خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً
٣١
وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً
٣٢
كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً
٣٣
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً
٣٤
-الكهف

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ عاصم وأبو جعفر وروح {وكان له ثمر}. {وأحيط بثمره} بفتح الثاء والميم فيهما، وافقهم رويس في الاولى. وقرأ أبو عمرو - بضم الثاء وسكون الميم - فيهما. الباقون بضمهما فيهما.
قال أبو علي: الثمر ما يجتنى من ذي الثمر وجمعه ثمرات مثل رحبة ورحبات: ورقبة ورقبات، ويجوز في جمع {ثمرة} ضربان: احدهما - على ثمر، كبقرة وبقر والاخر - على التكسير، فتقول ثمار كرقبة ورقاب، فيشبه المخلوقات بالمصنوعات وشبه كل واحد منهما بالآخر. ويجوز فى القياس أن يكسر (ثمار) الذي هو جمع ثمرة على ثمر، ككتاب وكتب، ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة كبدنة وبدن وخشبة وخشب، ويجوز أن يكون ثمر واحداً كعنق وطنب، فعلى جميع هذه الوجوه يجوز اسكان العين منه. ومثله في قوله {وأحيط بثمره}. وقال بعض أهل اللغة: الثمر المال، والثمر المأكول. وجاء في التفسير (إن الثمر النخل والشجر) ولم يرد به الثمر. فالثمر - على ما روي عن جماعة من السلف - الاصول التي تحمل الثمرة لا نفس الثمرة بدلالة قوله {فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها} أي في الجنة والنفقة انما تكون على ذوات الثمر في الأكثر، فكأن الآية التي أرسلت عليها اصطلمت الاصول وإجتاحتها، كما قال تعالى فى صفة الجنة الاخرى
{ فأصبحت كالصريم } أي كالليل في سواده لاحتراقها بعد أن كانت كالنهار فى بياضها. وحكي عن أبي عمرو، إن الثمرة والثمر أنواع المال من الذهب والفضة وغيرهما يقال: فلان مثمر أي كثير المال، ذهب اليه مجاهد وغيره.
اخبر الله تعالى في الآية الاولى عما للمؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين أخبر عنهم بأنه لا يضيع عملهم الحسن، وما قد أعدّ لهم، فقال {لهم جنات عدن} والجنات جمع جنة، وهي البستان الذي فيها الشجر. ومعنى {عدن} أي موضع اقامة، وانما سمي بذلك، لانهم يبقون فيها ببقاء الله دائماً وأبداً، والعدن الاقامة. وقيل: هو اسم من اسماء الجنة - في قول الحسن - ويقال عدن بالمكان يعدن عدناً اذا أقام فيه، فسمى الجنة عدناً من اقامة الخلق فيها. ثم وصف هذه الجنة، فقال {تجري من تحتهم الأنهار} وقيل في معنا ذلك قولان:
احدهما - إن انهار الجنة في اخاديد من الارض، فلذلك قال من تحتهم.
الثاني - انهم على غرف فيها فالانهار تجري من تحتهم، كما قال تعالى
{ وهم في الغرفات آمنون } }. وقوله {يحلون فيها من أساور من ذهب} أي يجعل لهم فيها حلياً من زينة من أساور، وهو جمع اسوار على حذف الزيادة، لأن مع الزيادة أساوير، فى قول قطرب.
وقيل هو جمع اسورة، واسورة جمع سوار، يقال بكسر السين وضمها - في قول الزجاج - والسوار زينة تلبس في الزند من اليد. وقيل هو من زينة الملوك يسور في اليد ويتوج على الرأس.
{ويلبسون ثياباً خضراً من سندس واستبرق} فالسندس ما رقّ من الديباج واحده سندسة وهي الرقيقة من الديباج، على أحسن ما يكون وأفخره، فلذلك شوّق الله اليه. والاستبرق الغليظ من الديباج. وقيل هو الحرير قال المرقش:

تراهن يلبسن المشاعر مرّة واستبرق الديباج طوراً لباسها

وقوله تعالى {متكئين} نصب على الحال {فيها} يعنى فى الجنة {على الأرائك} جمع أريكة، وهي السرير قال الشاعر:

خدوداً جفت فى السير حتى كأنما يباشرن بالمعزاء مس الارائك

وقال الاعشى:

بين الرواق وجانب من سيرها منها وبين أريكة الانضاد

أي السرير في الحجلة. وقال الزجاج: الارائك الفرش في الحجال. ثم قال تعالى إن ذلك {نعم الثواب} والجزاء على الطاعات {وحسنت مرتفقاً} يعني حسنت الجنة مرتفقاً، فلذلك أنث الفعل، ومعنى {مرتفقاً} اي مجلساً، وهو نصب على التمييز. ثم قال {واضرب لهم مثلاً رجلين} أي اضرب رجلين لهم مثلا {جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل} أي جعلنا النخل مطيفاً بهما يقال حفه القوم يريد إذا طافوا به {وجعلنا بينهما زرعاً} اعلام بأن عمارتهما كاملة متصلة لا يفصل بينمها إلا عمارة. واعلمنا أنهما كاملتان في تأدية كل حملها من غلتها، فقال {كلتا الجنتين آتت أكلها} أي طعمها وما يؤكل منها {ولم تظلم منه شيئاً} أي لم تنقص بل أخرجت ثمرها على الكمال والتمام، قال الشاعر:

يظلمني مالي كذا ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه

أي ينقصني مالي. وقال الحسن: معناه لم ينقص {وفجرنا خلالهما نهراً} أي شققنا نهراً بينهما، وفائدتهما أنهما يشربان من نهر واحد. {وكان له ثمر} وقرئ {ثمر} قال مجاهد هو ذهب، وفضة. وقال ابن عباس وقتادة: هو صنوف الأموال، يقال: ثمار وثمر مثل حمار وحمر، ويجوز أن يكون جمع ثمر، مثل خشب وخشب، وانما قال {كلتا الجنتين آتت} على لفظ كلتا، لانه بمنزلة (كل) في مخرج التوحيد. ولو قال آتتا، على الجنتين كان جائزاً قال الشاعر في التوحيد:

وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي فلا العيش اهواه ولا الموت أروح

ويجوز كلاهما في الحديث قال الشاعر:

كلا عقبيه قد تشعث رأسها من الضرب في جنبي ثقال مباشر

والالف واللام في كلتا ليست ألف التثنية، ولذلك يجوز أن تقول الاثنتان قام، ويجوز ان يقال كل الجنة آتت. ولا يجوز كل المرأة قامت، لان بعض الامرأة ليس بامراة وبعض الجنة جنة، فكأنه قال كل جنة من جملة ما آتت.
وقوله {فقال لصاحبه وهو يحاوره} أي يقول احد الرجلين لصاحبه يعنى صاحبي الجنتين اللتين ضرب بهما المثل، يقول لصاحبه الآخر {وهو يحاوره} أي يراجعه الكلام {أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً} أي أجمع مالا وأعز عشيرة واكثر انصاراً، وقد فسرناه فيما مضى وإنما قال {وفجرنا خلالهما نهراً} والنهر يتفجر من موضع واحد لان النهر يمتد حتى يصير التفجر كانه فيه كله، فالتخفيف والتثقيل فيه جائزان ومنه
{ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً } يخفف ويثقل على ما مضى القول فيه.