خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

حـمۤ
١
تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ
٢
إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ
٣
وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٤
وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٥
-الجاثية

التبيان الجامع لعلوم القرآن

خمس آيات في الكوفي واربع في الباقي، عد الكوفيون {حم} ولم يعده الباقون.
قرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {لآيات} بالكسر فى الثلاث مواضع. الباقون بالرفع فى الثاني. والثالث. من خفض التاء فعلى أنه في موضع نصب رداً على (إن) وإنما كسرت التاء، لانها تاء جمع التأنيث. وقال المبرد: هذا بعد الواو لانه عطف على عاملين على "إن" و "في" بحرف الواو، لانه يكون عطف "وإختلاف" على (في) وعطف على (إن) بهذه الواو وحدها، فأما "آيات" الثانية فأجاز عطفها على الاولى، لان معها (فى) وتقديره إن فى خلقكم. قال ابن خالويه ليس ذلك لحناً، لان من رفع أيضاً فقد عطف على عاملين، فيكون عطف جملة على جملة ويحتمل ان يكون عطف على موضع (إن) لان موضعها الرفع، والاخفش كان يجيز العطف على عاملين، فيقول مررت بزيد فى الدار والحجرة عمرو، ويحتج بقول الشاعر:

اكل امرىء تحسبين امرأ ونار تأجج للحرب ناراً

عطف على ما عملت فيه (كل) وما عملت فيه (تحسبين) وأجود من العطف على عاملين أن يجعل (آيات) الثانية بدلا من الأول، فيكون غير عاطف على عاملين، وتقديره إن فى السموات والأرض لآيات للمؤمنين لآيات، كما تقول: ضربت زيداً زيداً، فلا يحتاج إلى حرف العطف، ومن رفع آيات الثانية حملها على الابتداء والخبر، وجعل الثالثة تكرير الثانية بالرفع، قال الزجاج: لأنه يرفع (آيات) عطفاً على ما قبلها، كما خفض (وإختلاف) عطفاً على ما قبلها. وقال ابو علي: وجه قراءة الكسائي أنه لم يحمل على موضع (إن) كما حمله من رفع (آيات) فى الموضعين أو قطعه واستأنف، لكنه حمله على لفظ (إن) دون موضعها، فحمل (آيات) في الموضعين على نصب (إن) في قوله {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين} ويكون على تقدير إن، وإن كانت محذوفة من اللفظ ويجعلها فى حكم المثبت فيه، لان ذكره قد تقدم فى قوله {إن في السماوات} وقوله {وفي خلقكم} فلما تقدم الجار في هذين الموضعين قدر فى الاثبات فى اللفظ، وإن كان محذوفاً منه كما قدر سيبويه فى قوله:

اكل امرىء تحسبن امرءاً [ونار تأجج للجر ناراً]

وقيل (كل) في حكم الملفوظ به واستغني عن إظهاره بتقدم ذكره، وكذلك فعلت العرب فى الجار ألا ترى أنهم لم يجيزوا (من تمرر أمرر) واجازوا (بمن تمرر أمرر) و (على أيهم تنزل انزل) فحذف الجار حسن لتقدم ذكر الجار، وعلى هذا قول الشاعر:

ان الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوماً على من يتكل

لما ذكر (على) و (إن) كانت زائدة - فى قول سيبويه - حسن حذف الجار من الصلة، ولو لم تذكر لم يجزه. وحكي فى بعض القراءات عن أبي إنه قرأ فى المواضع الثلاث {لآيات في خلقكم وما يبث من دابة لآيات} وكذلك الآخر فدخول اللام يدل على أن الكلام محمول على (إن) وإذا كان محمولا عليها حسن النصب على قراءة حمزة والكسائي وصار كل موضع من ذلك كأن (إن) مذكورة فيه بدلالة دخول اللام، لأن هذه اللام إنما تدخل على خبر (إن) أو اسمها، وحكي أن أبياً قرأ {لآيات} بالرفع مع إدخال اللام عليها، وهذا لا يجيزه اكثر النحويين كالكسائي وغيره، كما لا يجوز في الدار لزيد، واجازه الفراء وانشد لحميد بن ثور:

إن الخلافة بعدهم لذميمة وخلائف طرف لمما أحقر

وحكى الفراء أنه يقول العرب (إن) لي عليك مالا وعلى أبيك مال بالرفع والنصب، وحكى ابو علي: إنه يجوز أن يعمل الثاني على التأكيد للاول وكذلك في الثالث، ولا يكون عطفاً على عاملين، كما قال بعض شيوخنا في قوله { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له } حمل الثاني على أنه تأكيد للاول.
قد ذكرنا في ما تقدم ان (حم) اسم للسورة، وانه أجود الأقوال. قال الرماني: وفي تسمية السورة بـ (حم) دلالة على ان هذا القرآن المعجز كله من حروف المعجم، لأنه سمي به ليدل عليه بأوصافه، ومن اوصافه انه مفصل قد فصلت كل سورة من اختها. ومن اوصافه أنه هدى ونور، فكأنه قيل: هذا اسمه الدال عليه بأوصافه. ثم وصف تعالى الكتاب بأنه تنزيل من الله في مواضع من السور لاستفتاحه بتعظيم شأنه على تصريف القول بما يقتضي ذلك فيه من أضافته إلى الله تعالى من اكرم الوجوه وأجلها وما يتفق الوصف فيه يقتضى انه كالأول في علو المنزلة وجلالته عند الله وإذا أفاد هذا المعنى باقتضائه له لم يكن تكريراً، ويقول القائل: اللهم اغفر لي اللهم ارحمني اللهم عافني اللهم اوسع عليّ في رزقي فيأتى بما يؤذن أن تعظيمه لربه منعقد بكل ما يدعو به.
وقوله {من الله} يدل على ان ابتداءه منه تعالى {العزيز} ومعناه القادر الذي لا يغالب {الحكيم} معناه العالم. وقد يكون بمعنى أن أفعاله حكمة وصواب
ثم أخبر تعالى ان في السموات والارض لآيات للمؤمنين الذين يصدقون بالله ويقرون بتوحيده وصدق انبيائه وإنما اضاف الآيات إلى المؤمنين وإن كانت ادلة للكافرين ايضاً، لأن المؤمنين انتفعوا بها دون غيرهم من الكفار. والآيات هي الدلالات والحجج. وفي السموات والارض دلالات على الحق من وجوه كثيرة، منها أنه يدل بخلقها على ان لها خالقاً، وانه قادر لا يعجزه شيء وانه مخالف لها، فلا يشبهها وعلى انه عالم بما فيها من الاتقان والانتظام. وفي استحالة تعلق القدرة بها دلالة على ان صانعها قديم غير محدث وبوقوفها مع عظمها وثقل اجرامها بغير عمد ولا سند يدل على أن القادر عليها قادر على الاتيان بما لا يتناهى ولا يشبه احد من القادرين وانه خارج عن حد الطبيعة.
ثم بين تعالى ان في خلقنا آيات، والوجه في الدلالة في خلقنا ضروب كثيرة: منها خلق النفس على ما هو به من وضع كل شيء موضعه لما يصلح له. وفي ذلك دلالة على أن صانعه عالم لأنه فعل الحواس الخمس على البنية التي تصلح له مما يختص كل واحد منها بادراك شيء بعينه، لا يشركه فيه الآخر، لان العين لا تصلح إلا لادراك المبصرات وكذلك الفم يصلح للذوق، والأنف للشم، والبشرة للمس، وكل شيء من ذلك يختص بما لا يشركه فيه الآخر وفى ذلك أوضح دلالة على ان صانعها عالم بها، وأنه لا يشبهه شيء، ولو لم يكن إلا خلق العقل الذي يهدي إلى كل أمر، ويتميز به العاقل من كل حيوان، ولا يشبهه شيء في جلالته وعظم منزلته لكان فيه كفاية على جلالة صانعه وعظم خالقه. وقيل: معنى اختلاف الليل والنهار تعاقبهما. وقيل: زيادتهما ونقصانهما، وإنزال الماء من السماء من الغيث والمطر واحياء الأرض بالنبات بعد الجدب والقحط فيثبت الله بذلك رزق الحيوان.
وقوله {وبث فيها من كل دابة} أي فرق فيها من جميع الحيوان بأن خلقها وأوجدها، وتصريف الرياح بأن يجعلها تارة جنوباً وتارة شمالا ومرة دبوراً ومرة صباً - في قول الحسن - وقال قتادة: يجعلها رحمة مرة وعذاباً أخرى. وقال الحسن: كثافة السماء مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء إلى سماء فتق مسيرة خمسمائة عام وبين كل أرضين فتق مسيرة خمسمائة عام، وكثافة الأرض مسيرة خمسمائة عام.