خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣
-المائدة

التبيان الجامع لعلوم القرآن

[اللغة]:
بين الله (تعالى) في هذا الآية ما استثناه في قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} فهذا مما تلاه علينا فقال مخاطباً للمكلفين: {حرمت عليكم الميتة} وأصله الميتة مشدد غير انه خفف، ولو قرئ على الاصل كان جائزاً إلا انه لم يقرأ به احد ها هنا إلا أبا جعفر المدني يقال: ميت بمعنى واحد. وقال بعضهم الميت لما لم يمت والميت لما قد مات وهذا ليس بشيء لان ميت يصلح لما قد مات، ولما سيموت. قال الله (تعالى): {إنك ميت وإنهم ميتون} وقال الشاعر في الجمع بين اللغتين:

ليس من مات فاستراح بميت انما الميت ميت الاحياء

فجعل الميت مخففاً من الميت وقال بعضهم: الميتة كلما له نفسٌ سائلة من دواب البر، وطيره مما اباح الله اكلها أهليها ووحشيها فارقتها روحها بغير تذكية. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه سمى الجراد والسمك ميتاً فقال: " ميتتان مباحان: الجراد، والسمك" .
وقوله: {والدم} تقديره، وحرم عليكم الدم. وقيل: إنهم كانوا يجعلون في المباعر يشوونها وياكلونها، فاعلم الله تعالى ان الدم المسفوح أي المصبوب حرام، فاما المتلطخ باللحم، فهو كاللحم، وما كان منه كاللحم مثل الكبد فهو مباح. وأما الطحال، فهو محرم عندنا. وقد روي كراهته عن "علي عليه السلام، وابن مسعود واصحابهما" وعند جميع الفقهاء أنه مباح. وانما شرطنا في الدم المحرم ما كان مسفوحا، لانه (تعالى) بين ذلك في آية اخرى فقال: {أو دماً مسفوحاً}.
وقوله: {ولحم الخنزير} معناه وحرم عليكم لحم الخنزير اهليه وبريه، فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج العموم. والمراد بهما الخصوص. ولحم الخنزير على ظاهره في العموم. وكذلك كل ما كان من الخنزير حرام كلحمه من الشحم والجلد، وغير ذلك وقوله: {وما أهل لغير الله به} موضع ما رفع وتقديره وحرم عليكم ما اُهلّ لغير الله به. ومعنى اُهلّ لغير الله به ما ذبح للاصنام والأوثان أي ذكر اسم غير الله عليه، لان الاهلال رفع الصوت بالشيء. ومنه استهلال الصبي وهو صياحه إذا سقط من بطن امه. ومنه إهلال المحرم بالحج أو العمرة: إذا لبّى به. قال ابن احمر:

يهل بالفرقد ركباننا كما يهل الراكب المعتمر

فما تقرب به من الذبح لغير الله او ذكر عليه غير اسمه حرام، وكل ما حرم اكله مما عددناه يحرم بيعه وملكه، والتصرف فيه.
والخنزير يقع على الذكر والانثى. وفي الاية دلالة على ان ذبائح من خالف الاسلام، لا يجوز اكله، لانهم يذكرون عليه اسم غير الله لانهم يعنون بذلك من ابد شرع موسى، أو اتخذ عيسى ابناً، وكذب محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) وذلك غير الله، فيجب أن لا يجوز أكل ذبيحته. فاما من اظهر الاسلام، ودان بالتجسيم، والصورة وقال بالجبر والتشبيه أو خالف الحق، فعندنا لا يجوز اكل ذبيحته. فاما الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وموارثته، فانه يجري عليه، لان هذه الأحكام تابعة في الشرع لاظهار الشهادتين. واما مناكحته فلا تجوز عندنا. وقال البلخي حاكياً عن قوم: إنه لا يجوز أجراء شيء من ذلك عليهم. وحكى عن آخرين أنه يجري جميع ذلك عليهم، لانها تجري على من اظهر الشهادتين دون المؤمنين على الحقيقة، وكذلك أجريت على المجانين، والاطفال. فاما التسمية على الذبيحة، فعندنا واجبة من تركها متعمداً، لا يجوز اكل ذبيحته، وان تركها ناسياً، لم يكن به بأس. وكذلك إن ترك استقبال القبلة متعمداً لم يحل أكل ذبيحته، وان تركه ناسياً، لم يحرم... وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف.
والمنخنقة قال السدي: هي التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق وتموت. وقال الضحاك: هي التي تخنق وتموت. وقال قتادة: هي التي تموت في خناقها. وقال ابن عباس: هي التي تختنق، فتموت. وحكي عن قتادة ان أهل الجاهلية كانوا يخنقونها، ثم يأكلونها. والاولى حمل الآية على عمومها في جميع ذلك وهي التي تختنق حتى تموت، سواء كان في وثاقها أو بادخال رأسها في موضع لا تقدر على التخلص أو غير ذلك، لان الله (تعالى) وصفها بأنها المنخنقة، ولو كان الامر على ما حكي عن قتادة، لقال: "والمخنوقة".
وقوله: {والموقوذة} يعني التي تضرب حتى تموت: يقال: وقذتها أقذها وقذاً وأوقذها يوقذها إيقاذاً: إذا اثخنتها ضرباً. قال الفرزدق:

شفارة تقذ الفصيل برجلها فطارة لقوادم الابكار

وهو قول ابن عباس، وقتادة والضحاك والسدي:
وقوله: {والمتردية} يعني التي تقع من جبل، أو تقع في بئر أو من مكان عالٍ، فتموت. وهو قول ابن عباس. وقتادة والسدي، والضحاك ومتى وقع في بئر ولا يقدر على موضع ذكاته، جاز أن يطعن ويضرب بالسكين في غير المذبح حتى يبرد، ثم يؤكل. وقوله: {والنطيحة} يعني التي تنطح أو تنطح، فتموت والنطيحة بمعنى المنطوحة، فنقل من مفعول الي فعيل، فان قيل: كيف تثبت فيها الهاء، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول مثل لحية دهين، وعين كحيل وكف خضيب، بلا هاء، التأنيث في شيء من ذلك؟ قيل: اختلف في ذلك فقال: بعض البصريين اثبت فيها الهاء أعني في النطيحة، لانها جعلت كالاسم، مثل الطويلة والظريفة فوجه. هذا تأويل النطيحة الي معنى الناطحة. ويكون المعنى حرمت عليكم الناطحة التي تموت من نطاحها. وقال بعض الكوفيين: إنما يحذف الهاء من فعيلة بمعنى مفعولة إذا كانت صفة لاسم قد تقدمها، مثل كف خضيب، وعين كحيل، فاما إذا حذف الكف والعين والاسم الذي يكون فقيل نعتاً له واجتزوا بفعيل أثبتوا فيه هاء التأنيث، ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة للمؤنث دون المذكر فيقول: راينا كحيلة وخضيبة واكيلة السبع، فلذلك دخلت الهاء في النطيحة، لانها صفة المؤنث. والقول بأن النطيحة بمعنى المنطوحة هو قول اكثر المفسرين: ابن عباس، وابو ميسرة والضحاك، والسدي وقتادة، لانهم اجمعوا على تحريم الناطحة والمنطوحة إذا ماتاً.
وقوله: {وما أكل السبع} موضع (ما) رفع وتقديره وحرم عليكم ما اكل السبع بمعنى ما قتله السبع. وهو قول ابن عباس، والضحاك وقتادة، وهو فريسة السبع.
وقوله: {إلا ما ذكيتم} معناه إلا ما ادركتم ذكاته، فذكيتموه من هذه الاشياء التي وصفها. وموضع (ما) نصب بالاستثناء. واختلفوا في الاستثناء إلى ماذا يرجع فقال قوم: يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره من قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع} الا ما لا يقبل الذكاة من الخنزير والدم. وهو الاقوى. ذهب اليه علي (عليه السلام) وابن عباس قال: وهو أن تدركه تتحرك أذنه او ذنبه، أو تطرف عينه. وهو المروى عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) وبه قال الحسن وقتادة وإبراهيم وطاووس، وعبيد بن عمير والضحاك، وابن زيد وقال اخرون: هو استثناء من التحريم، لا من المحرمات، لان الميتة لا ذكاة لها، ولا الخنزير قالوا: والمعنى حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما ذكر إلا ما ذكيتم مما احله الله لكم بالتذكية، فانه حلال لكم. ذهب اليه مالك وجماعة من أهل المدينة، والجبائي وسئل مالك من الشاة يخرق جوفها السبع حتى يخرج أمعاءها فقال لا أرى ان تذكى ولا يؤكل أي شيء يذكى منها. وقال كثير من الفقهاء إنه يراعي أن يلحق فيه حياة مستقرة، فيذكى ويجوز أن يؤكل وما يعلم أنه لا حياة فيه مستقرة، فلا يجوز بحال. واختار الطبري الأقل. وقال: كل ما أدرك ذكاته مما ذكر من طير أو بهيمة قبل خروج نفسه ومفارقة روحه جسده، فحلال اكله إذا كان مما أحله الله لعباده واختار البلخي، والجبائي الاول، فان قيل: فما وجه تكرير قوله: {وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة} وجميع ما عدد تحريمه في هذه الآية وقد افتتح الآية بقوله: {حرمت عليكم الميتة} والميتة تعم جميع ذلك وان اختلفت أسباب موته من خنق أو ترد أو نطح أو اهلال لغير الله به أو اكيل سبع. وانما يكون لذلك معنى على قول من يقول: إنها، وان كانت فيها حياة إذا كانت غير مستقرة، فلا يجوز أكلها. قيل: الفائدة في ذلك ان الذين خوطبوا بذلك لم يكونوا يعدون الميت إلا ما مات حتف انفه من دون شيء من هذه الاسباب، فاعلمهم الله ان حكم الجميع واحد، وان وجه الاستباحة هو التذكية المشروعة. وقال السدي إن ناساً من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك، ولا يعدونه ميتاً. انما يعدون الميت الذي يموت من الوجع.
والتذكية: هو فري الاوداج والحلقوم إذا كانت فيه حياة، ولا يكون بحكم الميت. واصل الذكاء في اللغة تمام الشي فمن ذلك الذكاء في السن، والفهم وهو تمام السن. قال الخليل: الذكاء أن تأتي في السن على قروحه، وهو سن في ذات الحافر، هي البزولة في ذات الخف، وهي الصلوغه في ذات الظلف. وذلك تمام استكمال القوة. قال الشاعر:

يفضله اذا اجتهدا عليها تمام السن منه والذكاء

وقيل جرى المذكيات غلاب اي جرى المسار التي قد أسنت ومعنى تمام السن النهاية في الشباب، فاذا نقص عن ذك أو زاد، فلا يقال له الذكاء. والذكاء في الفهم أن يكون فهما تاماً سريع القبول وذكيت النار إنما هو من هذا تأويله أتممت اشعالها فالمعنى على هذا ما ذكيتم أي ما ادركتم ذبحه على التمام.
وقوله: {وما ذبح على النصب} فالنصب: الحجارة التي كانوا يعبدونها وهي الاوثان. واحدها نصب، ويجوز أن يكون واحداً، وجمعه أنصاب. (وما) موضعه رفع عطفاً على ما تقدم. وتقديره وحرم عليكم ما ذبح على النصب. وبه قال مجاهدو ابن جريج، وقتادة. وقال ابن جريج: النصب ليست اصناما الصنم يصور وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجراً. ومنهم من يقول ثلثمائة منها لخزاعه، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت، وشرحوا اللحم، وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم فنحن أحق أن نعظمه، فانزل الله {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها... الاية} وقوله: {وإن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق} موضع (ان) رفع. وتقديره. وحرم عليكم الاستقسام بالازلام. وواحد الأزلام زلم وزلم قال الراجز:

بات يراعيها غلام كالزلم

وهي سهام كانت للجاهلية مكتوب على بعضها أمرني ربي، وعلى بعضها نهاني ربي، فاذا أرادوا سفراً أو أمراً يهتم به. ضربوا تلك القداح فان خرج السهم الذي عليه أمرني ربي، مضى لحاجته وإن خرج الذي عليه نهاني ربي، لم يمض، وإن خرج ما ليس عليه شيء أعادوها فبين الله (تعالى) أن ذلك حرام العمل به.
والاستقسام الاستفعال من قسمت أمري أي قلبته ودبرته قال الراعي:

وتركت قومي يقسمون امورهم اليك أم يتلبثون قليلا

وقيل: معناه طلب قسم الأرزاق بالقداح التي كانوا يتفاءلون بها في اسفارهم وابتداءات أمورهم قال الشاعر يفتخر بقوة عزيمته وانه لا يلتفت إلى ذلك.

أولم اقسم فترثبني القسوم

وبه قال ابن عباس، وقتادة وسعيد بن جبير، ومجاهد والسدي قال مجاهد: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم كانوا يتقامرون بها.
وقوله: {ذلكم فسق} معنى هذه الاشياء التي ذكرها فسق يعني خروج من طاعة الله إلى معصيتة وهو قول ابن عباس، وأصله من فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها. قال الزجاج: ولو كان بعض هذه المرفوعات نصباً بتقدير وحرم الله الدم ولحم الخنزير، لكان جائزاً إلا انه لم يقرأ به احد والقراءة متبعة، لا يجوز خلاف ما قرئ به.
وقوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} نصب اليوم على الظرف. والعامل فيه يئس ذو والفسق اليوم. وليس يراد به يوماً بعينه ومعناه الآن يئس الذين كفروا من دينكم، كما يقول القائل: أنا اليوم قد كبرت، وهذا لا يصلح إلى اليوم يريد الآن.
وبئس على وزن فعل ييأس على وزن يفعل - بفتح العين، وروي بكسرها - وقيل: يئس على وزن لعب بكسر اللام، والعين - وذكر يأيس.
والمعنى ان الله قد حول الخوف الذي كان يلحقكم منكم اليهم، ويئسوا من بطلان الاسلام، وجاءكم ما كنتم توعدون به من قوله، ليظهره على الدين كله. والدين اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه وأمرهم بالقيام به. ومعنى يئس انقطع طمعهم من دينكم أن تتركوه، وترجعوا منه إلى الشرك. وبه قال ابن عباس والسدي وعطا. وقيل: إن اليوم الذي ذكر هو يوم عرفة من حجة الوداع بعد دخول العرب كلها في الاسلام. ذهب اليه مجاهد، وابن جريج وابن زيد. وقيل: يوم جمعة، لما نظر النبي (صلى الله عليه وآله) فلم ير الا مسلماً موحداً، أو لم ير مشركا.
وقوله {فلا تخشوهم} هذا خطاب للمؤمين نهاهم الله ان يخشوا ويخافوا من الكفار أن يظهروا على دين الاسلام، ويقهروا المسلمين ويردوهم عن دينهم، ولكن اخشوني وخافوني إن خالفتم امري وارتكبتم معصيتي ان احل بكم عقابي وأنزل عليكم عذابي وهو قول ابن جريج، وغيره.
وقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} في تأويله ثلاثة اقوال:
احدها - قال ابن عباس، والسدي واكثر المفسرين إن معناه أكملت لكم فرائضي وحدودي وأمري ونهيي وحلالي وحرامي بتنزيلي ما انزلت، وتبياني ما بينت لكم، فلا زيادة في ذلك، ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم. وكان ذلك اليوم عام حجة الوداع قالوا: ولم ينزل بعد هذا على النبي (صلى الله عليه وسلم) شيء من الفرائض في تحليل شيء، ولا تحريمة وأنه (عليه السلام) مضى بعد ذلك بأحدى وثمانين ليلة. وهو اختيار الجبائي والبلخي، فان قيل: أكان دين الله ناقصاً في حال حتى أتمه ذلك اليوم؟ قيل: لم يكن دين الله ناقصاً في حال، ولا كان إلا كاملا، لكن لما كان معرضاً للنسخ، والزيادة فيه. وذلك يجري مجرى وصف العشرة بانها كاملة العدد، ولا يلزم أن توصف بانها ناقصة، لما كان عدد المئة اكثر منها، واكمل. فكذلك ما قلناه. وقال الحكم وسعيد بن جبير وقتادة معناه أكملت لكم حجكم وأفردتكم بالبلد الحرام تحجون دون المشركين، ولا يخالطكم مشرك وهو الذي اختاره الطبري قال لان الله قد انزل بعد ذلك قوله: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وقال الفراء هي آخر آية نزلت. وهذا الذي ذكره لو صح لكان ترجيحاً لكن فيه خلاف. وقال الزجاج: معنى اكملت لكم الدين كفيتكم خوف عدوكم وأظهرتكم عليهم، كما تقول: الآن كمل لنا الملك. وكمل لنا ما نريد أي كفينا ما كنا نخافه. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أن الآية نزلت بعد أن نصب النبي (صلى الله عليه وسلم) علياً علماً للامة يوم غد يرخم منصرفه عن حجة الوداع، فانزل الله يومئذ {اليوم أكملت لكم دينكم}.
وقوله: {وأتممت عليكم نعمتي} خاطب الله (تعالى) جميع المؤمنين بأنه أتم نعمته عليهم باظهارهم على عدوهم المشركين، ونفيهم إياهم عن بلادهم، وقطعه طمعهم من رجوع المؤمنين، وعودهم إلى ملة الكفر، وانفراد المؤمنين بالحج والبلد الحرام. و: قال ابن عباس وقتادة والشعبي.
وقوله: {ورضيت لكم الإسلام ديناً} معناه رضيت لكم الاستسلام لأمري والانقياد لطاعتي على ما شرعت لكم من حدوده، وفرائضه ومعالمه ديناً يعني بذلك طاعة منكم لي. فان قيل: أو ما كان الله راضياً الاسلام ديناً لعباده الا يوم أنزلت هذه الاية؟ قيل: لم يزل الله راضياً لخلقه الاسلام ديناً، لكنه لم يزل يصف نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) واصحابه في درجات الاسلام، ومراتبه درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال حتى اكمل لهم شرائعه وبلغ بهم أقصى درجاته، ومراتبه، ثم قال: حين أنزلت هذه الآية {ورضيت لكم الإسلام ديناً} فالصفة التي لها اليوم والحال التي انتم عليها، فالزموه، ولا تفارقوه. قال ابن عباس وعمر وعامر الشعبي وقتادة، كان ذلك يوم الجمعة. وقال الطاووس بن شهاب، وشهر ابن خوشب، واكثر المفسرين نزلت هذه الآية يوم عرفة حجة الوداع. وروى حنش عن ابن عباس، قال: ولد النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وأنزلت المائدة يوم الاثنين، وانزلت {اليوم أكملت لكم دينكم يوم الاثنين} ورفع الذكر يوم الاثنين. وقال الربيع بن أنس: نزلت في المسير من حجة الوداع. وقوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم} معناه من دعته الضرورة في مجاعة لان المخمصة شدة ضمور البطن. لاثم أي غير مائل إلى إثم.
والمخمصة مفعلة، مثل المجنبة والمنجلة من خمص البطن وهو طيه، واضطماره من الجوع، وشدة السغب ها هنا دون أن يكون مخلوقا كذلك. قال النابغة الدنباني في صفة امرأة بخمص البطن:

والبطن ذوعُكن خميصٌ لين والنحر ينفجه بثدي مقعد

ولم يرد بذلك وصفها بالجوع، لكن أراد وصفها بلطافة طيّ ما علا الاوراك والافخاذ من جسدها، لان ذلك المحمود من النساء. فاما الاضطمار من الضر فكقول أعشى ثعلبة:

تبيتون في المشتى ملاءً بطونكم وجاراتكم غبرٌ تبئنَ خماصاً

يعني يبتن مضطمرات البطن من الجوع. وقال بعض نحوي البصريين: المخمصة المصدر من خمصه الجوع. وغيره يقول: هو اسم للمصدر، وكذلك تقع المفعلة اسماً في المصادر للتأنيث، والتذكير: والذي قلناه هو قول ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.
وقوله: {غير متجانف لإثم} نصب على الحال. والمتجانف المتمايل للاثم المنحرف اليه. ومعناه في هذا الموضع المعتمد له القاصد اليه من جنف القوم: إذا مالوا. وكل اعوج، فهو اجنف.
والمعنى فمن اضطر الى أكل الميتة، وما عدّد الله تحريمه عند المجاعة الشديدة غير متعمد الى ذلك، ولا مختار له، ولا مستحل له على كل حال، فان الله أباحه له. تناول ذلك مقدار ما يمسك رمقه، لا زيادة عليه. وهو قول أهل العراق. وقال أهل المدينة: يجوز أن يشبع منه عند الضرورة. وما قلناه قول ابن عباس، ومجاهد وقتادة. قال قتادة: {غير متجانف لإثم} أي غير عاص بان يكون باغياً أو محاربا أو خارجا في معصيتة. وقال ابن زيد: لا تأكل ذلك ابتغاء الاثم ولا جرأةً عليه.
وقوله: {فإن الله غفورٌ رحيمٌ} في الكلام متروك دَلّ ما ذكر عليه، لان المعنى فمن اضطر في مخمصة الى ما حرمت عليه مما ذكرت في هذه الآية غير متجانف لأثم، فاكله لدلالة الكلام عليه.
ومعنى {فإن الله غفورٌ رحيمٌ} ان الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله في مخمصة متجانف، لأثم غفور لذنوبه أي ساترعليه أكله، ويعفو عن مؤاخذته به، وليس يريد أن يغفر له عقاب ذلك، لانه اباحه له، فلا يستحق عليه العقاب وهو رحيم أي رفيق بعباده. لان رحمته ورفقه أنه أباح لهم أكل ما حرم عليهم في حال الخوف على النفس وروى المثنى قال: قلنا يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إنا بارض يصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة؟ قال:
"إذا لم تصطبحوا أو تعتبقوا أو تختفؤا بها بقلا، فشأنكم بها بقلا" ، وقال الحسن: يأكل منها مسكته.
وذكر في تختفئوا خمس لغات: تختفئوا بالهمزة وتختفوا - بحذفها - وتختفيوا - بقلبها ياء - وتختفوا وتخفوا - بالتخفيف - والخفا أصل البردي كانوا يقشرونه ويأكلونه في المجاعة، فمع وجود ذلك لا يجوز اكل الميتة.
وقوله: {فإن الله غفور رحيم} عقيب قوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم} لا يدل على ان له أن يعاقبهم على فعل المباح، لان الوجه في ذلك أنه أراد أن يصف نفسه بمغفرة الذنوب وسترها، والصفح عنها ليدل بذلك على أنه أحرى ألا يؤخذ بفعل المباحات التي ليست بذنوب، كما قال: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فدل على أن ما يفعله من المغفرة أو العقوبة صواب وحكمة، ليكون أعم في الدلالة على استحقاقه الاوصاف المحمودة. واجاز بعضهم أن يكون ذلك ثواباً لبعض المكلفين قدمه، كما انه يجوز ان تكون الحدود عقاباً لهم قدمه فلا شبهة في ذلك.