خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
١٦
إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
١٧
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ
١٨
أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ
١٩
قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٠
-العنكبوت

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {أولم تروا} بالتاء. الباقون بالياء. وقرأ ابن كثير وابو عمرو {النشاءة} بفتح الشين ممدودة - هنا - وفي النجم، والواقعة. الباقون - بسكون الشين مقصوراً - ومن قرأ بالتاء، فعلى الخطاب تقديره: قل لهم يا محمد {أولم تروا} حين انكروا البعث والنشور {أولم تروا كيف يبدئ الله الخلق} أي إذا انكرتم الاعادة كان الابتداء أولى بالنكرة. وحيث أقروا بان الله خالقهم ابتداء فيلزمهم أن يقروا بالاعادة ثانياً. ومن قرأ بالياء، فعلى الاخبار عنهم {ويبدئ} فيه لغتان اتى بهما القرآن بدأ الله الخلق، وأبدأهم، قال الله تعالى {وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده} فمصدر أبدأ يبدؤ إبداءاً، فهو مبدئ. ومن قرأ (بدأ) يبدؤ بدءاً، فهو بادئ، وذاك مبدوء، ويقال: رجع عوده على بدئه بالهمز، وبدا يبدو، بغير همز: ظهر. وقال ابو عمرو (غلام تغلب): يجوز رجع عوده على بده - بغيره همز - بمعنى الظهور كقولهم: ما عدا مما بدا. والنشاءة والنشأة بالمد والقصر، لغتان. كقولهم: رأفة ورآفة، وكأبة وكآبة وهما مصدران. فالنشأة المرة الواحدة، يقال: نشأ الغلام، فهو ناشئ، وامرأة ناشئة، والجمع نواشئ، ويقال للجواري الصغار نشأ قال نصيب:

ولولا ان يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشأ الصغار

وانشأهم الله إنشاء، فهو منشئ، ونشت - بغير همز - ريحاً طيبة، ورجل نشوان من الشراب. ورجل نشيان للخير إذا كان يتخير الخير، حكاه تغلب.
قوله {وإبراهيم إذ قال} يحتمل نصبه أمرين:
احدهما - ان يكون عطفاً على قوله {وأرسلنا نوحاً إلى قومه} وتقديره وأرسلنا إبراهيم أيضاً.
الثاني - بتقدير واذكر {إبراهيم} حين {قال لقومه اعبدوا الله} وحده لا شريك له، واتقوا عقابه باتقاء معاصيه {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} ما هو خير لكم مما هو شر لكم.
وقوله {إنما تعبدون من دون الله أوثاناً} حكاية عما قال ابراهيم لقومه كأنه قال لهم ليس تعبدون من دون الله إلا اوثاناً، وهو جمع وثن، وهو ما يعبد من دون الله. وقيل: ما يعمل من حجر وطين يسمى وثناً. و (ما) في قوله {إنما} كافة، وليست بمعنى الذي، لأنها لو كانت بمعنى الذي، لكان (اوثان) رفعاً.
وقوله {وتخلقون إفكاً} أي تعملون أصناماً، وسماها إفكاً لادعائهم انها آلهة - وهو قول قتادة، والجبائي - وقال ابن عباس: وتصنعون كذباً، وتحقيقه يصنعون على ما يقدرون، ثم قال لهم ابراهيم أيضاً {إن الذين تعبدون من دون الله} يعني الاصنام {لا يملكون لكم رزقاً} أي لا يقدرون على أن يرزقوكم، وإنما يبتغى الرزق من القادر على المنع، وهو الله الرازق. والملك قدرة القادر على ماله أن يتصرف فيه أتمّ التصرف، وليس ذلك إلا لله - عز وجل - على الحقيقة لأن له التصرف والقدرة على جميع الاشياء بلا مانع، والانسان إنما يملك ما يملكه الله، ويأذن له في التصرف فيه. فأصل الملك لجميع الأشياء لله. ومن لا يملك أن يرزق غيره لا يستحق العبادة، لأن العبادة تجب بأعلى مراتب النعمة. والأصنام لا تقدر على ذلك، فاذاً لا يحسن عبادتها.
ثم قال لهم {وابتغوا عند الله الرزق} أي اطلبوا الرزق من عند الله دون من سواه {واعبدوه} على ما انعم به عليكم من أصول النعم، وأعلى مراتب الفضل {واشكروا له} ايضاً، لأنكم اليه ترجعون يوم القيامة فيجازيكم على قدر اعمالكم. فمن عبده وشكره جازاه بالثواب. ومن عبد غيره وكفر نعمه جازاه بالعقاب. ويقال: شكرته وشكرت له يؤكد باللام. فمعنى الشكر له اختصاصه بنفسه من غير احتمال لغيره. ثم قال {وإن تكذبوا} بما اخبركم به من عند الله، وما أدعوكم اليه من اخلاص عبادته {فقد كذب أمم من قبلكم} انبياءهم الذين بعثوا فيهم وليس {على الرسول إلا البلاغ المبين} يعني الا أن يوصل اليهم ويؤدي اليهم ما أمر به لكونه بياناً ظاهراً يمكنهم معرفته وفهمه، وليس عليه حملهم على الايمان.
ثم قال {أولم يروا كيف يبدؤا الله الخلق} اي ألم يفكروا فيعلموا كيف اخترع الله الخلق من العدم {ثم يعيده} ثانياً اذا اعدمهم بعد وجودهم. قال قتادة: معنى {ثم يعيده} بالبعث بعد الموت. وقيل ينشئه بالاحياء {ثم يعيده} بالرد إلى حال الموت. والأول أصح {إن ذلك على الله يسير} غير متعذر، لأن من قدر على الاختراع والانشاء أولا كان على الاعادة اقدر. ومعنى {يسير} لا تعب عليه فيه ولا نصب، وكل فعل كان كذلك، فهو سهل يسير. والاحتجاج في ذلك أن من قدر على ذلك قادر على ارسال الرسول إلى العباد.
ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله {قل} لهؤلاء الكفار {سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الخلق} وفكروا في آثار من كان قبلكم، وإلى اي شيء صار امرهم لتعتبروا بذلك فيما يؤديكم إلى العلم بربكم.
وقوله {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} فالنشأة الآخرة اعادة الخلق كرة ثانية من غير سبب كما كان اول مرة، لان معنى الانشاء الايجاد من غير سبب {إن الله على كل شيء قدير} اخبار منه تعالى انه قادر على كل شئ يصح ان يكون مقدوراً له.