خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ
٢١
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ
٢٢
أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ
٢٣
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ
٢٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ
٢٥
-محمد

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابو عمرو {وأملي لهم} على ما لم يسم فاعله. الباقون {وأملى لهم} بمعنى الشيطان أملى لهم ويجوز أن يريد ان الله أملى لهم كما قال { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم } وقرأ يعقوب مثل أبي عمرو إلا انه أسكن الياء بمعنى الاخبار عن الله عن نفسه وابو عمرو جعله لما لم يسم فاعله. وقرأ رويس {توليتم} بضم التاء والواو وكسر اللام. الباقون بفتحهما. وقوله {طاعة وقول معروف} قيل فى معناه قولان:
احدهما - قولوا أمرنا طاعة وقول معروف. قال مجاهد أمر الله بذلك المنافقين. وقيل هو حكاية عنهم أنهم يقولون {طاعة وقول معروف} مثل فرض الجهاد. لأنه يقتضيه قوله {فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم}.
الثاني - طاعة وقول معروف أمثل أي اولى بالحق من أقوال هؤلاء المنافقين وقيل: طاعة وقول معروف خير لهم من جزعهم عند نزول فرض الجهاد - ذكره الحسن - والطاعة موافقه الارادة الداعية إلى الفعل بطريق الترغيب فيه. والقول المعروف هو القول الحسن، وسمي بذلك لأنه معروف صحته، وكذلك الأمر بالمعروف أي المعروف أنه حق. والباطل منكر، لأنه تنكر صحته، فعلى هذا المعنى وقع الاعتراف والانكار.
وقوله {فإذا عزم الأمر} معناه إذا انعقد الأمر بالارادة انه يفعله فاذا عقد على انه يفعل قيل عزم الأمر على طريق البلاغة. وقيل معنى عزم أي جدّ الأمر {فلو صدقوا الله} يعني فى ما أمرهم به من القتال وامتثلوا أمره {لكان خيراً لهم} لأنهم كانوا يصلون إلى نعيم الأبد.
ثم خاطبهم فقال {فهل عسيتم} يا معشر المنافقين أن توليتم. وقيل في معناه قولان:
احدهما - {إن توليتم} الاحكام وجعلتم ولاة {أن تفسدوا} فى الارض بأخذ الرشا. وقيل أن اعرضتم عن كتاب الله ان تعودوا إلى ما كنتم من أمر الجاهلية أن يقتل بعضكم بعضاً كما كنتم تفعلونه.
والثاني - ان توليتم الأمر أن يقطع بعضكم رحم بعض، ويقتل بعضكم بعضاً كما قتلت قريش بني هاشم، وقتل بعضهم بعضاً. وقيل المعنى ان اعرضتم عن كتاب الله والعمل بما فيه من وجوب القتال {أن تفسدوا في الأرض} بان تعملوا فيها بالمعاصي {وتقطعوا أرحامكم} فلا تصلونها، فان الله تعالى يعاقبكم عليه بعذاب الأبد ويلعنكم.
ثم قال {أولئك الذين لعنهم الله} أي أبعدهم الله عن رحمته {فأصمهم وأعمى أبصارهم} أي سماهم عمياً وصماً، وحكم عليهم بذلك، لانهم بمنزلة الصم والعمي من حيث لم يهتدوا إلى الحق ولا أبصروا الرشد، ولم يرد الاصمام فى الجارحة والاعماء في العين، لانهم كانوا بخلافه صحيحي العين صحيحي السمع. ثم قال موبخاً لهم {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} معناه أفلا يتدبرون القرآن بأن يتفكروا فيه ويعتبروا به أم على قلوبهم قفل يمنعهم من ذلك تنبيهاً لهم على ان الأمر بخلافه. وليس عليها ما يمنع من التدبر والتفكر والتدبر فى النظر فى موجب الأمر وعاقبته، وعلى هذا دعاهم إلى تدّبر القرآن.
وفى ذلك حجة على بطلان قول من يقول لا يجوز تفسير شيء. من ظاهر القرآن إلا بخبر وسمع.
وفيه تنبيه على بطلان قول الجهال من اصحاب الحديث انه ينبغي ان يروى الحديث على ما جاء وإن كان مختلا فى المعنى، لأن الله تعالى دعا إلى التدبر والفقه وذلك مناف للتاجل والتعامي.
ثم قال {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} أي رجعوا عن الحق والايمان {من بعد ما تبين لهم الهدى} أي ظهر لهم الطريق الواضح المفضي إلى الجنة. وليس فى ذلك ما يدل على ان المؤمن على الحقيقة يجوز ان يرتد، لأنه لا يمتنع ان يكون المراد من رجع عن إظهار الايمان بعد وضوح الأمر فيه وقيام الحجة بصحته. ثم قال {الشيطان سوّل لهم} أي زين لهم ذلك. وقيل: معناه أعطاهم سؤلهم من خطاياهم {وأملى لهم} أي أمهلهم الشيطان، وأملى لهم بالاطماع والاغترار. وقيل: المعنى واملى الله لهم أي اخرهم فاغتروا بذلك. ومن قرأ - على ما لم يسم فاعله - احتمل الامرين ايضاً.
وقيل الآية نزلت فى اليهود، لأنهم عرفوا صفات النبي صلى الله عليه وآله فى التوراة فلما جاءهم كفروا به. وقيل نزلت فى المنافقين حين صدوا عن القتال معه من بعد ما علموا وجوبه فى القرآن،