن يكون العامل الفعل ولم يُعلم الكوفيون الذين نصبوا سواء نصبوا الممات فإذا لم ينصبوه كان النصب في سواء على غير هذا الوجه وغير هذا الوجه لا يخلو من أن ينتصب على أنه حال أو على أنه المفعول الثاني لنجعل وعلى أيّ هذين الوجهين حملته فقد أعملته عمل الفعل فرفعت به المظهر فإن جعلته حالاً أمكن أن يكون الحال من الضمير في نجعلهم ويكون المفعول الثاني قوله كالذين آمنوا فإذا جعلت قوله كالذين آمنوا المفعول الثاني أمكن أن يكون سواء منتصباً على الحال مما في قوله كالذين آمنوا من معنى الفعل فيكون ذو الحال الضمير المرفوع في قوله كالذين آمنوا وهذا الضمير يعود إلى الضمير المنصوب في نجعلهم وانتصابه على الحال من هذين الوجهين ويجوز أن لا يجعل قوله كالذين آمنوا المفعول الثاني ولكن يجعل المفعول الثاني قوله سواء محياهم ومماتهم فيكون جملة في موضع نصب بكونها في موضع المفعول الثاني لنجعل ويجوز فيمن قال مررت برجل مائة أبله فاعمل المائة عمل الفعل أن ينصب سواء على هذا الوجه أيضاً ويرتفع به المحيا كما جاز أن يرتفع به إذا قدّرت الجملة في موضع الحال والحال في الجملة التي هي سواء محياهم ومماتهم يكون من جعل ويكون مما في قوله كالذين من معنى الفعل وقد قيل في الضمير في قوله محياهم ومماتهم قولان:
أحدهما: أنه ضمير الكفار دون الذين آمنوا فكان سواء على هذا القول مرتفعاً بأنّه خبر مبتدأ مقدّم تقديره محياهم ومماتهم سواء أي محياهم محيا سوء ومماتهم ممات سوء ولا يكون النصب على هذا في سواء لأنّه إثبات في الأخبار بأنّ محياهم ومماتهم يستويان في الذمّ والبعد من رحمة الله.
والقول الآخر: أنّ الضمير في محياهم ومماتهم للقبيلين فإذا كان كذلك جاز أن ينتصب سواء على أنّه المفعول الثاني من نجعل فيمن استجاز أن يعمله في الظاهر لأنه يلتبس بالقبيلين جميعاً وليس في الوجه الأول كذلك لأنّه للكفّار دون المؤمنين ولا يلتبس للمؤمنين من حيث كان للكفار من دونهم ولا يجوز أن ينتصب سواء ولم يكن فيه إلا الرفع ويكون على هذا الوجه قوله كالذين آمنوا وعملوا الصالحات في موضع المفعول الثاني وسواء محياهم استئناف ولا يكون في موضع حال من قوله كالذين آمنوا لأنه لا يلتبس بهم والقول في غشوة وغشاوة مذكور في سورة البقرة.
اللغة: الاجتراح الاكتساب يقال جرح واجترح وكسب واكتسب وفلان جارحة قومه أي كاسبة قومه وأصله من الجراح لأنّ لذلك تأثيراً كتأثير الجراح ومثله الاقتراف وهو مشتقّ من قرف القرحة والسيئة الفعلة القبيحة التي تسوء صاحبها باستحقاق الذمّ عليها والحسنة هي التي تسرّ صاحبها باستحقاق المدح عليها قال علي بن عيسى: القبيح ما ليس للقادر عليه أن يفعله والحسن هو ما للقادر عليه أن يفعله وكل فعل وقع لا لأمر من الأمور فهو لغو لا ينسب إلى الحكمة ولا إلى السفه.
المعنى: ثم قال سبحانه للكفار على سبيل التوبيخ لهم {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} معناه بل أحسب وهذا استفهام إنكار. وقيل: إن هذا معطوف على معنى مضمر تقديره هذا القرآن بصائر للناس مؤدّية إلى الجنة أفعلموا ذلك أم حسب الذين اكتسبوا الشرك والمعاصي أن نجعل منزلتهم منزلة الذين صدقوا الله ورسوله وحقّقوا أقوالهم بأعمالهم {سوآء محياهم ومماتهم} أي يستوي محيا القبيلين ومماتهم يعني أحسبوا أن حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين وموتهم {سآء ما يحكمون} أي ساء ما حكموا على الله تعالى فإنّه لا يسوّي بينهم ولا يستقيم ذلك في العقول بل ينصر المؤمنين في الدنيا ويمكّنهم من المشركين ولا ينصر الكافرين ولا يمكنهم من المسلمين وينزل الملائكة عند الموت على المؤمنين بالبشرى وعلى الكافرين يضربون وجوههم وأدبارهم.
وقيل: أراد محياهم بعد البعث ومماتهم عند حضور الملائكة لقبض أرواحهم، وقيل: أراد أنّ المؤمنين محياهم على الإِيمان والطاعة ومماتهم على الإِيمان والطاعة ومحيا المشركين على الشرك والمعصية ومماتهم كذلك فلا يستويان عن مجاهد. وقيل: إن الضمير في مماتهم ومحياهم للكفار والمعنى أنهم يتساوون في حال كونهم أحياء وفي حال كونهم أمواتاً لأنّ الحي متى لم يفعل الطاعة فهو بمنزلة الميت.
ثم قال سبحانه {وخلق الله السماوات والأرض بالحق} أي لم يخلقهما عبثاً وإنما خلقهما لنفع خلقة بأن يكلّفهم ويعرضهم للثواب الجزيل {ولتجزى كلّ نفس بما كسبت} من ثواب على طاعة أو عقاب على معصية {وهم لا يظلمون} أي لا يبخسون حقوقهم.
ثم قال {أفرأيت} يا محمد {من اتخذ إلهه هواه} أي اتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى شيئاً إلا ركبة لأنّه لا يؤمن بالله ولا يخافه فاتّبع هواه في أموره ولا يحجزه تقوى عن ابن عباس والحسن وقتادة. وقيل: معناه من اتخذ معبوده ما يهواه دون ما دلّت الدلالة على أنّ العبادة تحقق له فإذا استحسن شيئاً وهواه اتخذه إلهاً وكان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر عن عكرمة وسعيد بن جبير. وقيل: معناه أفرأيت من انقاد لهواه انقياده لإِلهه ومعبوده ويرتكب ما يدعوه إليه ولم يرد أنه يعبد هواه ويعتقد أنّه تحق لهُ العبادة لأنّ ذلك لا يعتقده أحد عن علي بن عيسى قد أيس الله رسوله من إيمانه هؤلاء بهذا.
{وأضلّه الله على علم} أي خذله الله وخلاّه وما اختاره جزاء له على كفره وعناده وترك تدبّره على علم منه باستحقاق لذلك. وقيل: أضله الله أي وجده ضالاً على حسب ما علمه فخرج معلومه على وفق ما علمه كما يقال أحمدت فلاناً أي وجدته حميداً وكقول عمرو بن معد يكرب قاتلناهم فما أجْبَنَّاهم وسألناهم فما أبخلناهم وقاولناهم فما أفحمناهم أي ما وجدناهم كذلك. وقيل: معناه أنه ضلّ عن الله كما قال:

هَبُوني امْرَءاً مِنْكُمْ أَضَلَّ بَعيرُهُ لَــهُ ذِمَّـــةٌ إنَّ الذِّمــــامَ كَبيـــرُ

أي ضلّ عنه بعيره {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} فسّرناه في سورة البقرة {فمن يهديه من بعد الله} أي من بعد هداية الله إياه والمعنى إذا لم يهتد بهدى الله بعد ظهوره ووضوحه فلا طمع في اهتدائه {أفلا تذكرون} أي أفلا تتعظون بهذه المواعظ وهذا استبطاء بالتذكير منهم أي تذكّروا واتعظوا حتى تحصلوا على معرفة الله تعالى.
ثم أخبر سبحانه عن منكري البعث فقال {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا} أي ليس الحياة إلا حياتنا التي نحن فيها في دار الدنيا ولا يكون بعد الموت بعث ولا حساب {نموت ونحيا} قيل في معناه أقوال أحدها: أنّ تقديره نحيا ونموت فقدّم وأخّر والثاني: أنّ معناه نموت ونحيي أولادنا والثالث: يموت بعضنا ويحيا بعضنا كما قال فاقتلوا أنفسكم أي ليقتل بعضكم بعضاً {وما يهلكنا إلا الدهر} أي وما يميتنا إلاّ الأيام والليالي أي مرور الزمان وطول العمر إنكاراً منهم للصانع {وما لهم بذلك من علم} نفى سبحانه عنهم العلم أي إنما ينسبون ذلك إلى الدهر لجهلهم ولو علموا أنّ الذي يميتهم هو الله وأنه قادر على إحيائهم لما نسبوا الفعل إلى الدهر {إنْ هم إلا يظنون} أي ما هم فيما ذكروه إلا ظانّون وإنما الأمر بخلافه وقد روي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"لا تسبّوا الدّهر فإن الله هو الدهر" وتأويله أنّ أهل الجاهلية كانوا ينسبون الحوادث المجحفة والبلايا النازلة إلى الدهر فيقولون فعل الدهر كذا وكانوا يسبّون الدهر فقال صلى الله عليه وسلم " إن الفاعل هذه الأمور هو الله تعالى فلا تسبوا فاعلها " . وقيل: معناه فإن الله مصرّف الدهر ومدبره والوجه الأول أحسن فإنّ كلامهم مملوء من ذلك ينسبون أفعال الله إلى الدهر قال الأصمعي ذمّ أعرابي رجلاً فقال هو أكثر ذنوباً من الدهر وقال كثير:

وَكُنْتُ كَذي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحيحَةٍ ورِجـــلٍ رَمى فَيهَا الزَّمانُ فَشَلَّتِ

وقال آخر:

فَاسْتَأْثَــرَ الدَّهْــرُ الْغَداةَ بِهِمْ وَالدَّهْـرُ يَرْميني ومَا أَرْمي
يَا دَهْــرُ قَدُ أَكْثَـــرْتَ فَجْعَتَنَا بَسَراتِنــا وَوَقَرْتَ فَي الْعَظْمِ

ثم قال سبحانه {وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات} أي إذا قرأت عليهم حججنا ظاهرات {ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} أي لم يكن لهم في مقابلتها حجّة إلا مقالتهم إن كنتم صادقين في أن الله يعيد الأموات ويبعثهم يوم القيامة فأتوا بآبائنا واحيُوهم حتى نعلم أن الله قادر على بعثنا وإنما لم يجبهم الله إلى ذلك لأنهم قالوا ذلك متعنتين مقترحين لا طالبين الرشد.