خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ
٥٦
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ
٥٧
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٥٨
بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ
٥٩
وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ
٦٠
-الزمر

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابو جعفر من طريق ابن العلاف "يا حسرتاي" بياء ساكنة بعد الألف. وفتح الياء النهرواني عن أبي جعفر. الباقون بلا ياء.
لما امر الله تعالى باتباع طاعاته والانتهاء عن معاصيه تحذيراً من نزول العذاب بهم بغتة وهم لا يعلمون، بين الغرض بذلك وهو لئلا تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله، وحذف (لا) كما حذف من قوله
{ يبين الله لكم أن تضلوا } وقال الزجاج: معناه كراهية أن تقول نفس، ومثله قوله { وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم } في قول الفراء. وعلى قول الزجاج: كراهية ان تميد بكم، والنفس نفس الانسان. والفرق بين النفس والروح أن النفس من النفاسة، والروح من الريح. وأنفس ما في الحيوان نفسه، وهي جسم رقيق روحاني من الريح، ونفس الشيء هو الشيء بعينه. والتفريط إهمال ما يجب ان يتقدم فيه حتى يفوت وقته، ومثله التقصير، وضده الأخذ بالحزم، يقال: فلان حازم وفلان مفرط.
وقوله {في جنب الله} معناه فرطت في طاعة الله او في أمر الله إلا أنه ذكر الجنب كما يقال: هذا صغير في جنب ذلك الماضي في أمره، وفي جهته، فاذا ذكر هذا دلّ على الاختصاص به من وجه قريب من معنى جنبه. وقال مجاهد والسدي: معنى {في جنب الله} أي في أمر الله. والألف في قوله {يا حسرتى} منقلبة عن (ياء) الاضافة. ويفعل ذلك في الاستفهام والاستغاثة بمدّ الصوت. والتحسر الاغتمام على ما فات وقته لانحساره عنه بما لا يمكنه إستدراكه، ومثله التأسف.
وقوله {وإن كنت لمن الساخرين} قال قتادة والسدي: معناه المستهزئين بالنبي والكتاب الذي معه. وقيل: معناه كنت ممن يسخر بمن يدعوني إلى الايمان، ومعناه وما كنت إلا من جملة الساخرين إعترافاً منهم على نفوسهم.
وقوله تعالى {أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين} معناه فعلنا ذلك لئلا يقول: لو أراد الله هدايتي لكنت من المتقين لمعاصيه خوفاً من عقابه {أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} ومعناه إنا فعلنا ذلك لئلا يتمنوا إذا نزل بهم البلاء والعذاب يوم القيامة لو أن لي رجعة إلى دار الدنيا لكنت ممن يفعل الطاعات.
ونصب {فأكون} على انه جواب (لو) ويجوز أن يكون نصباً باضمار (ان) بمعنى لو أن لي كرة فان اكون.
وفي ذلك دليل على بطلان مذهب المجبرة في أن الكافر لا يقدر على الايمان لأنه لو كان إذا رد لا يقدر إلا على الكفر لم يكن لتمنيه معنى.
ثم قال تعالى منكراً عليهم {بلى قد جاءتك آياتي} أي حججي ودلالاتي {فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين} الجاحدين لنعمي عليك. وإنما خاطب بالتذكير والنفس مؤنثة لأنه أراد يا إنسان.
ثم اخبر تعالى عن حال الكفار في الآخرة، فقال {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} جزاء على كفرهم. ثم قال {أليس في جهنم مثوى} أي موضع إقامة {للمتكبرين} الذين تكبروا عن طاعة الله وعصوا أوامره.