خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
١٠٦
-آل عمران

التبيان الجامع لعلوم القرآن

الاعراب:
العامل في قوله: {يوم} قوله {عظيم} وتقديره عظيم عذابهم يوم تبيض وجوه. ولا يجوز أن يكون العامل فيه عذاب موصول، قد فصلت صفته بينه، وبين معموله، لكن يجوز أن تعمل فيه الجملة، لانها في معنى يعذبون يوم تبيض وجوه، كما تقول المال لزيد يوم الجمعة فالعامل الفعل والجملة خلف منه.
المعنى:
والمعني بهذه الآية الذين كفروا بعد إيمانهم. وقيل فيهم أربعة أقوال:
أحدها - قال الحسن: الذين كفروا بعد اظهار الايمان بالنفاق.
الثاني - قال قتادة الذين كفروا بالارتداد.
الثالث - قال أبي بن كعب: إنهم جميع الكفار، لاعراضهم عما يوجبه الاقرار بالتوحيد حين أشهدهم الله على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا.
الرابع - ذكره الزجاج وأبو علي الجبائي. الذين كفروا من أهل الكتاب بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد إيمانهم به أي بنعته وصفته قبل مبعثه، وهذا الوجه، والوجه الأول يليق بمذهبنا في الموافاة، فأما الارتداد عن الايمان الحقيقي، فلا يجوز عندنا على ما مضى في غير موضع.
فان قيل إذا كان {الذين اسودت وجوههم} كفاراً {والذين ابيضت وجوههم} مؤمنين هلاَّ دل ذلك على أنه لا واسطة بين الكفر، والايمان من الفسق؟ قلنا: لا يجب ذلك، لأن ذكر اسوداد الوجوه وابيضاضها لا يمنع أن يكون هناك وجوه أخر مغبرة أو نحوها من الألوان أو يكون أدخلوا في جملة الكفار الذين اسودت وجوههم على التغليب لاعظم الصفتين كما يغلب المذكر على المؤنث، وليس ذكر اليوم بأنه تسود فيه وجوه وتبيض وجوه بمانع من أن يكون فيه وجوه عليها الغبرة، كما أن القائل إذا قال هذا يوم يعفو فيه السلطان عن قوم ويعاقب فيه قوماً لا يدل على أنه ليس هناك من لا يستحق واحداً من الأمرين على أن الآية تدل على أن {الذين اسودت وجوههم} هم المرتدون، لأنه قال {أكفرتم بعد إيمانكم} وليس كل الكفار هذه صورتهم، جاز لنا إثبات فاسقين مثل ذلك، وليس قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} يجري مجرى قوله:
{ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً } لأن ذاك إنما ذكر على وجه المثل، كأنه قال حال الذي يبشر بالانثى بمنزلة حالة من اسود وجهه، لما حدث فيه من التغير: وإن لم يسود في الحقيقة. وعرفنا عن ذلك دليل، وليس في هذه الآية ما يدلنا على العدول عن ظاهرها.
وجواب أما في قوله: {فأما الذين اسودت} محذوف وتقديره {فأما الذين اسودت وجوههم} فيقال لهم {أكفرتم بعد إيمانكم} فحذف لدلالة اسوداد الوجوه على حال التوبيخ حتى كأنه ناطق به، وقد يحذف القول في مواضع كثيرة استغناء بما قبله من البيان، كقوله:
{ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا } أي يقولون ربنا لدلالة تنكيس الرأس من المجرم على سؤال الاقالة. وقيل في قوله تعالى { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا } معناه يقول {ربنا تقبل منا} ومثله { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } أي يقولون { سلام عليكم} ونظائر ذلك كثيرة جداً.