خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٥٨
وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٥٩
وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ
٦٠
-النور

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ اهل الكوفة إلا حفصاً {ثلاث عورات} بفتح الثاء. الباقون بالرفع. قال ابو علي النحوي: من رفع، فعلى أنه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هذه ثلاث عورات، لانه لما قال {الذين ملكت أيمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} وفصل الثلاث بقوله {من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء} صار كأنه قال: هذه ثلاث عورات، فاجمل بعد التفصيل. ومن نصب جعله بدلا من قوله {ثلاث مرات} وانما أبدل {ثلاث عورات} وليس بزمان من {ثلاث مرات} وهي زمان، لانه مشتمل على زمان من حيث ان التقدير: أوقات ثلاث عورات، فلما حذف المضاف أقام المضاف اليه مقامه.
و {العورات} جمع عورة، وحكم ما كان على وزن (فعلة) من الأسماء أن تحرك العين منه، نحو صفحة وصفحات، وجفنة وجفنات إلا ان عامة العرب يكرهون تحريك العين فيما كان عينه واواً أو ياء، لانه كان يلزمه الانقلاب الى الألف، فاسكنوا لذلك، فقالوا عورات وجوزات وبيضات. وقرأ الاعمش - بفتح الواو - من {عورات} ووجهه ما حكاه المبرد أن هذيلا يقولون في جمع جوزة وعورة ولوزة: جوزات، وعورات، ولوزات، فيحركون العين فيها، وأنشد بعضهم:

ابو بيضات رائح متأوب رفيق بمسح المنكبين سبوح

فحرك الياء من بيضات، والأجود عند النحويين ما ذكرناه.
هذه الآية متوجهة الى المؤمنين بالله المقرين برسوله، يقول الله لهم: مروا عبيدكم واماءكم أن يستأذنوا عليكم إذا أرادوا الدخول الى مواضع خلواتكم. وقال ابن عباس وابو عبد الرحمن: الآية في النساء والرجال من العبيد. وقال ابن عمر: هي فى الرجال خاصة. وقال الجبائي: الاستئذان واجب على كل بالغ في كل حال، ويجب على الاطفال فى هذه الاوقات الثلاثة بظاهر هذه الآية. وقال قوم: فى ذلك دلالة على انه يجوز أن يؤمر الصبي الذي يعقل، لأنه أمره بالاستئذان. وقال آخرون: ذلك أمر للآباء أن يأخذوا الأولاد بذلك، فظاهر الآية يدل على وجوب الاستئذان ثلاث مرات فى ثلاث أوقات من ساعات الليل والنهار. ثم فسر الاوقات فقال {من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلوة العشاء} الاخرة لأن الغالب على الناس أن يتعروا فى خلواتهم في هذه الاوقات ذكره مجاهد. ثم بين أنه ليس عليكم ولا عليهم جناح فيما بعد ذلك من الاوقات أن يدخلوا عليكم من غير اذن، يعني فى الذين لم يبلغوا الحلم، وهو المراد بقوله {طوافون عليكم بعضكم على بعض} ثم قال: مثل ما بين لكم هذه العورات بين الله لكم الدلالات على الاحكام {والله عليم} بما يصلحكم {حكيم} فيما ذكره وغيره من أفعاله. ثم قال {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} يعني يرتفع من دخوله بغير اذن إذا بلغ، وصار حكمه حكم الرجال فى وجوب الاستئذان على كل حال. ثم قال مثل ما بين لكم هذا بين لكم ادلته {والله عليم حكيم}.
ثم قال {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً} يعني المسنات من النساء اللاتي قعدن عن التزويج، لانه لا يرغب فى تزويجهن. وقيل: هن اللاتي ارتفع حيضهن، وقعدن على ذلك، اللاتي لا يطمعن في النكاح أي لا يطمعع فى جماعهن لكبرهن {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} قيل هو القناع الذي فوق الخمار وهو الجلباب، والرداء الذي يكون فوق الشعار. وفى قراءة أهل البيت (ع) {أن يضعن من ثيابهن} وبه قرأ ابي.
وقوله {غير متبرّجات بزينة} أي لا تقصد بوضع الجلباب اظهار محاسنها، وما ينبغي لها أن تستره. والتبرج إظهار المرأة من محاسنها ما يجب عليها ستره.
ثم اخبر تعالى أن الاستعفاف عن طرح الجلباب خير لهن في دينهن {والله سميع} لاقوالكم {عليم} بما تضمرونه {حليم} عليكم لا يعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم. وانما ذكر القواعد من النساء، لان الشابة يلزمها من التستر اكثر مما يلزم العجوز، ومع ذلك فلا يجوز للعجوز أن تبدي عورة لغير محرم، كالساق والشعر والذراع.