خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ
٣٦
رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ
٣٧
لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٨
-النور

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن عامر وابو بكر وابن شاهي عن حفص {يسبح} بفتح الباء. الباقون بكسرها، فمن فتح الباء، وقرأ على ما لم يسم فاعله احتلمت قراءته في رفع {رجال} وجهين:
احدهما - أن يكون الكلام قد تم عند قوله {والآصال} ثم قال {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} فالتجارة الجلب، والبيع ما يبيع الانسان على يده.
والوجه الثاني - أن يرفع {رجال} باضمار فعل يفسره الأول، فيكون الكلام تاماً عند قوله {والآصال} ثم يبتدئ {رجال} بتقدير يسبحه رجال. وقال ابو علي: يكون أقام الجار والمجرور مقام الفاعل، ثم فسر من يسبحه، فقال {رجال} أي يسبحه رجال، ومنه قول الشاعر:

ليبك يزيد ضارع لخصومة

كأنه قال ليبك يزيد. قيل من يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع. وقال المبرد: يجوز ان يكون يسبح نعتاً للبيوت، وتقديره فى بيوت اذن الله برفها وذكر اسمه ويسبح له فيها رجال لا تلهيهم تجارة. ومن قرأ بكسر الباء - ورفع رجالا بفعلهم، فعلى هذه القراءة لا يجوز الوقف إلا على {رجال} وعلى الاول على قوله {والآصال}. والآصال جمع أصيل. وقرأ أبو محلم {الاصال} بكسر الالف جعله مصدراً.
وقوله {في بيوت أذن الله} قيل فى العامل في (في) قولان:
احدهما - (المصابيح) في بيوت، والعامل استقرار المصابيح، وهو قول ابن زيد.
والثاني - توقد في بيوت، وهذه البيوت هي المساجد - فى قول ابن عباس والحسن ومجاهد - وقال عكرمة: هي سائر البيوت وقال الزجاج: يجوز ان تكون (فى) متصلة بيسبح ويكون فيها كقولك فى الدار قام زيد فيها.
وقوله {أذن الله أن ترفع} قال مجاهد: معناه أذن الله أن تبنى، وترفع بالبناء، كما قال
{ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل } وقال الحسن: معناه أن تعظم، لانها مواضع الصلوات.
وقوله {ويذكر فيها اسمه} أي يذكر اسم الله فى هذه البيوت. وقيل تنزه من النجاسات والمعاصي.
وقوله {يسبح له فيها بالغدو والآصال} قال ابن عباس: معناه يصلي له فيها بالغداة والعشي، وهو قول الحسن والضحاك. وقال ابن عباس: كل تسبيح فى القرآن فهو صلاة.
وقوله {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} أي لا تشغلهم ولا تصرفهم التجارة والبيع عن ذكر الله وتعظيمه.
وروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) انه تعالى مدح قوماً إذا دخل وقت الصلاة تركوا تجارتهم وبيعهم، واشتغلوا بالصلاة.
وقوله {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} أي لا تصرفهم تجارتهم عن ذكر الله، وعن اقامة الصلاة، وحذف التاء لان الاضافة عوض عنها، لانه لا يجوز أن تقول: اقمته إقاماً، وانما يجوز إقامة، والهاء عوض عن محذوف، لان أصله اقوام، فلما اضافه قامت الاضافة مقام الهاء {وإيتاء الزكاة} أي ولا يصرفهم ذلك عن اعطاء الزكاة التي افترضها الله عليهم. وقال ابن عباس: الزكاة الطاعة لله وقال الحسن: هي الزكاة الواجبة في المال قال الشاعر [في حذف الهاء والعوض عنها بالاضافة]:

إن الخليط اجدّ والبين فانجردوا واخلفوك عدى الأمر الذي وعدوا

يريد عدة الأمر فحذف الهاء لما اضاف.
وقوله تعالى {يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والابصار} أي يخافون عذاب يوم أو اهوال يوم تتقلب فيه القلوب من عظم اهواله، والابصار من شدة ما يعاينوه. وقيل تتقلب فيه القلوب ببلوغها الحناجر، وتقلب الابصار بالعمى بعد النظر
وقال البلخي: معناه إن القلوب تنتقل من الشك الذي كانت عليه، الى اليقين والايمان. وإن الابصار تتقلب عما كانت عليه، لانها تشاهد من أهوال ذلك اليوم ما لم تعرفه، ومثله قوله
{ لقد كنت في غفلة من هذا } الآية. وقال الجبائي: تتقلب القلوب والابصار عن هيئاتها بأنواع العقاب كتقلبها على الجمر.
وقوله {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا} أي يفعلون ذلك طلبا لمجازات الله إياهم بأحسن ما عملوا من ثواب الجنة، ويزيدهم على ذلك من فضله وكرمه. ثم اخبر تعالى انه {يرزق} على العمل بطاعته تفضلا منه تعالى {من يشاء بغير حساب} والثواب لا يكون إلا بحساب والتفضل يكون بغير حساب.