خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٦٠
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ
١٦١
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٦٢
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٦٣
وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٦٤
أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ
١٦٥
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ
١٦٦
قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ
١٦٧
قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ
١٦٨
رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ
١٦٩
فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ
١٧٠
إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ
١٧١
ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ
١٧٢
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ
١٧٣
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٧٤
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٧٥
-الشعراء

التبيان الجامع لعلوم القرآن

حكى الله تعالى عن قوم لوط أنهم كذبوا الرسل الذين بعثهم الله، بترك الاشراك به وإخلاص العبادة له، حين {قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون} الله فتجتنبوا معاصيه والاشراك به، وانه قال لهم {إني لكم رسول أمين} وقد فسرناه. واخباره عن نفسه بأنه رسول أمين مدح له، وذلك جائز في الرسول كما يجوز أن يخبر عن نفسه بأنه رسول الله، وانما جاز أن يخبر بذلك لقيام الدلالة على عصمته من القبائح. وغيره لا يجوز أن يخبر بذلك عن نفسه لجواز الخطأ عليه.
واخبر ايضاً انه قال لهم {فاتقوا الله} واجتنبوا معاصيه {وأطيعون} فيما أمركم به وأدعوكم اليه ولست اسألكم على ما اؤديه اليكم وأدعوكم اليه، أجراً، ولا ثواباً، لانه ليس أجري إلا على الله الذي خلق العالمين، وانما حكى الله تعالى دعوة الانبياء بصغية واحدة، ولفظ واحد إشعاراً بأن الحق الذي يأتي به الرسل، ويدعون اليه واحد من اتقاء الله تعالى وإجتناب معاصيه واخلاص عبادته، وطاعة رسله، وأن أنبياء الله لا يكونون إلا أمناء لله، وانه لا يجوز على واحد منهم أن يأخذ الأجر على رسالته، لما في ذلك من التنفير عن قبول قولهم، والمصير اليه إلى تصديقهم. ثم قال لهم منكراً عليهم {أتأتون الذكران من العالمين}؟! يعني من جملة الخلائق {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} أي وتتركون ما خلقه لكم من الازواج والنساء، وتذرون استغني في ماضيه بـ (ترك) ولا يستعمل إلا في ضرورة الشعر. والزوجة المرأة التي وقع عليها العقد بالنكاح الصحيح، يقال: زوجة وزوج، قال الله تعالى
{ اسكن انت وزوجك الجنة } }. ثم قال لهم منكراً عليهم {بل أنتم قوم عادون} أي خارجون عن الحق بعيدون عنه. والعادي والظالم والجائر نظائر، والعادي من العدوان. وقد يكون من العدو، وهو الاسراع في السعي، فقال له قومه في جوابه {لئن لم تنته} وترجع عما تقوله {يا لوط} وتدعونا اليه وتنهانا عنه {لتكونن من المخرجين} أي نخرجك من بيننا وعن بلدنا. فقال لهم لوط عند ذلك {إني لعملكم من القالين} يعني من المبغضين: قلاه يقليه إذا أبغضه.
ثم دعا لوط ربه فقال {رب نجني وأهلي مما يعملون} أي من عاقبة ما يعملونه، وهو العذاب النازل لهم فأجاب الله دعاءه وقال {فنجيناه وأهله أجمعين} يعني من العذاب الذي وقع بهم. وقد يجوز أن يكون أراد النجاة من نفس عملهم، بأن يفعل لهم من اللطف ما يجتنبون مثل افعالهم، وتكون النجاة من العذاب النازل بهم تبعاً لذلك. واستثنى من جملة أهله الذين نجاهم {عجوزاً} فانه أهلكها. وقيل: انها كانت امرأة لوط تدل قومه على اضيافه {في الغابرين} يعني الباقين. فيمن هلك من قوم لوط، لانه قيل: هلكت هي فيما بعد مع من خرج عن القرية بما أمطر الله عليهم من الحجارة. وقيل أهلكو بالخسف، وقيل بالائتفاك وهو الانقلاب. ثم أمطر على من كان غائباً منهم عن القرية من السماء حجارة قال الشاعر في الغابر:

فما ونا محمد مذ أن غفر له الاله ما مضى وما غبر

وقال الشاعر:

لا تكسع الشول باغبارها انك لا تدري من الناتج

فأغبارها بقية لبنها في اخلافها، والغابر الباقي في قلة، كالتراب الذي يذهب بالكنس، ويبقى غباره: غبر يغبر، فهو غابر، وغبر الجص بقيته. وغبر من الغبار تغبيراً، وتغبر تغبراً. والعجوز المرأة التي قد أعجزها الكبر عن أمور كثيرة، ومثله الكبيرة والمسنة.
وقوله {ثم دمرنا الآخرين} فالتدمير هو الاهلاك بأهوال الأمور، دمره تدميراً، ومثله تبره تتبيراً، ودمر عليه يدمر دمراً إذا هجم عليه بالمكروه والدامر الهالك.
وقوله {وأمطرنا عليهم مطراً} فالامطار الاتيان بالقطر العام من السماء، وشبه به امطار الحجارة. والاهلاك بالامطار عقاب اتي الذكران من العالمين {فساء مطر المنذرين} سماه (سوء) وإن كان حسناً، لانه كان فيه هلاك القوم ثم قال {إن في ذلك لآية} أي دلالة {وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} وقد فسرناه.