خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
٢
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
٣
أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
٤
-الأنفال

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: الوجل والخوف والفزع واحد يقال وَجِل يَوْجَلُ ويَيْجَلُ ويَاجَلُ بالألف ويِيجَلُ أربع لغات حكاها سيبويه وأجودها يوجل قال الشاعر:

لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وَإنّي لأوْجَلُ عَلـــى أيِّنـــا تَعْــدُو الْمَنِيَّةُ أوَّلُ

والتوكل هو الثقة بالله في كل ما يحتاج إليه يقال وكلت الأمر إلى فلان إذا جعلت إليه القيام به والوكيل القائم بالأمر لغيره.
الإعراب: حقاً منصوب بما دلَّت عليه الجملة التي هي قولـه أولئك هم المؤمنون والمعنى أحق ذلك حقاً.
المعنى: لما قال سبحانه {إن كنتم مؤمنين} بيَّن صفة المؤمنين بقولـه {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} أي خافت تعظيماً له وذلك إذا ذكر عندهم عقوبته وعدله ووعيده على المعاصي بالعقاب واقتداره عليه فأما إذا ذكرت نعمة الله على عباده وإحسانه إليهم وفضله ورحمته عليهم وثوابه على الطاعات اطمأنَّت قلوبهم وسكنت نفوسهم إلى عفو الله تعالى كما قال سبحانه
{ ألا بذكر الله تطمئن القلوب } [الرعد: 28] فلا تنافي بين الآيتين إذ وردتا في حالتين ووجه آخر وهو أن المؤمن ينبغي أن يكون من صفته أنه إذا نظر في نعم الله عليه ومننه لديه وعظيم مغفرته ورحمته اطمأنَّ قلبه وحسن بالله ظنه وإذا ذكر عظيم معاصيه بترك أوامره وارتكاب نواهيه وَجَل قلبه واضطربت نفسه والوجل الخوف مع شدة الحزن وإنما يستعمل على الغالب في القلب.
{وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} معناه وإذا قرىء عليهم القرآن زادتهم آياته تبصرة ويقيناً على يقين عن الضحاك. وقيل: زادتهم تصديقاً مع تصديقهم بما أنزل الله إليهم قبل ذلك عن ابن عباس والمعنى أنهم يصدّقون بالأولى والثانية والثالثة وكل ما يأتي من عند الله فيزداد تصديقهم.
{وعلى ربهم يتوكلون} أي يفوّضون أمورهم إلى الله فيما يخافونه من السوء في الدنيا. وقيل: فيما يرجونه من قبول أعمالهم في الآخرة.
{الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} قد مرَّ تفسيره في سورة البقرة وإنما خصَّ الصلاة والزكاة بالذكر لعظم شأنهما وتأكّد أمرهما وليكون داعياً إلى المواظبة على فعلهما {أولئك هم المؤمنون حقاً} أي هؤلاء المستجمعون لهذه الخصال والحائزون لهذه الصفات هم الذين استحقّوا هذا الاسم على الحقيقة {لهم درجات عند ربهم} يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم عن عطاء. وقيل: لهم أعمال رفيعة وفضائل استحقُّوها في أيام حياتهم عن مجاهد {ومغفرة} لذنوبهم {ورزق كريم} أي خطير كبير في الجنة. وقيل: كريم دائم كثير لا يشوبه ضرر ولا يعتريه كدر ولا يخاف عليه فناء ولا نقصان ولا حساب من قولـهم فلان كريم إذا كانت أخلاقه محمودة.
واستدلَّ من قال إن الإيمان يزيد وينقص وأن أفعال الجوارح من الإيمان بهذه الآيات فقال إن الله تعالى نفى أن يكون المؤمن غير متصف بهذه الصفات بلفظة إنما فكأنه قال لا يكون أحد مؤمناً إلا أن يكون بهذه الصفات والجواب عنه أن هذه الصفات خيار المؤمنين وأفاضلهم فكأنه قال إنما خيار المؤمنين مَنْ له هذه الأوصاف وليس يمتنع أن يتفاضل المؤمنون في الطاعات وإن لم يتفاضلوا في الإيمان يدلُّ على ذلك أن الإجماع حاصل على أن وَجَل القلب ليس بواجب وإنما هو من المندوبات وأن الصلاة قد تدخل فيها الفرائض والنوافل. والإنفاق كذلك فعلمنا أن الإشارة بالآية إلى خيار المؤمنين وأماثلهم لا تدل إذاً على أن من كان دونهم في المنزلة خارج عن الإيمان وقد قال ابن عباس: إنه سبحانه أراد بذلك أن المنافق لا يدخل قلبه خشية الله عند ذكره وأن هذه الأوصاف المذكورة منتفية عنه.