خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ
٢١
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ
٢٢
أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ
٢٣
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ
٢٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ
٢٥
-محمد

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ يعقوب وسهل وتَقْطَعوا بفتح التاء والطاء وسكون القاف والباقون وتُقَطعوا بالتشديد وضم التاء وكسر الطاء وقرأ أهل البصرة وأملي لهم بضم الهمزة وفتح الياء وفي رواية رويس عن يعقوب بسكون الياء وقرأ الباقون وأملى لهم بفتح الهمزة واللام وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فهل عسيتم إن وليتم وعن علي (ع) إن توليتم قال أبو حاتم: معناه أن تولاكم الناس.
الحجة: حجة من قرأ وتقطعوا بالتخفيف قوله تعالى
{ ويقطعون ما أمر الله به } [البقرة: 27، والرعد: 25] أن يوصل والتشديد للمبالغة وقوله {وليتم} من الولاية وفيه دلالة على أن القراءة المشهورة {توليتم} معناه توليتم الأمر قال أبو علي: قالوا انتظرته مليّاً من الدهر أي متسعاً منه صفة استعمل استعمال الأسماء وقالوا تمليت حبيباً أي عشت معه ملاوة من الدهر وقالوا الملوان يريدون بهما تكرر الليل والنهار وطول مدتهما قال:

نَهــارٌ وَلَيْل دائِـمٌ مَلَواهُمـا عَلى كُلِّ حالِ المَرْءِ يُخْتَلِفانِ

فلو كان الليل والنهار لم يضافا إلى ضميرهما من حيث لا يضاف الشيء إلى نفسه ولكن كأنه يراد تكرر الدهر واتساعه بهما والضمير في أملى لهم لاسم الله كما قال وأملى لهم أن كيدي متين فمن قرأ وأملى لهم فبني الفعل للمفعول به فإنه يحسن في هذا الموضع للعلم بأنه لا يؤخر أحد مدة أحد ولا يوسع له فيها إلا الله سبحانه.
المعنى: {طاعة وقول معروف} قد ذكرنا أن فيه مذهبين أحدهما: أن يكون كلاماً متصلاً بما قبله وقد مر ذكره والآخر: أن يكون كلاماً مبتدأ.
ثم اختلف في تقديره على وجهين أحدهما: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ثم قيل إن معناه طاعة وقول معروف أمثل وأليق من أحوال هؤلاء المنافقين. وقيل: معناه طاعة وقول معروف خير لهم من جزعهم عند نزول فرض الجهاد عن الحسن والوجه الآخر أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره قولوا أمرنا طاعة وقول معروف أي حسن لا ينكره السامع وهذا أمر أمر الله به المنافقين عن مجاهد. وقيل: هو حكاية عنهم أنهم كانوا يقولون ذلك ويقتضيه قوله فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم.
{فإذا عزم الأمر} معناه فإذا جدّ الأمر ولزم فرض القتال وصار الأمر معزوماً عليه والعزم العقَد على الأمر بالإرادة لأن يفعله فإذا عقد العازم العزم على أن يفعله قيل عزم الأمر على طريق البلاغة وجواب إذا محذوف ويدل عليه قوله {فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم} وتقديره فإذا عزم الأمر نكلوا وكذبوا فيما وعدوا من أنفسهم فلو صدقوا الله فيما أمرهم به من الجهاد وامتثلوا أمره لكان خيراً لهم في دينهم ودنياهم من نفاقهم.
{فهل عسيتم} يا معشر المنافقين {إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} معناه إن توليتم الأحكام ووليتم أي جعلتم ولاة أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشاء وسفك الدم الحرام فيقتل بعضكم بعضاً ويقطع بعضكم رحم بعض كما قتلت قريش بني هاشم وقتل بعضهم بعضاً. وقيل: إن توليتم معناه إن أعرضتم عن كتاب الله والعمل بما فيه أن تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية فتفسدوا بقتل بعضكم بعضاً. قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن القرآن ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن.
ثم ذم الله سبحانه من يريد ذلك فقال {أولئك الذين لعنهم الله} أي بعدهم من رحمته {فأصمهم وأعمى أبصارهم} ومعناه أنهم لا يَعُون الخبر ولا يبصرون ما به يعتبرون فكأنهم صمّ عمي عن أبي مسلم. وقيل: إنهم في الآخرة لا يهتدون إلى الجنة بمنزلة الأصم الأعمى في الدنيا عن أبي علي الجبائي ولا يجوز حمله على الصمم والعمى في الجارحة بلا خلاف لأنهم لو كانوا كذلك لما ذمّوا على أنهم لا يسمعون ولا يبصرون وإنما أطلق الصمم لأنه لا يكون إلا في الإذن وقرن العمي بالإبصار لأنه قد يكون بالبصر وبالقلب.
{أفلا يتدبرون القرآن} بأن يتفكروا فيه ويعتبروا به. وقيل: أفلا يتدبرون القرآن فيقضوا ما عليهم من الحق عن أبي عبد الله (ع) وأبي الحسن موسى (ع) {أم على قلوب أقفالها} معنى تنكير القلوب إرادة قلوب هؤلاء ومن كان مثلهم من غيرهم وفي هذا دلالة على بطلان قول من قال لا يجوز تفسير شيء من ظاهر القرآن إلا بخبر وسمع وفيه تنبيه أيضاً على فساد قول من يقول إن الحديث ينبغي أن يروى على ما جاء وإن كان مخالفاً لأصول الديانات في المعنى لأنه سبحانه دعا إلى التدبر والتفكر وذلك مناف للتعامي والتجاهل.
ثم قال سبحانه {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} أي رجعوا عن الحق والإيمان {من بعد ما تبين لهم الهدى} أي من بعد ما بان لهم طريق الحق وهم المنافقون عن ابن عباس والضحاك والسُّدّي كانوا يؤمنون عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم يظهرون الكفر فيما بينهم فتلك ردّة منهم. وقيل: هم كفار أهل الكتاب كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد عرفوه ووجدوا نعته مكتوباً عندهم عن قتادة وليس في هذا دلالة على أنّ المؤمن قد يكفر لأنه لا يمتنع أن يكون المراد من رجع في باطنه عن الإيمان بعد أن أظهره وقامت الحجة عنده بصحته.
{الشيطان سوّل لهم} أي زين لهم خطاياهم عن الحسن. وقيل: أعطاهم سؤلهم وأمنيتهم إذ دعاهم إلى ما يوافق مرادهم وهواهم عن أبي مسلم {وأملى لهم} أي طول لهم أملهم فاغتروا به. وقيل: أوهمهم طول العمر مع الأمن من المكاره وأبعد لهم في الأمل والأمنية.