خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً
٦٦
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً
٦٧
وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً
٦٨
يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً
٦٩
إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٧٠
-الفرقان

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي عن أبي بكر {يقتروا} بضم الياء وكسر التاء، وقرأ اهل البصرة وابن كثير بفتح الياء وكسر التاء. الباقون بفتح الياء وضم التاء، وهم أهل الكوفة إلا الكسائي عن أبي بكر. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر "يضاعف... ويخلد" بالرفع فيهما. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابو جعفر ويعقوب "يضعف" بتشديد العين وإسقاط الالف. الباقون "يضاعف" باثبات الألف وتخفيف العين. تقول: قتر يقتر ويقتر - بكسر التاء، وضمها - لغتان. وأقتر إقتاراً لغة.
واختلفوا في (السرف) في النفقة، فقال قوم: كلما أنفق في غير طاعة الله، فهو سرف، لقوله تعالى
{ إن المبذّرين كانوا إخوان الشياطين } }. وقال علي (ع): ليس فى المأكول والمشروب سرف وإن كثر.
وقال قوم: الاسراف فى الحلال فقط، لأن الحرام لا يجوز الانفاق فيه ولو ذرة.
ومن قرأ {يضاعف} فمن المضاعفة. ومن شدد، فمن التضعيف ذهب الى التكثير، والمعنيان متقاربان. ومن - جزم - جعله بدلا من جواب الشرط، لان الشرط قوله {ومن يفعل ذلك} وجزاءه {يلق أثاماً} وعلامة الجزم سقوط الالف من آخره. و {يضاعف} بدل منه و {يخلد} عطف عليه. ومن - رفع - استأنف لان الشرط والجزاء قد تم. وكان يجوز النصب على الظرف - فى مذهب الكوفيين. وباضمار (ان) على مذهب البصريين - ولم يقرأ به احد.
لما اخبر الله تعالى أن عذاب جهنم كان غراماً، بين بأنها {ساءت مستقراً ومقاماً} أي موضع قرار واقامة لما فيها من أنواع العذاب، ونصبها على التمييز.
ثم عاد الى وصف المؤمنين فقال {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا} أي لم يخرجوا عن العدل في الانفاق يقال: فلان مسرف على نفسه إذا أكثر من الحمل على نفسه فى المعصية، فشبه بالمسرف في النفقة {ولم يقتروا} أي لم يقصروا عن العدل في الانفاق، وهو مأخوذ من القترة، وهي الدخان. والاقتار مشبه به فى الامحاق والاضرار. وفيه ثلاث لغات: قتر يقتر، ويقتر، وأقتر إقتاراً. وقال ابو علي الفارسي: من قرأ {يقتروا} بضم التاء أراد لم يقتروا فى إنفاقهم، لان المسرف مشرف على الافتقار، لسرفه، ومن فتح التاء أراد لم يضيقوا فى الانفاق، فيقصروا عن المتوسطين، فمن كان فى هذا الطرف، فهو مذموم، كما أن من جاوز الاقتصاد كان كذلك مذموم. وبين ذلك بقوله {وكان بين ذلك قواماً} أي كان إنفاقهم بين ذلك، لا إسرافاً يدخل فى حد التبذير، ولا تضييقاً يصير به فى حد المانع لما يجب. وقال ابن عباس: الاسراف الانفاق فى معصية الله، قل او كثر، والاقتار منع حق الله من المال. وقال ابراهيم: السرف مجاوزة الحد في النفقة، والاقتار التقصير فيما لا بد منه. والقوام - بفتح القاف - العدل، - وبكسرها - السداد، يقال: هو قوام الأمر وملاكه، ويقال: هي حسنة القوام في اعتدالها، قال الحطيئة:

طافت امامة بالركبان آونة يا حسنها من قوام زان منتقباً

ثم زاد فى وصفهم بأن قال {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} يوجهون عبادتهم اليه {ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق} والنفس المحرمة هي نفس المسلم والمعاهد والمستثنى نفس الحربي، ومن يجب عليه القتل على وجه القود، والارتداد، والزنا مع الاحصان {ولا يزنون} فالزنا هو الفجور بالمرأة فى الفرج.
ثم قال {ومن يفعل ذلك يلق أثاماً} قال قوم: يلقى جزاء الاثام. وقال آخرون: الاثام العقاب، قال بلعا بن قيس الكناني.

جزى الله ابن عروة حيث أمسى عقوقا والعقوق له أثام

أي عقاب، وقال ابن عمر، وقتادة: هو اسم واد فى جهنم، وهو قول مجاهد وعكرمة. وقال اهل الوعيد: ان قوله {ومن يفعل ذلك} راجع الى كل واحد من المعاصي المذكورة. وقال اهل الارجاء انما يرجع الى جميعه، ويجوز - أن يكون راجعاً - الى الكفر وحده، لان الفسوق لا يستحق به العقاب الدائم والا لأدى الى اجتماع الاستحقاقين على وجه الدوام. وذلك خلاف الاجماع، لان الاحباط عندهم باطل، والكلام على ذلك استوفيناه فى كتاب الاصول.
ثم زاد في الوعيد، فقال {ومن يفعل ذلك يلق} جزاء اثامه ويضاعف له العذاب في كثرة الاجزاء لا انه يضاعف استحقاقه، لان الله تعالى لا يعاقب باكثر من المستحق، لأن ذلك ظلم يتعالى الله عن ذلك. وقيل يضاعف عذابه على عذاب الدنيا، وبين تعالى أنه {يخلد} مع ذلك فى النار {مهاناً} مستخفاً به.
ثم استثنى من جملتهم من تاب وندم على معاصيه، وعمل عملا صالحاً، فان الله تعالى {يبدل سيآته حسنات} أي يجعل مكان عقاب سيآته ثواب حسناته قال الشاعر في التبديل:

بدلن بعد خرّه صريعاً وبعد طول النفس الوجيعاً

وقوله تعالى {وكان الله غفوراً رحيماً} أي ساتراً لمعاصي عباده اذا تابوا منها، منعماً عليهم بالثواب والتفضل.