خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
١٥٤
-آل عمران

التبيان الجامع لعلوم القرآن

القراءة والمعنى والحجة والاعراب والقصة:
قرأ حمزة، والكسائي: تغشى بالتاء الباقون بالياء. فمن قرأ بالتذكير أراد النعاس، ومن أنث أراد الامنة، ومثله
{ ألم يك نطفة من مني يمنى } { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي } بالتاء، والياء. وقرأ أبوعمرو، وحده {إن الأمر كله} بالرفع. الباقون بالنصب، ووجه الرفع أنه على الابتداء، كما قال: { وكل أتوه داخرين } ويكون (لله) خبره، لأنه لما وقع الأمر في الجواب اُديت صورته في الاسم ثم جاءت الفائدة في الخبر، ولأنه نقيض بعض، فكما يجوز الرفع في (بعض) يجوز في (كل) نحو إن الأمر بعضه لزيد. والنصب على أنه تأكيد للامر {وامنة} منصوب، لأنه مفعول به، ونعاساً بدلا منه، والنعاس هو الامنة.
وهذه الأمنة التي ذكرها الله في هذه الآية نزلت يوم أحد في قول عبد الرحمن ابن عوف وأبي طلحة، والزبير بن العوام، وقتادة، والربيع، وكان السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع، فكانوا تحت الجحف متهيئين للقتال فأنزل الله تعالى الأمنة على المؤمنين، فناموا دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم أو يغيروا على المدينة لسوء الظن، فطير عنهم النوم على ما ذكره ابن اسحاق وابن زيد، وقتادة، والربيع. وقوله: {يغشى طائفة منكم} يعني النعاس يغشى المؤمنين {وطائفة قد أهمتهم} القراء على الرفع. والواو واو الحال كأنه قال: يغشى النعاس طائفة في حال ما أهمت طائفة منهم أنفسهم. ورفعه بالابتداء، والخبر يظنون، ويصلح أن يكون الخبر {قد أهمتهم أنفسهم} والجملة في موضع الحال. ولا يجوز النصب على أن يجعل واو العطف كما تقول ضربت زيداً وعمراً كلمته. والتقدير وأهمت طائفة أهمتهم أنفسهم.
المعنى:
وقوله: {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} قيل في معناه قولان:
أحدهما - قال الحسن أخرجنا كرهاً، ولو كان الأمر إلينا ما خرجنا. وذلك من قبل عبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير على قول الزبير بن العوام، وابن جريج.
والآخر - أي ليس لنا من الظفر شيء كما وعدنا على وجه التكذيب بذلك {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} أي من الشك، والنفاق، وتكذيب الوعد بالاستعلاء على أهل الشرك ذكره الجبائي. وقوله: {وليبتلي الله ما في صدوركم} يحتمل أمرين:
أحدهما - ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر لكم مظاهرة في العدل عليكم وإخراج مخرج كلام المختبر لهذه العلة، لأنه تعالى عالم بالاشياء قبل كونها، فلا يبتلي ليستفيد علماً.
والثاني - ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم إلا أنه اضيف الابتلاء إلى الله عز وجل تفخيما لشأنه. وقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} يحتمل أمرين: أحدهما - لوتحلتفتم لخرج منكم الذين كتب عليهم القتل ولم يكن لينجيه قعودكم - عن أبي علي -.
الثاني - لوتخلفتم لخرج المؤمنون، ولم يتخلفوا بتخلفكم ذكره البلخي، ولا يوجب ذلك أن يكون المشركون غير قادرين على ترك القتال من حيث علم الله منهم ذلك، وكتبه، لأنه كما علم أنهم لا يختارون ذلك بسوء اختيارهم علم انهم قادرون. ولو وجب ذلك لوجب أن لا يكون تعالى قادرا على ما علم أنه لا يفعله وذلك كفر بالله.