خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
١١١
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً
١١٢
وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً
١١٣
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً
١١٤
وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
١١٥
-طه

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن كثير وحده {فلا يخف ظلماً} على النهي. الباقون على الخير. قال ابو علي النحوي: قوله {وهو مؤمن} جملة فى موضع الحال والعامل فيها {يعمل} وذو الحال الذكر الذي فى يعمل من {من}، وموضع الفاء، وما بعدها من قوله {فلا يخاف} الجزم، لكونه فى موضع جواب الشرط. والمبتدأ محذوف مراد بعد الفاء، وتقديره: فهو لا يخاف، والأمر في ذلك حسن، لأن تقديره من عمل صالحاً فليأمن، ولا يخف. والمراد الخبر بأن المؤمن الصالح لا خوف عليه
وقوله {وعنت الوجوه} أي خضعت وذلت خضوع الاسير في يد القاهر له، والعاني الاسير، ويقال: عنا وجهي لربه يعنو عنواً اي ذل وخضع ومنه: أخذت الشيء عنوة أي غلبة بذل المأخوذ منه، وقد يكون العنوة عن تسليم وطاعة، لأنه على طاعة الذليل للعزيز قال الشاعر:

هل انت مطيعي ايها القلب عنوة ولم تلح نفس لم تلم فى اخيتالها

وقال آخر:

فما اخذوها عنوة عن مودة ولكن بضرب المشرفيّ استقالها

و {عنت} ذلت - فى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. و {القيوم} قيل في معناه قولان:
احدهما - انه العالم فيما يستقيم به تدبير جميع الخلق، فعلى هذا لم يزل الله قيوماً
والثاني - انه القائم بتدبير الخلق، وهي مثل صفة حكيم على وجهين. وقال الجبائي: القيوم القائم بأنه دائم لا يبيد ولا يزول. وقال الحسن: هو القائم على كل نفس بما كست حتى يجزيها. ووجه {عنت الوجوه للحي القيوم} انها تدل عليه، لأن الفعل منه تعالى يدل على انه قادر وكونه قادراً يدل على انه عالم. وقيل: معنى {وعنت الوجوه} هو وضع الجبهة والانف على الارض في السجود - فى قول طلق ابن حبيب
وقوله {وقد خاب من حمل ظلماً} أي خسر الثواب من جاء يوم القيامة كافراً ظالماً مستحقاً للعقاب. و {من} فى قوله {من الصالحات} زائدة عند قوم والمراد من يعمل الصالحات. ويحتمل ان تكون للتبعيض، لان جميع الصالحات لا يمكن احد فعلها، فأخبر الله تعالى ان من يعمل الاعمال الصالحات، وهو مؤمن عارف بالله تعالى مصدق بأنبيائه {فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} اي لايخاف ظلماً بالزيادة في سيآته، ولا زيادة فى عقابه الذي يستحقه على معاصيه {ولا هضماً} أي ولا نقصاناً من حسناته ولا من ثوابه - في قول ابن عباس والحسن وقتادة - وقيل {لا يخاف ظلماً} بأن لا يجزى بعمله {ولا هضماً} بالانتقاص من حقه - في قول ابن زيد. فمن قرأ "فلا يخاف" أراد الاخبار بذلك. ومن قرأ "فلا يخف" معناه معنى النهي للمؤمن الذي وصفه عن أن يخاف ظلماً او هضماً. وأصل الهضم النقص، يقال: هضمني فلان حقى اي نقصني. وامرأة هضيم الحشا أي ضامرة الكشحين بنقصانه عن حد غيره. ومنه هضمت المعدة الطعام اي نقصت مع تغييرها له.
وقوله {وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً} أي كما اخبرناك باخبار القيامة أنزلنا عليك يا محمد القرآن {وصرفنا فيه من الوعيد} اي ذكرناه على وجوه مختلفة، وبيناه بألفاظ مختلفة، لكي يتقوا معاصيه ويحذروا عقابه {أو يحدث} القرآن {لهم ذكراً} ومعناه ذكراً يعتبرون به. وقيل {ذكراً} اى شرفاً بايمانهم به.
ثم قال تعالى {فتعالى الله الملك الحق} اي ذو الحق، ومعناه ارتفع - معنى صفته - فوق كل شيء سواه، لأنه اقدر من كل قادر، واعلم من كل عالم سواه لأن كل قادر عالم سواه يحتاج اليه، وهو غني عنه.
وقوله {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه} اى لا تسأل إنزاله قبل ان يأتيك وحيه. وقيل: معناه لا تلقه الى الناس قبل ان يأتيك بيان تأويله. وقيل: لا تعجل بتلاوته قبل ان يفرغ جبرائيل من ادائه اليك.
وقوله {وقل رب زدني علماً} اي استزد من الله علماً الى علمك. وقال الحسن: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا نزل عليه الوحي عجل بقراءته مخافة نسيانه.
وقوله {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً} قال ابن عباس ومجاهد: معناه عهد الله اليه، بأن امره به ووصاه به "فنسي" اي ترك. وقيل إنما اخذ الانسان من انه عهد اليه فنسي - في قول ابن عباس - وقوله {ولم نجد له عزماً} اى عقداً ثابتاً. وقال قتادة: يعني صبراً. وقال عطية: اى لم نجد له حفظاً. والعزم الارادة المتقدمة لتوطين النفس على الفعل.
وقرأ يعقوب {من قبل أن نقضي} بالنون وكسر الضاد وفتح الياء بعدها {وحيه} بنصب الياء. الباقون {يقضى} بناه لما لم يسم فاعله ورفع الياء في قوله {وحيه}،