خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
١
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ
٢
-الأنعام

مجمع البيان في تفسير القرآن

[آيتان عراقي شامي وثلاث آيات حجازي].
اللغة: العدل خلاف الجور وعدلت به غيره أي سويته عنه أي أعرضت وعدلت الشيء فاعتدل أي قومته فاستقام والأجل الوقت المضروب لانقضاء الأمد فأجل الإنسان وقت انقضاء عمره وأجل الدين محله وهو وقت انقضاء التأخير يقال: أجَّله تأجيلاً وعَجَّله تعجيلاً والآجل نقيض العاجل والامتراء الشكّ وأصله من مرأت الناقة إذا مسحت ضرعها لاستخراج اللبن ومنه ما يماريه مراء ومماراة إذا استخرج ما عنده بالمناظرة فالامتراء استخراج الشبهة المشكلة من غير حلّ.
المعنى: بدأ الله تعالى هذه السورة بالحمد لنفسه إعلاماً بأنه المستحق لجميع المحامد لأن أصول النعم وفروعها منه تعالى ولأن له الصفات العلى فقال: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} يعني اخترعهما بما اشتملا عليه من عجائب الصنعة وبدائع الحكمة. وقيل: إنه في لفظ الخبر ومعناه الأمر أي احمدوا الله وإنما جاء على صيغة الخبر وإن كان فيه معنى الأمر لأنه أبلغ في البيان من حيث إنه يجمع الأمرين وقد ذكرنا من معنى الحمد لله وتفسيره في الفاتحة ما فيه كفاية.
{وجعل الظلمات والنور} يعني الليل والنهار عن السدي وجماعة من المفسرين. وقيل: الجنة والنار عن قتادة وإنما قدَّم ذكر الظلمات لأنه خلق الظلمة قبل النور وكذلك خلق السماوات قبل الأرض.
ثم عجب سبحانه ممن جعل له شريكاً مع ما يرى من الآيات الدالة على وحدانيته فقال {ثم الذين كفروا} أي جحدوا الحق {بربهم يعدلون} أي يسوون به غيره بأن جعلوا له أنداداً مأخوذ من قولـهم ما أعدل بفلان أحداً أي لا نظير له عندي. وقيل: معنى يعدلون يشركون به غيره عن الحسن ومجاهد ودخول ثم في قولـه {ثم الذين كفروا} دليل على معنى لطيف وهو أنه سبحانه أنكر على الكفار العدل به وعجَّب المؤمنين من ذلك ومثله في المعنى قولـه فيما بعد {ثم أنتم تمترون} والوجه في التعجيب أن هؤلاء الكفار مع اعترافهم بأن أصول النعم منه وأنه هو الخالق والرازق عبدوا غيره ونقضوا ما اعترفوا به وأيضاً فإنهم عبدوا ما لا ينفع ولا يضرُّ من الحجارة والموات.
{هو الذي خلقكم من طين} يعني به آدم والمعنى أنشأ أباكم واخترعه من طين وأنتم من ذريته فلما كان آدم أصلنا ونحن من نسله جاز أن يقول لنا خلقكم من طين {ثم قضى أجلاً} أي كتب وقدَّر أجلاً والقضاء يكون بمعنى الحكم وبمعنى الأمر وبمعنى الخلق وبمعنى الإتمام والإكمال.
{وأجل مسمى عنده}. قيل: فيه أقوال أحدها: أنه يعني بالأجلين: أجل الحياة إلى الموت وأجل الموت إلى البعث وقيام الساعة عن الحسن وسعيد بن المسيب وقتادة والضحاك واختاره الزجاج. وروى أيضاً عطاء عن ابن عباس. قال: قضى أجلاً من مولده إلى مماته وأجل مسمى عنده من الممات إلى البعث لا يعلم ميقاته أحد سواه فإذا كان الرجل صالحاً واصلاً لرحمه زاد الله له في أجل الحياة ونقص من أجل الممات إلى المبعث وإذا كان غير صالح ولا واصل نقصه الله من أجل الحياة وزاد في أجل المبعث قال: وذلك قولـه
{ وما يعمَّر من معمَّر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب } [فاطر:11 ].
وثانيها: أنه الأجل الذي يحيا به أهل الدنيا إلى أن يموتوا وأجل مسمى عنده يعني الآخرة لأنه أجل دائم ممدود لا آخر له وإنما قال مسمى عنده لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ في السماء وهو الموضع الذي لا يملك فيه الحكم على الخلق سواه عن الجبائي وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد.
وثالثها: أن أجلاً يعني به أجل من مضى من الخلق وأجل مسمى عنده يعني به آجال الباقين عن أبي مسلم.
ورابعها: أن قولـه قضى أجلاً عنى به النوم يقبض الروح فيه ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة وأجل مسمى عنده هو أجل موت الإنسان وهو المروي عن ابن عباس ويؤيدّه قولـه
{ ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } [الزمر: 42] والأصل في الأجل هو الوقت فأجل الحياة هو الوقت الذي يكون فيه الحياة وأجل الموت أو القتل هو الوقت الذي يحدث فيه الموت أو القتل وما يعلم الله تعالى أن المكلف يعيش إليه لو لم يقتل لا يسمى أجلاً حقيقة ويجوز أن يسمى ذلك مجازاً وما جاء في الأخبار من أن صلة الرحم تزيد في العمر والصدقة تزيد في الأجل وإن الله تعالى زاد في أجل قوم يونس وما أشبه ذلك فلا مانع من ذلك.
وقولـه {ثم أنتم تمترون} خطاب للكفار الذين شكُّوا في البعث والنشور واحتجاج عليهم بأنه سبحانه خلقهم ونقلهم من حال وقضى عليهم الموت وهم يشاهدون ذلك ويقرُّون بأنه لا محيص منه ثم بعد هذا يشكُّون ويكذبون بالبعث ومن قدر على ابتداء الخلق فلا ينبغي أن يشكُّ في أنه يصح منه إعادتهم وبعثهم.