خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ
٤٦
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ
٤٧
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ
٤٨
لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ
٤٩
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ
٥٠
-فصلت

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ اهل المدينة وابن عامر وحفص {ثمرات} على الجمع. الباقون "ثمرة" على التوحيد من قرأ على الجمع فلاختلاف أجناس الثمار، ولانه فى المصاحف مكتوباً بتاء ممدودة. ومن وحده قال: الثمرة تفيد الجمع والتوحيد فلا يحتاج إلى الجمع، لأنه في مصحف عبد الله مكتوب بالهاء، و "الاكمام" جمع (كم) في قول الفراء، و (كمة) فى قول ابي عبيدة. وهي الكفرى. قال ابن خالويه: يجوز أن يكون (الاكمام) جمع (كم) و (كم) جمع كمة، فيكون جمع الجمع.
يقول الله تعالى {من عمل صالحاً} أي فعل افعلا هي طاعة {فلنفسه} لان ثوابه واصل اليه، وهو المنتفع به دون غيره {ومن أساء} يعني فعالا فعلا قبيحاً، من الاساءة إلى غيره او غيرها {فعليها} أي فعلى نفسه لأن وبال ذلك وعقابه يلحقه دون غيره.
ثم قال تعالى على وجه النفي عن نفسه ما لا يليق به من فعل القبيح والتمدح به {وما ربك} أي وليس ربك {بظلام للعبيد} وإنما قال (بظلام) على وجه المبالغة فى نفي الظلم عن نفسه مع انه لا يفعل مثقال ذرة لأمرين:
احدهما - انه لو فعل فاعل الظلم، وهو غير محتاج اليه مع علمه بقبحه وبأنه غني لكان ظلاماً، وما هو تعالى بهذه الفصة لأنه غني عالم.
الثاني - إنه على طريق الجواب لمن زعم انه يفعل ظلم العباد. فقال: ما هو بهذه الصفة التي يتوهمها الجهال، فيأخذ احداً بذنب غيره، والظلام هو الفاعل لما هو من افحش الظلم. والظالم من فعل الظلم، وظالم صفة ذم، وكذلك قولنا فاعل الظلم هما سواء، وكذلك آثم فاعل الاثم، وسيء فاعل الاساءة.
وقوله {إليه يرد علم الساعة} معناه اليه يرد علم الساعة التي يقع فيها الجزاء للمطيع والعاصي فاحذروها قبل ان تأتي، كما يرد اليه علم إخراج الثمار وما يكون من الاولاد والنتاج، فذاك غائب عنكم وهذا مشاهد لكم، وقد دل عليه ولزم، وكل من سئل متى قيام الساعة؟ وجب أن يقول: الله تعالى العالم به حتى يكون قد ردّه إلى الله {وما يخرج من ثمرة من أكمامها} معناه وعنده علم ذلك. وآكمام الثمرة وعائها الذي تكون فيه. وقيل: الآكمام جمع كمة، وهو الطرف المحيط بالشيء. وقال الحسن: الآكمام - ها هنا - ليف النخيل. وقيل: من أكمامها معناه خروج الطلع من قشره {وما تحمل من أنثى وما تضع إلا بعلمه} أي وعنده تعالى علم ما تحمله كل انثى من حمل ذكراً كان او انثى ولا تضع الانثى إلا بعلمه أي إلا في الوقت الذي علمه انه تضع فيه.
وقوله {ويوم يناديهم أين شركائي} أي ويوم يناديهم مناد اين شركاء الله الذين كنتم تعبدونهم من دون الله {قالوا أذناك ما منا من شهيد} معناه إنهم يقولون اعلمناك ما منا من شهيد لمكانهم. ثم بين ذلك فقال {وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص} قال السدي: معناه ايقنوا وقال ابن عباس أذناك معناه أعلمناك. وقيل المنادي هو الله تعالى، وقال السدي: ما منا من شهيد ان لك شريكاً. وقيل: معناه أذناك اقررنا لك ما منا من شهيد بشريك له معك. وقيل قوله أذناك من قول المعبودين ما منا من شهيد لهم بما قالوا: وقيل هذا: من قول العابدين ما منا من شهيد بأنهم آلهة. وقال آخرون: يجوز ان يكون العابدون والمعبودون يقولون ذلك.
وقوله {وظنوا ما لهم من محيص} أي ايقنوا ليس لهم من مخلص. ودخل الظن على (ما) التي للنفي كما تدخل (علمته) على لام الابتداء، وكلاهما له صدر الكلام.
وقوله {لا يسأم الإنسان من دعاء الخير} أي لا يمل الانسان من طلب المال وصحة الجسم - وهو قول ابن زيد - وقال بعضهم: معناه لا يمل الانسان من الخير الذي يصيبه {وإن مسه الشر} أي إن ناله بذهاب مال او سقم في جسمه {فيؤس قنوط} أي يقنط من رحمة الله وييأس من روحه، ففي ذلك إخبار عن سرعة تحمل الانسان وتنقله من حال إلى حال. ثم قال تعالى {ولئن أذقناه رحمة منا} يعني لئن أذقنا الانسان نعمة وأنلناه إياها {من بعد ضراء مسته} أي من بعد شدة لحقته {ليقولن هذا لي} قال مجاهد: يقول أنا حقيق بهذا الفعل {وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} أي لو قامت لكان لي الحسني يعني الجنة. فقال الله تعالى على وجه التهديد لمن هذه صفته {فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ} أي فلنجزين الكفار بعد ان نعلمهم ما عملوه من كفرهم ومعاصيهم ثم نجازيهم عليها بأن نذيقهم من عذاب غليظ قدر ما يستحقونه.