خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي
٨٦
قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ
٨٧
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ
٨٨
أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً
٨٩
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي
٩٠
-طه

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر {بملكنا} بكسر الميم - وقرأ نافع وعاصم - بفتح الميم - وقرأ حمزة والكسائي - بضم الميم - من ضم الميم فمعناه بسلطاننا وقيل إن في ذلك ثلاث لغات: فتح الميم وضمها وكسرها. وقرأ ابو عمرو، وحمزة وأبو بكر {حملنا} - بفتح الحاء والميم - مخففاً. الباقون - بضم الحاء وكسر الميم - مشدداً.
اخبر الله تعالى أن موسى رجع من ميقات ربه {إلى قومه غضبان أسفاً} والغضب ضد الرضا، وهو ما يدعو الى فعل العقاب، والأسف أشد الغضب. وقال ابن عباس: معنى "أسفاً" اي حزيناً. وبه قال قتادة والسدي. والأسف أشد الغضب. وقال بعضهم: قد يكون بمعنى الغضب، ويكون بمعنى الحزن. قال الله تعالى
{ فلما أسفونا انتقمنا منهم } أي أغضبونا، فقال موسى لقومه {يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً} لأن الله تعالى كان وعد موسى بالنجاة من عدوهم، ومجيئهم الى جانب الطور الأيمن، ووعده بأنه تعالى {غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم أهتدى} ثم قال {أفطال عليكم العهد} أي عهدى ولقائي فنسيتموه {أم أردتم أن يحل عليكم} اي يجب عليكم {غضب} اي عقاب {من ربكم فأخلفتم موعدي} أي ما وعدتموني من المقام على الطاعات. وقال الحسن: معنى {ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً} فى الآخرة على التمسك بدينه في الدنيا. وقيل الذي وعدهم الله به التوراة، وفيها النور والهدى ليعملوا بما فيها، ويستحقوا عليه الثواب. وكانوا وعدوه أن يقيموا على أمرهم، فأخلفوا، وقالوا جواباً لموسى {ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي قال المؤمنون: لم نملك أن نرد عن ذلك السفهاء. قال قتادة والسدي: معنى "بملكنا" بطاقتنا. وقال ابن زيد: معناه لم نملك أنفسنا للبلية التي وقعت بنا. فمن فتح الميم: أراد المصدر. ومن كسرها أراد: ما يتملك. ومن ضم أراد: السلطان والقوة به.
وقوله {ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم} معناه إنا حملنا أثقالا من حلي آل فرعون، وذلك أن موسى أمرهم ان يستعيروا من حليهم - في قول ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد - وقيل: جعلت حلالا لهم. ومن قرأ بالتشديد أراد ان غيرنا حملنا ذلك بأن أمرنا بحمله.
وقوله {فقذفناها} أي طرحنا تلك الحلي، ومثل ذلك {ألقى السامري} ما كان معه من الحلي. وقيل {أوزاراً} أي اثقالا من حلي آل فرعون، لما قذفهم البحر أخذوها منهم. ثم اخبر تعالى فقال: إن السامري أخرج لقوم موسى عجلا جسداً له خوار، فقيل ان ذلك العجل كان في صورة ثور صاغها من الحلي التي كانت معهم، ثم ألقى عليها من أثر جبرائيل شيئاً، فانقلب حيواناً يخور - ذكره الحسن وقتادة والسدي - و {الخور} الصوت الشديد كصوت البقرة. وقال مجاهد: كان خواره بالريح إذا دخلت فى جوفه. وأجاز قوم الأول، وقالوا: إن ذلك معجزة تجوز فى زمن الأنبياء. وقول مجاهد أقوى، لأن إظهار المعجزات لا يجوز على أيدي المبطلين، وإن كان في زمن الأنبياء. وقال الجبائي: انما صوره على صورة العجل وجعل فيه خروقاً إذا دخله الريح أو هم انه يخور. وقيل: انه خار دفعة واحدة {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى} يعني قال ذلك السامري ومن تابعه ان هذا العجل معبودكم ومعبود موسى، "فنسي" أي نسي موسى أنه إلهه، وهو قول السامري - في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وابن زيد والضحاك - وقال ابن عباس في رواية أخرى: معناه، فنسى السامري ما كان عليه من الايمان، لأنه نافق لما عبر البحر. ومعناه ترك ما كان عليه. وقال قوم: معناه "فنسي" موسى أنه أراد هذا العجل، فنسي وترك الطريق الذي يصل منه اليه، ويكون حكاية قول السامري.
ثم قال تعالى تنبيهاً لهم على خطئهم {أفلا يرون} أي أفلا يعلمون أنه {لا يرجع إليهم قولاً} أي لا يجيبهم إذا خاطبوه، ولا يقدر لهم على ضر ولا نفع. ثم اخبر ان هارون قال لهم قبل ذلك {يا قوم إنما فتنتم به} أي ابتليتم واختبرتم به {وإن ربكم الرحمن} اي الذين يستحق العبادة عليكم هو الرحمن الذي أنعم عليكم بضروب النعم {فاتبعوني} فيما أقول لكم {وأطيعوا أمري} فيما آمركم به.