خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً
٤٧
وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً
٤٨
لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً
٤٩
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً
٥٠
-الفرقان

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو "نشراً" بضم النون والشين. وقرأ ابن عامر - بضم النون وسكون الشين - وروى ذلك هارون عن أبي عمرو. وقرأ حمزة والكسائي - بفتح النون وسكون الشين - وقرأ عاصم "بشراً" بالباء وسكون الشين. قال ابو علي النحوي: من ثقل أراد جمع (نشور) مثل رسول ورسل، ومن سكن الشين، فعلى قول من سكن (كتب) في (كتب) و (رسل) فى (رسل). ومن فتح النون جعله مصدراً واقعاً موقع الحال، وتقديره يرسل الرياح حياة أي يحيي بها البلاد الميتة. ومن قرأ بالباء أراد جمع (بشور) أي تبشر بالغيث من قوله { الرياح مبشرات } يعني بالغيث المحيي للبلاد. وقرأ حمزة والكسائي "ليذكروا" خفيفة الذال. الباقون بتشديدها. من شدد الذال أراد (ليتذكروا) فأدغم التاء فى الذال، وهو الأجود لأن التذكير والتذكر والاذكار فى معنى واحد وهو في معنى الاتعاظ، وليس الذكر كذلك. وقد حكى أبو علي ان الذكر يكون بمعنى التذكر، كقوله تعالى { إنها تذكرة فمن شاء ذكره } وقوله { خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه } والاول أكثر. والمعنى ليتفكروا فى قدرة الله، وموضع نعمته بما أحيا بلادهم به من الغيث.
يقول الله تعالى معدداً لنعمه على خلقه منها أنه {جعل لكم الليل لباساً} ومعناه أن ظلمته تلبس كل شخص، وتغشيه حتى تمنع من ادراكه. وانما جعله كذلك للهدوء فيه والراحة من كد الاعمال، مع النوم الذي فيه صلاح البدن. وقوله {والنوم سباتاً} أي جعل نومكم ممتداً طويلا تكثر به راحتكم وهدوؤكم. وقيل: انه اراد جعله قاطعاً للاعمال التي يتصرف فيها. والسبات قطع العمل، ومنه سبت رأسه يسبته سبتاً اذا حلقه، ومنه يوم السبت، وهو يوم ينقطع فيه العمل. قال المبرد: يعني سباتاً سكوتاً يقال: أسبت الرجل إذا اخذته سكتة.
وقوله {وجعل النهار نشوراً} أي للانبساط والتصرف في الحوائج. والنشور الانبساط في تصرف الحي، يقال: نشر الميت إذا حيي وانشره الله فنشر، قال الاعشى:

حتى يقول الله مما رأوا يا عجبا للميت الناشر

ثم قال {وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} وفى الرحمة تجمع الرياح، لانه جمع الجنوب والشمال والصبا. وفي العذاب (ريح) لانها هي الدبور وحدها وهي عقيم، لا تلقح، فكل الرياح لواقح غيرها. والرحمة التي ينزلها من السماء هي الغيث، وذكر انه قد يرسل الرياح لينشىء السحاب. ثم ينزل {من السماء ماء طهوراً} أي طاهراً مطهراً مزيلا للاحداث والنجاسات مع طهارته فى نفسه. وانما نزل هذا الماء {ليحيي به بلدة ميتاً} قد مات بالجدب. قال ابو عبيدة: زعم بعضهم انه اراد إذا لم يكن فيها نبات، فهو بغير (هاء) وإذا كانت حية روحانية فماتت، فهي ميتة. وقال غيره: اراد بالبلدة المكان، فلذلك قال ميتاً بالتذكير، ومعنى نسقيه نجعله سقياً للانعام التي خلقها الله تعالى.
وقوله {وأناسي كثيراً} جمع إنسان جعلت الياء عوضاً من النون، وقد قالوا: (أناسين) نحو بستان وبساتين. ويجوز أن يكون (أنسي) نحو كرسي وكراسي. وقد قالوا: أناسية كثيرة.
ثم قال تعالى {ولقد صرفناه بينهم} قيل: معناه قسمناه بينهم يعني المطر قال ابن عباس: ليس من غمام إلا يمطر، وإنما يصرف من موضع الى موضع. والتصريف تصيير الشيء دائراً فى الجهات. فالمطر يصرف بدوره فى جهات الارض. ثم بين انه صرفه كذلك {ليتذكروا} ويتفكروا، فيستدلوا على سعة مقدور الله وانه لا يستحق العبادة سواه.
ثم اخبر عن حال الكفار، فقال {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} أي جحوداً لهذه النعم التي عددناها وانكارها. ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.