خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٤١
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ
٤٢
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
٤٣
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ
٤٤
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
٤٥
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ
٤٦
-المؤمنون

التبيان الجامع لعلوم القرآن

لما قال الله تعالى لصالح (ع) انه عما قليل يصبح هؤلاء الكفار نادمين، على ما فعلوا. حكى الله أنهم {أخذتهم الصيحة بالحق} والصيحة الصوت الشديد الذي يفزع منها، فأهلك الله تعالى (ثمود) بالصيحة وهي صيحة تصدعت منها القلوب. وقوله {بالحق} معناه على وجه الحق، وهو أخذهم بالعذاب من أجل ظلمهم، باذن ربهم وهو وجه الحق. ولو أخذوا بغير هذا، لكان أخذاً بالباطل، وهو كأخذ كل واحد بذنب غيره.
وقوله {فجعلناهم غثاء} فالغثاء القش الذي يجيء به السيل على رأس الماء: قصب وحشيش وعيدان شجر وغير ذلك. وقيل: الغثاء البالي من ورق الشجر، إذا جرى السيل رأيته مخالطاً زبده. وقوله {فبعداً لقوم لا يؤمنون} معناه بعداً لهم من الرحمة، وهي كاللعنة التي هي ابعاد من رحمة الله، وقالوا فى الدعاء على الشيء: بعداً له، ولم يقولوا فى الدعاء له قرباً له أي من الرحمة لانهم طلبوا الانغماس فى الرحمة، فتركوا التقابل لهذه العلة. وقال ابن عباس ومجاهد. وقتادة: الغثاء المتفتت البالي من الشجر يحمله السيل. وقيل: ان الله بعث ملكاً صاح بهم صيحة ماتوا عندها عن آخرهم.
ثم اخبر تعالى فقال {وأنشأنا من بعدهم} يعني بعد هؤلاء الذين أهلكهم بالصيحة {قروناً} أي أمماً {آخرين} واخبر انه {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} وهذا وعيد لهؤلاء المشركين، ومعناه إن كل أمة لها أجل ووقت مقدر قدره الله لها إذا بلغته لا تؤخر عنه ولا تقدم عليه، بل تهلك عنده. والأجل: هو الوقت المضروب لحدوث أمر من الامور، وليس الأجل الوقت المعلوم أنه يحدث فيه أمر من الامور، لان التأجيل فعل يكون به الوقت أجلا لأمر، وما فى المعلوم ليس بفعل. والأجل المحتوم لا يتأخر ولا يتقدم. والأجل المشروط بحسب الشرط. والمعنى في الأجل المذكور - في الآية - الأجل المحتوم.
ثم اخبر تعالى انه ارسل بعد ان أهلك من ذكره {رسلا تترا} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتنوين. الباقون بغير تنوين، ولا خلاف في الوقف انه بألف. فمن نون لم يمل في الوقف، ومن لم ينون فمنهم من يميل، ومنهم من لا يميل. والمواترة المتابعة. وقيل: هي المواصلة يقال: واترت بين الخبرين أي تابعت بينهما. وقال ابن عباس ومجاهد، وابن زيد: معنى "تترا" أي متواترين يتبع بعضهم بعضاً، وهي (فعلى) من المواترة فمن صرفها جعل الألف للالحاق، ومن لم يصرفها جعلها للتأنيث، ويقال: جاءت كتبه تترى. وأصل (تترى، وترى) من وترت، فقلبت الواو تاء لكراهتهم الواو أولا، حتى لم يزيدوها هناك البتة مع شبهها بالتاء فى اتساع المخرج، والقرب في الموضع. وأصله فى المعنى الاتصال، فمنه الوتر الفرد عن الجمع المتصل، ومنه الوتر لاتصاله بمكانه من القوس. ومنه وترت الرجل أي قطعته بعد اتصال.
ثم اخبر تعالى انه {كلما جاء أمة رسولها} الذي بعثه الله اليهم {كذبوه} ولم يقروا بنبوته.
وقوله {فأتبعنا بعضهم بعضاً} يعني في الاهلاك أي أهلاكنا قوماً بعد قوم {وجعلناهم أحاديث} يتحدثون بهم على وجه المثل في الشر، وهو جمع احدوثة. ولا يقال في الخير لأن الناس يفسرون في الحديث بأسباب الشر أكثر وأغلب.
ثم قال تعالى {فبعداً} من رحمة الله ورسوله {لقوم لا يؤمنون} أي لا يصدقون بواحدنيته فيقرون بالبعث والنشور والجزاء.
ثم اخبر تعالى انه أرسل - بعد إهلاك من ذكره - {موسى وهارون} نبيين {بآياتنا وسلطان مبين} بأدلة من الله وحجج ظاهرة {إلى فرعون وملائه} يعني قومه {فاستكبروا وكانو قوماً عالين} والملأ الجماعة التي تملأ الصدر هيبتهم، وهم أشراف القوم ورؤساؤهم، وخصوا بالذكر، لأن من دونهم أتباع لهم. فلما استكبروا وردوا دعوة الحق تبعهم غيرهم ممن هو دونهم. وقوله {فاستكبروا} اى تكبروا وتجبروا عن الاجابة لهما، وطلبوا بذلك الكبر، فكل مستكبر من العباد جاهل، لانه يطلب أن يعظم بما فوق العبد، وهو عبد لله مملوك يلزمه التذلل له والخضوع، فهي صفة ذمّ للعبد. وكذلك جبار ومتجبر، وهو مدح فى صفات الله تعالى، لان صفته تجل عن صفات المخلوقين، وتعلو فوق كل صفة.
وقوله {وكانوا قوماً عالين} أي كانوا قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم ولهذا كانت صفة ذم. والعالي القاهر القادر الذي مقدوره فوق مقدور غيره لعظمه يقال: علا فلان إذا ترفع وطغا وتجاوز، ومنه قوله
{ ألا تعلوا علي } وقوله { إن فرعون علا في الأرض } وقوله { وقد أفلح اليوم من استعلى } أي من علا على صاحبه وقهره بالحجة.