خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ
١٢
ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ
١٣
ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ
١٤
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ
١٥
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
١٦
-المؤمنون

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن عامر وابو بكر عن عاصم "عظماً" في الموضعين على التوحيد. الباقون على الجمع. فمن وحد، فلأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير. ومن جمع، فلقوله { أإذا كنا عظاماً ورفاتاً } وقوله { أإذا كنا عظاماً نخرة } وقوله { من يحيي العظام } وما أشبه ذلك.
يقول الله تعالى على وجه القسم، انه: خلق {الإنسان من سلالة من طين} فقال ابن عباس ومجاهد: المراد بالانسان كل انسان، لانه يرجع إلى آدم الذي خلق من سلالة. وقال قتادة: المراد بالانسان آدم، لانه استل من أديم الأرض. وقيل: استل من طين. والسلالة صفوة الشيء التي تخرج منه، كأنها تستل منه. والسلالة صفوة الشيء التي تجري قبل ثفله، وكدره، لانها متقدمة على ثفله، كتقديم السلف والاجر على الآخرة. وقد تسمى النطفة سلالة والولد أيضاً سلالة وسليلة. والجمع سلالات، وسلائل، قال الشاعر:

وهل كنت إلا مهرة عربية سليلة أفراس تجللها بغل

وقال آخر:

فجاءت به عضب الاديم غضنفرا سلالة فرج كان غير حصين

وقال آخر:

يقذفن فى أسلابها بالسلائل

وقال آخر:

إذا نتجت منها المهارى تشابهت على القود لا بالانوف سلائله

وفي الآية دلالة على أن الانسان هو هذا الجسم المشاهد، لأنه المخلوق من نطفة، والمستخرج من سلالة، دون ما يذهب اليه قوم: من انه الجوهر البسيط، او شيء لا يصح عليه النركيب والانقسام، على ما يذهب اليه معمر وغيره.
وقوله {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} المعنى جعلنا الانسان، وهو من ولد من نسل آدم {نطفة} وهي القطرة من ماء المني التي يخلق الله منها الحيوان، على مجرى العادة في التناسل، فيخلق الله من نطفة الانسان إنساناً ومن نطفة كل حيوان ما هو من جنسه. ومعنى {مكين} أي مكين لذاك، بأن هيئ لاستقراره فيه الى بلوغ أمده الذي جعل له.
وقوله {ثم خلقنا النطفة علقة} فالعلقة القطعة من الدم إذا كانت جامدة، فبين الله تعالى أنه يصير تلك النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، وهي القطعة من اللحم. ثم اخبر انه يجعل المضغة {عظاماً}. وقرئ "عظماً" وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم. فمن قرأ {عظاماً} أراد ما في الانسان من أقطاع العظم. ومن قرأ "عظماً" فلأنه اسم جنس يدل على ذلك.
ثم بين تعالى انه يكسو تلك {العظام لحماً} ينشئه فوقها، كما تكسى الكسوة. وقوله ثم {انشأناه خلقاً آخر} يعني بنفخ الروح فيه - فى قول ابن عباس ومجاهد - وقيل: نبات الأسنان والشعر، واعطاء العقل والفهم. وقيل {خلقاً آخر} معناه ذكر او انثى. ثم قال {فتبارك الله أحسن الخالقين} ومعنى {تبارك} استحق التعظيم بأنه قديم لم يزل، ولا يزال، وهو مأخوذ من البروك، وهو الثبوت. وقوله {أحسن الخالقين} فيه دلالة على ان الانسان قد يخلق على الحقيقة، لانه لو لم يوصف بخالق إلا الله، لما كان لقوله {أحسن الخالقين} معنى. وأصل الخلق التقدير، كما قال الشاعر:

ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ض القوم يخلق ثم لا يفري

ثم خاطب الخلق. فقال {ثم إنكم} معاشر الخلق بعد هذا الخلق والاحياء {لميتون} أي تموتون عند انقضاء آجالكم. يقولون لمن لم يمت ويصح عليه الموت: ميت ومائت. ولا يقولون لمن مات: مائت. وكذلك فى نظائره سيد وسائد.
وقوله {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} أي تحشرون إلى الموقف والحساب والجزاء بعد أن كنتم أمواتاً، ولا يدل ذلك على أنه لا يحييهم فى القبور للمساءلة، لان قوله: انه يميتهم عند فناء آجالهم ويبعثهم يوم القيامة، لا يمنع من أن يحييهم فيما بين ذلك، ألا ترى أن القائل لو قال: دخلت بغداد فى سنة مئة، وخرجت منها فى سنة عشر ومئة، لم يدل على أنه لم يخرج فيما بينهما وعاد، فكذلك الآية. على ان الله تعالى اخبر انه أحيا قوماً، فقال لهم الله موتوا، ثم أحياهم، فلا بد من تقدير ما قلناه للجميع. وفيه دلالة على بطلان قول معمر، والنظام فى الانسان.