خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ
٥٦
وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٥٧
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ
٥٨
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ
٥٩
وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٦٠
-القصص

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ اهل المدينة ورويس {يجبى} بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابو عمرو إلا السوسي {يعقلون} بالياء.
يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله {إنك} يا محمد {لا تهدي من أحببت} هدايته. وقيل: معناه من احببته لقرابته. والمراد بالهداية - ها هنا - اللطف الذي يحتاج اليه ليختار عنده الايمان، وذلك لا يقدر عليه غير الله لانه إما أن يكون من فعله خاصة أو باعلامه، لأنه لا يعلم، ما يصلح العبد في دينه إلا الله تعالى، فاذا دبر الامور على ما فيه صلاحه كان لاطفاً له، وهذا التدبير لا يتأتى من أحد سوى الله تعالى، فلذلك نفى الله ذلك عن نبيه، ويؤيد ما قلناه قوله {وهو أعلم بالمهتدين} ومعناه هو أعلم بمن يهتدي باللطف ممن لا يهتدي، فهو تعالى يدبر الأمور على ما يعلم من صلاح العباد، على التفصيل من غير تعليم.
وهذه الآية نزلت لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يحرص على إيمان قومه ويؤثر أن يؤمنوا كلهم، ويجب أن ينقادوا له ويقروا بنبوته، وخاصة أقاربه. فقال الله تعالى له: إنك لا تقدر على ذلك، وليس في مقدورك ما تلطف بهم في الايمان ذلك بل في مقدور الله يفعله بمن يشاء إذا علم أنهم يهتدون عند شيء فعله بهم فلا ينفع حرصك على ذلك. وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي طالب. وعن ابي عبد الله وابي جعفر إن أبا طالب كان مسلماً وعليه اجماع الامامية، لا يختلفون فيه، ولهم على ذلك أدلة قاطعة موجبة للعلم ليس هذا موضع ذكرها.
ثم قال تعالى حاكياً عن الكفار انهم قالوا: إن نتبع محمداً وما يدعونا اليه ونقول انه هدى وموصل إلى الحق {نتخطف من أرضنا} وقيل: انها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف، فانه قال للنبي صلى الله عليه وآله انا لنعلم أن قولك حق ولكن يمنعنا أن نتبع الذي معك، ونؤمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا يعني مكة، ولا طاقة لنا بالعرب فقال الله تعالى {أو لم نمكن لهم حرماً آمنا} فالتخطف اخذ الشيء على الاستلاب من كل وجه: تخطف تخطفاً واختطف اختطافاً وخطفه يخطفه خطفاً قال امرؤ القيس:

نخطف خزان الشربة بالضحى وقد حجرت منها ثعالب أورال

فقال الله تعالى لهم {أولم نمكن لهم حرماً آمنا} وقيل في وجه جعله الحرم آمناً وجهان:
احدهما - بما طبع النفوس عليه من السكون إليه بترك النفور مما ينفر عنه في غيره كالغزال مع الكلب، والحمام مع الناس وغيرهم.
والوجه الآخر - بما حكم به على العباد وأمرهم أن يؤمنوا من يدخله ويلوذ به، ولا يتعرض له، وفائدة الآية إنا جعلنا الحرم آمنا لحرمة البيت مع أنهم كفار يعبدون الأصنام حتى أمنوا على نفوسهم وأموالهم، فلو آمنوا لكان أحرى بأن يؤمنهم الله، وأولى بأن يمكنهم من مراداتهم.
وقوله {يجبى إليه ثمرات كل شيء} أي يجلب إلى هذا الذي جعلناه حرماً ثمرات كل شيء.
فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الثمرات. ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث غير حقيقي.
وقوله {رزقاً من لدنا} نصب على المصدر، وتقديره رزقاً رزقناه من عندنا {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ما أنعمنا به عليهم. ثم قال {وكم أهلكنا من قرية} اي من أهل قرية استحقوا العقاب {بطرت معيشتها} قال الفراء: معناه أبطرتها معيشتها، كقولهم ابطرك مالك، فذكرت المعيشة، لان الفعل كان لها في الأصل فحول إلى ما أضيفت اليه فنصبت كما قال
{ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً } فالبطر والاشر واحد، وهو شق العصا بتضييع حق نعم الله، والطغيان فيها بجحدها، والكفر بها.
ثم اخبر تعالى فقال {فتلك مساكنهم} يعني مساكن الذين أهلكهم الله {لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} من الزمان. ثم هلكوا وورث الله تعالى مساكنهم لانه لم يبق منهم احد. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال {وما كان ربك} يا محمد {مهلك القرى، حتى يبعث في أمها رسولا} وقيل في معنى {أمها} قولان:
احدهما - في أم القرى، وهي مكة.
والآخر في معظم القرى في سائر الدنيا {يتلو عليهم آياتنا} اي يقرأ عليهم حجج الله وبيناته {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} لنفوسهم بارتكاب المعاصي، وكفران نعمه.
ثم خاطب خلقه فقال {وما أوتيتم من شيء} اي ما اعطيتم من شيء {فمتاع الحياة الدنيا} اي هو شيء تنتفعون به في الحياة الدنيا، وتتزينون فيها {وما عند الله} من الثواب ونعيم الجنة {خير وأبقى} من هذه النعم، لانها باقية، وهذه فانية {أفلا تعقلون} ذلك وتتفكرون فيه.
وقوله {ثمرات كل شيء} قيل: ان (كل) ها هنا البعض، لانا نعلم انه ليس يجبى إلى مكة كثير من الثمرات. وقال قوم: ظاهر ذلك يقتضى انه يجبى اليه جميع الثمرات إما رطباً او يابساً، ولا مانع يمنع منه.
ومن قرأ {تعقلون} بالتاء فلقوله {وما أوتيتم} ومن قرأ بالياء فتقديره {أفلا يعقلون} يا محمد.