خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ
٣١
وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
٣٢
وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
٣٣
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ
٣٤
لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ
٣٥
-يس

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة {لما} بتشديد الميم، الباقون بتخفيفها. وقرأ اهل المدينة {الميتة} بالتشديد، لأنه يقال: لما كان حياً ومات ميت بالتشديد، ولما لم يكن حياً بالتخفيف - ذكره الفراء - وقرأ اهل الكوفة إلا حفصاً {وما عملت} بغير هاء. الباقون بالهاء. من قرأ {لما} بالتخفيف فانه يكون (ما) في قوله {لما} صلة مؤكدة، وتكون {إن} هي المخففة من الثقيلة وتقديره، وإن كل لجميع لدينا محضرون، ومن قرأ بالتشديد يحتمل شيئين:
احدهما - ان يكون بمعنى (إلا) وتقديره وان كل إلا لجميع لدينا محضرون وتكون {إن} بمعنى الجحد، وكأنه جحد دخل على جحد، فخرج إلى معنى الاثبات. ومثله في الاستعمال سألتك لما فعلت، بمعنى الا فعلت.
والوجه الثاني - أن يكون معنى {لما} بمعنى (لمن ما) فحذفت احدى الميمات، لاجل التضعيف كما قال الشاعر:

غداة طفت علماء بكر بن وائل وعجنا صدور الخيل نحو تميم

اراد على الماء، فحذف لالتقاء المضاعف، وأما (ما) في قوله {وما عملت أيديهم} يحتمل ثلاثة اوجه:
احدها - ان يكون بمعنى الجحد وتقديره ليأكلوا من ثمره، ولم تعمله أيديهم، ويقوى ذلك قوله
{ أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } }. والثاني - ان يكون بمعنى الذي.
والثالث - ان يكون مع ما بعده بمعنى المصدر، فعلى هذا يكون في موضع جر، وتقديره ليأكلوا من ثمره ومن الذي عملته او من عمل ايديهم من انواع الطعوم الذي أنبتوه، والذى غرسوه، ومن الذي يطحنونه ويخبزونه، فمن أثبت الهاء او حذفها تبع المصاحف، لان المصاحف مختلفة. والهاء عائدة على (ما) و (عملت) صلتها. ومن حذف اختصر، لأنها للمفعول به، وكل مفعول يجوز حذفه، كقوله
{ ما ودعك ربك وما قلى } يريد وما قلاك ومثله { منهم من كلم الله } يريد كلمه الله، وكقوله { أهذا الذى بعث الله رسولا } يريد بعثه الله.
يقول الله تعالى منبهاً للكفار على وجه الاستدلال على وحدانيته بأن يقول {ألم يروا} ومعناه ألم يعلم هؤلاء الكفار {كم أهلكنا قبلهم من القرون} فمعنى {كم} ها هنا للتكثير، ويفسرها {من القرون} وتقديره ألم يروا كم قرناً أهلكنا قبلهم من القرون، وموضع {كم} نصب بـ {يروا} - في قول الكوفيين، وعند البصريين بـ {أهلكنا} على تقدير القرون اهلكنا او اكثر {أنهم إليهم لا يرجعون} ونصب {أنهم} لأنه مفعول {ألم يروا} وكسره الحسن على وجه الاستئناف، ووجه الاحتجاج بذلك هو انه قيل لهم: انظروا لم لا يرجعون فانكم تجدون ذلك في قبضة مالكهم يردهم في الآخرة إذا شاء ردهم، لأنه لا يخلو إهلاكهم اما بالاتفاق من غير اضافة او بالطبيعة او بحي قادر، ولو كان بالاتفاق او بالطبيعة لم يمتنع ان يرجعوا إلى الدنيا، فاذا بطل ذلك، ثبت أن إهلاكهم بحي قادر إذا شاء ردهم وإذا شاء لم يردهم. ووجه التذكر بكثرة المهلكين أى انكم ستصيرون إلى مثل حالهم، فانظروا لانفسكم واحذروا أن يأتيكم الاهلاك، وانتم في غفلة عما يراد بكم.
والقرون جمع (قرن) وأهل كل عصر يسمى قرناً، لاقترانهم في الوجود والقرن - بكسر القاف - هو المقاوم في الحرب، ومنه قرن الشاة لمقارنته القرن الآخر، وكذلك كل ذى قرنين. وقال قتادة {أنهم إليهم لا يرجعون} عاد وثمود، وقرون بين ذلك كثيرة. ثم قال وهؤلاء الذين لا يرجعون كلهم {لدينا محضرون} يوم القيامة يحضرهم الله ويبعثهم ليجازيهم على اعمالهم.
وقوله {وآية لهم} على ذلك أي دلالة وحجة قاطعة {الأرض} يعني هي الأرض {الميتة} القحطة المجدبة وهي التي لا تنبت {أحييناها} بالنبات {واخرجنا منها حباً فمنه يأكلون} من انواع ما يأكلون {وجعلنا فيها} أي وخلقنا في الارض {جنات} يعني بساتين {من نخيل} جمع نخل {وأعناب} جمع عنب {وفجرنا فيها} في تلك الجنات {من العيون} وهي عيون الماء تنبع فيها وتجري ثم بين انه إنما خلق ذلك {ليأكلوا من ثمره} أي غرضنا نفعهم بذلك وانتفاعهم بأكل ثمار تلك الجنات {وما عملته أيديهم} أي ولم تعمل تلك الثمار ايديهم إذا (ما) كانت بمعنى النفي، وإذا كانت معناها معنى الذي يكون تقديره، والذي عملته ايديهم من انواع الاشياء المتخذة من النخل والعنب وكثرة منافعه. وقوله {من ثمره} رد الكناية إلى احدهما كما قال
{ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله } كما قال الشاعر:

نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف

وقوله {أفلا تشكرون} معناه هلا تشكرونه على هذه النعم التي عددتها.