خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١
مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٢
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
٣
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ
٥
-فاطر

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ حمزة والكسائي {هل من خالق غير الله} جراً على أنه صفة لـ {خالق} الباقون - بالرفع - على تقدير هل من خالق هو غير الله، ويجوز ان يكون التقدير: هل غير الله من خالق، ويجوز أن يكون رفعاً على موضع {من} وتقديره هل خالق غير الله.
يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله قل يا محمد {الحمد لله} أي الشكر له على جميع نعمه {فاطر السماوات والأرض} أي خالقهما ومخترعهما. والفطر الشق عن الشيء باظهاره للحس، ومعنى فطر السموات والارض أي خلقهما وأظهرهما للحس بعد ان لم تكونا ظاهرتين، وروي عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أدري ما معنى فطر السموات حتى احتكم إلي اعرابيان في بئر، فقال أحدهما أنا فطرتها، أي اخترعتها وابتدأتها. ومن كان خالق السموات والأرض لا يفعل إلا ما يستحق به الشكر والحمد، لأنه غني حكيم، فلا يعدل عما يستحق به الحمد إلى ما لا يستحق به ذلك.
وقوله {جاعل الملائكة رسلاً} أي جعل الملائكة رسلا بعضهم إلى بعض وبعضهم إلى البشر. ثم ذكر اوصافهم وهو أنهم {أولي اجنحة} أي اصحاب اجنحة {مثنى وثلاث ورباع....} أي اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة واربعة اربعة، فهذه الألفاط معدولة عن الاثنين والثلاث والاربع، مع انها صفات فلذلك ترك صرفها قال الشاعر:

ولكنما اهلي بواد أنيسه ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد

وإنما جعلهم أولي أجنحة، ليتمكنوا بها من العروج إلى السماء ومن النزول إلى الارض، قال قتادة: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة، ثم قال {يزيد في الخلق ما يشاء} قيل حسن الصوت وقيل من الأجنحة من حيث خلق للملائكة زيادة عما خلق لسائر الخلق من البشر والامم. فان قيل: الطائر لا يحتاج إلى اكثر من جناحين فما معنى خلق الملائكة أولي ثلاث واربع؟ قيل: يجوز أن يكون كل جناح بعلوه باثنين، ويجوز أن يكون للزينة الزائدة، وقد يكون للسمكة أجنحة في ظهرها. ثم بين {أن الله على كل شيء قدير} أي لا شيء إلا وهو تعالى قادر عليه بعينه او قادر على مثله.
ثم قال تعالى {ما يفتح الله للناس من رحمة} معنى (ما) الذي وتقديره الذي يفتح الله للناس من نعمة ورحمة {فلا ممسك لها وما يمسك} من نعمة على خلقه {فلا مرسل له من بعده} أي من بعد الله {وهو العزيز} يعني القادر الذي لا يقهر {الحكيم} في جميع افعاله، إن انعم وإن امسك، لأنه عالم بمصالح خلقه لا يفعل إلا ما لهم فيه مصلحة في دينهم او دنياهم.
ثم خاطب المؤمنين فقال {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم} بأن خلقكم وأوجدكم وأحياكم وأقدركم وشهاكم، وخلق لكم المنافع التي تنتفعون بها {هل من خالق غير الله} تقريراً لهم على انه لا خالق غير الله في السموات والأرض {يرزقكم من السماء} بالمطر ومن {الأرض} بالنبات {لا إله إلا هو} أي لا معبود يستحق العبادة سواه تعالى {فأنى تؤفكون} أي كيف تقلبون عن طريق الحق إلى الضلال. وانما قال {هل من خالق غير الله} وإن كان احدنا يخلق الشيء لأن هذه الصفة لا تطلق إلا عليه تعالى، فاما غيره فانها تقيد له. وايضاً فقد فسر ما أراد وهو أنه هل من خالق رازق للخلق من السموات والأرض غير الله أي لا خالق على هذه الصفة إلا هو. هذا صحيح لأنه لا احد يقدر على ان يرزق غيره من السماء والأرض بالمطر والنبات وأنواع الثمار.
ثم قال تعالى تعزية للنبي صلى الله عليه وآله وتسلية له عن تكذيب قومه إياه {وإن يكذبوك} يا محمد هؤلاء الكفار {فقد كذبت رسل من قبلك} أرسلهم الله فكذبوهم ولم يقبلوا منهم فلك اسوة بمن كان قبلك {وإلى الله ترجع الأمور} يعني ترد الأمور إلى حيث لا يملك التصرف فيها مطلقاً غير الله يوم القيامة.
ثم خاطب الخلق فقال {يا أيها الناس إن وعد الله حق} يعني ما وعدهم به من البعث والنشور والجنة والنار صحيح كائن لا محالة {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} فتغترون بملاذها وزينتها وتتركون ما امركم الله به وترتكبون ما نهاكم عنه {ولا يغرنكم بالله الغرور} فالغرور هو الذي عادته ان يغر غيره، والدنيا وزينتها بهذه الصفة، لأن الخلق يغترون بها، وقال الحسن الغرور الشيطان الذى هو إبليس، وهو قول مجاهد. والرزق يطلق على وجهين:
احدهما - ان الله جعله يصلح للغذاء يتغذى به الحيوان وللملبس يلبسونه فالعباد من هذا الوجه لا يأكلون ولا ينتفعون إلا بما جعله الله رزقاً لهم.
والثاني - انه ملكه الله وحكم انه له فهم يتظالمون من هذا الوجه.