خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
٢
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
٣
أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
٤
-الأنفال

التبيان الجامع لعلوم القرآن

استدل - من قال: إن الايمان يزيد وينقص وان أفعال الجوارح قد تكون إيماناً - بهذه الآيات، فقالوا: نفى الله ان يكون المؤمن إلا من إذا ذكر الله وجل قلبه وإذا تليت عليه آياته أي قرئت زادتهم الاية إيماناً، بمعنى أنهم يزدادون عند تلاوتها ايماناً، وانهم على الله يتوكلون في جميع أمورهم {الذين يقيمون الصلاة} بمعنى يأتون بها على ما بينها النبي صلى الله عليه وآله وينفقون مما رزقهم الله في ابواب البر. وإخراج الواجبات من الزكاة وغيرها. ثم وصفهم بأن هؤلاء الذين وصفهم بهذه الأوصاف هم المؤمنون حقاً، يعني الذين اخلصوا الايمان، لا كمن كان له اسمه على الظاهر، وإن لهم الدرجات عند الله وهي المنازل التي يتفاضل بها بعضهم على بعض وإن لهم المغفرة والرزق الكريم فدل على أن من ليس كذلك ليس له ذلك.
ومن خالف في ذلك قال: هذه اوصاف افاضل المؤمنين، وخيارهم، وليس يمتنع أن يتفاضل المؤمنون في الطاعات وان لم يتفاضلوا في الايمان، يبين ذلك انه قال في اول الاية {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ووجل القلب ليس بواجب بلا خلاف، وانما ذلك من المندوبات. وقوله {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون} لانه اذا صدق بآية آية انها من عند الله، فلا شك ان معارفه تزداد وإن لم يزد بفعل الجوارح.
وقوله {الذين يقيمون الصلاة} يدخل في ذلك الفرائض والنوافل، ولا شك أن الاخلال بالنوافل لا يخرج من الايمان ولا ينقص منه عند الأكثر. والانفاق أيضاً قد يكون بالواجب والنفل. والاخلال بما ليس بواجب منه لا يخرج من الايمان بلا خلاف. وقوله {أولئك هم المؤمنون حقاً} يبين ذلك انه اشار به: إلى خيارهم وافاضلهم، لأن هذه اوصافهم فمن اين ان غيرهم وإن كان دونهم في المنزلة لا يكون مؤمناً؟!
وقال ابن عباس: اراد ان المنافق لا يدخل قلبه شيء من ذلك عند ذكر الله. وأن هذه الأوصاف منتفية عنه.
والوجل والخوف والفزع واحد، يقال وجل فلان يوجل وجلا، ويقال ياجل وييجل وأفصحها يوجل. قال الله تعالى "لا توجل" أي لا تخف وقال الشاعر:

لعمرك ما ادري وإني لأوجل على أينا تعدوا المنية أول

وإنما وصفهم بالوجل - ها هنا - وباطمئنان القلوب في قوله: { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } لأن الوجل يكون بالخوف من عقابه وبارتكاب معاصيه. والاطمئنان بذكر الله معناه: بنعمه وعدله، ووصفهم بالوجل يكون في دار الدنيا، وأما في الآخرة فانه { لا يحزنهم الفزع الأكبر
}
} وقال الربيع: معنى زادتهم إيماناً زادتهم حسنة، والدرجات عند الله، قال قوم: معناه أعمال رفيعة وقضائل استحقوها في أيام حياتهم - ذهب اليه مجاهد - وقال غيره: معناه لهم مراتب رفيعة. والرزق الكريم، قال قتادة: هو الجنة. وقال غيره: هو ما اعد الله ووعدهم به في الجنة من انواع النعيم والمغفرة يعني لذنوبهم ومعاصيهم سترها الله عليهم.
وقوله {حقاً} منصوب بمعنى دلت عليه الجملة، وهي قوله {أولئك هم المؤمنون} والمعنى احق ذلك حقاً. والتوكل هو الثقة بالله في كل امر يحتاج اليه تقول وكلت الأمر إلى فلان، إذا جعلت اليه القيام به، ومنه الوكيل القائم بالامر لغيره. والكريم القادر على النعم من غير مانع، ولم يزل الله كريماً بهذا المعنى.