خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً
٧٨
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
٧٩
وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً
٨٠
فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً
٨١
وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً
٨٢
-الكهف

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ اهل المدينة وابو عمرو {أن يبدلهما} - بفتح الياء وتشديد الدال - هنا - وفى التحريم {أن يبدله} وفي نون {أن يبدلنا} بالتشديد فيهن. الباقون بالتخفيف. فاما التي في سورة النور {وليبدلنهم} فخففها ابن كثير وابو بكر ويعقوب. وشدده الباقون. وقرأ ابن عامر وابو جعفر ويعقوب {رحماً} بضم الحاء. الباقون باسكانها. وروى العبسي {ما لم تسطع} بتشديد الطاء. الباقون بتخفيفها.
قال ابو علي (بدل، وابدل) متقاربان مثل (نزل، وانزل) إلا ان (بدل) ينبغي ان يكون أرجح، لقوله تعالى
{ لا تبديل لكلمات الله } ولم يجئ الابدال كما جاء التبديل، ولم يجئ الابدال في موضع من القرآن، وقد جاء { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج } فهذا قد يكون بمعنى الابدال كما ان قوله الشاعر:

فلم يستجبه عنك ذاك مجيب

بمعنى فلم يجبه. وقال قوم: ابدلت الشيء من الشيء إذا ازلت الأول وجعلت الثاني مكانه. كقول ابي النجم:

عزل الامير للأمير المبدل

وبدلت الشيء من الشيء إذا غيرت حاله وعينه. والاصل باق، كقولهم بدلت قميصي جبة، واستدلوا بقوله { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها } فالجلد الثاني هو الاول، ولو كان غيره لم يجز عقابه. واما (رحم ورحم) فلغتان مثل العمر والعمر، والرعب والرعب. وحكي لغة ثالثة - بفتح الراء واسكان الحاء - كما يقال: اطال الله عمرك وعمرك. والمعنى واقرب رحمة وعطفاً، وقربى وقرابة قال الشاعر:

ولم تعوج رحم من تعوجاً

وقال آخر:

يا منزل الرحم على ادريس

حكى الله تعالى عن صاحب موسى انه قال له {هذا فراق بيني وبينك} ومعناه هذا وقت فراق اتصال ما بيني وبينك، فكرر (بين) تأكيداً، كما يقال: أخزى الله الكاذب مني ومنك أي أخزى الله الكاذب منا. وقيل في {هذا} انها اشارة الى احد شيئين:
احدهما - هذا الذى قلته فراق بيني وبينك.
والثاني - هذا الوقت فراق بيني وبينك. ثم قال له {سأنبئك} أي ساخبرك {بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} ولم يخفّ عليك رؤيته، ثم بين واحداً واحداً، فقال {أما} السبب في خرقي {السفينة} انها {كانت لمساكين} أي للفقراء الذين لا شيء لهم يكفيهم، قد اسلمتهم قلة ذات أيديهم {يعملون في البحر} أى يعملون بها في البحر ويتعيشون بها {فأردت أن أعيبها} والسبب فى ذلك انه {كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} فقيل إن الملك كان يأخذ السفينة الصحيحة، ولا يأخذها إذا كانت معيبة. وقد قرئ فى الشواذ {يأخذ كل سفينة صحيحة غصباً} روى ذلك عن أبي، وابن مسعود.
والوراء والخلف واحد، وهو نقيض جهة القدام على مقابلتها. وقال قتادة: وراءهم - ها هنا - بمعنى أمامهم. ومنه قوله
{ من ورائهم جهنم } و { ومن ورائهم برزخ } وذلك جائز على الاتساع، لانها جهة مقابلة لجهة، فكأن كل واحد من الجهتين وراء الآخر قال لبيد:

أليس ورائي ان تراخت منيتي لزوم العصا تحنو عليها الاصابع

وقال آخر:

ايرجوا بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا

وقال الفراء: يجوز ذلك في الزمان دون الأجسام، تقول: البرد والحر وراءنا ولا تقول: زيد وراءك. وقال الرماني وغيره: يجوز في الاجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر. وقرأ ابن عباس {وكان أمامهم ملك} وقال الزجاج {وراءهم} خلفهم، لانه كان رجوعهم عليه. ولم يعلموا به.
ثم قال {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً} وقيل: إن قوله {فخشينا} من قول الخضر. وقيل: انه من قول الله تعالى، ومعناه علمنا. وقيل: معنى خشينا كرهنا، فبين أن الوجه فى قتله ما لأبويه من المصلحة في ثبات الدين، لانه لو بقي حياً لأرهقهما طغياناً وكفراً أى اوقعهما فيه، فيكون ذلك مفسدة، فأمر الله بقتله لذلك، كما لو أماته. وفى قراءة أبي {وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين}. ثم قال {فأردنا أن يبدلهما} يعني أن يبدل الله لأبويه خيراً من هذا الغلام {زكاة} يعنى صلاحاً وطهارة {وأقرب رحماً} أى ابرّ بوالديه من المقتول - في قول قتادة - يقال: رحمه رحمة ورحماً. وقيل: الرحم والرحم القرابة قال الشاعر:

ولم يعوج رحم من تعوجا

وقال آخر:

وكيف بظلم جارية ومنها اللين والرحم

وقيل معناه وأقرب أن يرحما به. ثم أخبر الخضر عن الحال الجدار الذى اقامه وأعلم انه {كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما} فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: كانت صحف من علم. وقال الحسن: كان لوحاً من ذهب مكتوب فيه الحكم. وقال قتادة وعكرمة: كان كنز مال. والكنز فى اللغة هو كل مال مذخور من ذهب وفضة وغير ذلك.
وقوله {وكان أبوهما صالحاً} يعني أبا اليتيمين فأراد الله {أن يبلغا أشدهما} يعني كمالهما من الاحتلام وقوة العقل {ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك} أي نعمة من ربك. ثم قال صاحب موسى: وما فعلت ذلك من قبل نفسي وأمري بل بأمر الله فعلت. ثم قال {ذلك} الذي قلته لك {تأويل ما لم تسطع عليه صبراً} وثقل عليك مشاهدته واستبشعته.
وفى الآية دلالة على وجوب اللطف، لان مفهومه أنه تدبير من الله فى عباده لم يكن يجوز خلافه، وقد عظم الله شأنه بما يفهم منه هذا المعنى.
وقال الجبائي: لا يجوز أن يكون صاحب موسى الخضر، لأن خضراً كان من الانبياء الذين بعثهم الله من بني اسرائيل بعد موسى. قال: ولا يجوز ايضاً أن يبقى الخضر الى وقتنا هذا، كما يقوله من لا يدري، لانه لا نبي بعد نبينا، ولانه لو كان لعرفه الناس، ولم يخف مكانه.
وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأنا لا نعلم أولا أن خضراً كان نبياً، ولو ثبت ذلك لم يمتنع أن يبقى الى وقتنا هذا، لأن تبقيته في مقدرر الله تعالى، ولا يؤدي الى انه نبي بعد نبينا، لأن نبوته كانت ثابتة قبل نبينا. وشرعه - إن كان شرعاً خاصاً - انه منسوخ بشرع نبينا. وإن كان يدعو الى شرع موسى أو من تقدم من الانبياء، فان جميعه منسوخ بشرع نبينا (صلى الله عليه وسلم) فلا يؤدي ذلك الى ما قال. وقوله: لو كان باقياً لرؤي ولعرف غير صحيح، لانه لا يمتنع أن يكون بحيث لا يتعرف الى احد، فهم وإن شاهدوه لايعرفونه.
وفى الناس من قال: إن موسى الذي صحب الخضر ليس هو موسى بن عمران وانما هو موسى بن ميشا، رجل من بني اسرائيل. والله اعلم بذلك.
وروي عن جعفر بن محمد (ع) في قوله تعالى {وكان تحته كنز لهما} قال: سطران ونصف ولم يتم الثالث، وهي (عجباً للموقن بالرزق كيف يتعب وعجباً للموقن بالحساب كيف يغفل وعجباً للموقن بالموت كيف يفرح) وفى بعض الروايات زيادة على ذلك (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) وذكر أنهما حفظا، لصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح. وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة أباء، وكان سياحاً. واستشهد على أن الخشية بمعنى العلم بقوله تعالى
{ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } وقوله { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً } أي علمت. واستشهد على أنه بمعنى الكراهية بقول الشاعر:

يا فقعسي لم اكلته لمه لو خافك الله عليه حرمه

قال قطرب يريد لو كره أن تأكله لحرمه عليك.