خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٧
-السجدة

تفسير صدر المتألهين

أي لا تعلم نفس من النفوس - لا مَلَك مُقَرّب ولا نبي مرسل - ما ادّخر الله لأولئك الموصوفين بالأوصاف المذكورة وأخفاه لهم عن جميع خلائقه، لا يعلمه إلاَّ هو مما يقرّ بِهِ عيونهم من جمال الذات ولقاء نور الأنوار، فيجدون من اللذة والسرور ما لا يبلغ كنهه ولا يمكن وصفه، كما في الحديث الرباني: "أعددت لعبادي الصالحين مَا لاَ عَيْنٌ رأت ولا أذُنٌ سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر" ، جزاءاً بما كانوا يعملون من الأعمال القلبية والتأملات القدسية، المستلزمة للأعمال البدنية على وفق أحكام التجليات وشروق الإفاضات.
إشراق فرقاني
إعلم أن أسعد الخلق في الآخرة أقواهم حباً لله، وأشدهم شوقاً للقائه، فإن معنى الآخرة القدوم على الله ودرك سعادة لقائه، وما أعظم نعيم المحب المستهتر إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه، وتمكن من دوام مشاهدته أبد الآباد من غير مزاحم ومكدر ومنغص ورقيب وخوف الانقطاع، إلاَّ أن هذا النعيم على قدر الحب واستيلائه وشدته، وان لم ينفك عن أصل المحبة مؤمن، كما لا ينفك عباده عن أصل المعرفة، وإلاَّ لم يكن المؤمن مؤمناً - هذا خلف -.
وإنما يحصل ذلك بشيئين:
أحدهما: قطع العلائق وإخراج حب الدنيا وما فيها من القلب، فبقدر ما يشغل القلب بغير الله، ينقص منه حب الله، ويفرغ إناء قلبه عن ذكر الله بقدر اشتغاله بغيره، لأن قلب كل أحد واحد:
{ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } [الأحزاب:4]. والكفر؛ عبارة عن امتلاء القلب بمحبة الباطل، وكل ما سوى الله باطل دون وجهه الكريم، والمحب التام المحبة لله، ومن امتلأ قلبه من محبته، وإليه الإشارة بقوله { قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ } [الأنعام:91]، بل هو معنى قول: { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } [الصافات:35] على التحقيق، أي لا معبود ولا محبوب سواه، ولذلك قال: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } [الجاثية:23]، وفي الحديث عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم): "أبغضُ الهٍ عُبِدَ في الأرض الهوى" ، ولذلك قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): "من قال لا إله إلاَّ الله مخلصاً وجبت له الجنة" ، ومعنى الإخلاص: أن يخلص قلبه لله، فلا يبقى فيه شركة لغير الله، ومَن هذا حاله فالدنيا سجنه، لأنها مانعة له عن مشاهدة محبوبه، وموته خلاصه من السجن وقدومه على محبوبه.
والسبب الثاني لقوة المحبة، قوة المعرفة لله تعالى واتساعها واستيلاؤها على القلب، وذلك بعد تظهيره من الشواغل، وهي بمنزلة وضع البذر في الأرض بعد تطهيرها من الحشيش، فيتولد من هذا البذر شجرة المحبة والمعرفة، وهي الكلمة الطيبة التي ضرب الله لها مثلاً في قوله:
{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ } [إبراهيم:24] وإليه الإشارة بقوله: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ } [فاطر:10]، فهي المعرفة، نعم، والعمل الصالح يرفعه ويحركه، ولذلك قال: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]، لأن العمل الصالح كالحامل (كالخادم - ن) له، وإنما فائدة العمل كله في تطهير القلب أولاً من الدنيا، ثم في إدامة طهارته، وأصل الطهارة والصفاء لكونه أمراً عدمياً لا يراد لنفسه، بل لهذه المعرفة، وكذا العلم المتعلق بكيفية العمل يراد للعمل، فالعلم هو الأول والآخر.
تتمّة
الواصلون إلى هذه النعمة العظيمة، ينقسمون إلى الأقوياء والضعفاء، فالسابقون الأولون هم الذين درجتهم درجة العقول القادسة والملائكة المهيمة، أول معرفتهم لله تعالى وبه يعرفون غيره، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
{ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [فصّلت:53]، وبقوله: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } [آل عمران:18].
ومنه نظر بعضهم حيث قيل له: بِمَ عرفتَ ربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي.
واللاحقون التالون هم الذين درجتهم درجة النفوس الكلية والملائكة المدبّرة، فيكون أول معرفتهم بالأفعال، ثم يترقّون منه إلى صفات الله، ثم إلى ذاته، فالله سبحانه غاية أفكارهم كما أن الله فاعل أفكار الأولين، والى هؤلاء الإشارة بقوله:
{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } [فصّلت:53]، وبقوله: { أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } [الأعراف:185]. وبقوله: { قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } [يونس:101]، وبقوله: { ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [المُلك:3 - 4] - الآية -.
وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين، وهو الأوسع على السالكين، ولهذا وقعت دعوة القرآن إليه أكثر، والأمر بالتدبر والتفكر في بدائع الفطرة، والاعتبار والنظر في آيات الآفاق والأنفس خارج عن الحصر، إذ النجاة من العذاب الدائم موقوف على حب الله تعالى، وعدم الاشتراك فيه، وهو متوقف على المعرفة، فطلبه واجب، لكونه مقدمة أمر واجب هو الخلاص من العقاب الدائم، وما لا يتم واجب المطلق إلاَّ به فهو واجب، فطلب المعرفة والعلم بالله فريضة على كل مسلم ومسلمة.
إيضاح تفصيلي
لك أن تقول: إن كلا الطريقين وعر وصعب، فاوضح منهما ما يستعان به على تحصيل المعرفة والتوصل بها إلى المحبة.
فاعلم أن الطريق الأعلى، والمشرب الأصفى عن شَوْب الإشراك، هو الاستشهاد بالحق على سائر الخلق كما هو الواقع، فإن وجود الموجودات رشح وتَبَع لوجوده، فينبغي أن يكون المعلوم المشهود على وفق الواقع الموجود، إلاّ أنه غامض دقيق، والكلام فيه خارج عن فهم أكثر الخلائق، فلا فائدة في إيراده في الكتاب والتعاليم.
وأما الطريق الأسهل الأدنى، فأكثره غير خارج عن حد الأفهام، وإنما قصرت عنه أفهام الأكثرين لإعراضهم عن التدبر في الآيات، واشتغالها بشهوات الدنيا وحظوظ النفس.
والمشتغلون بهذا الطريق الأسهل، إمّا أن يكون نظرهم في ما يقبل الفساد والتغير والحركة والزمان، وموضوع علمهم الأجسام الطبيعية والفلكية والعنصرية من الحيثية المذكورة، وبحثهم عن معرفة أنواعها وعوارضها الذاتية بالبرهان المستفاد من العلة القريبة، كالمادة والصورة في الإدراك التصديقي أو بالحد المستفاد من الجنس والفصل في الإدراك التصوري، فيسمى علمهم علما طبيعياً، وهم الحكماء الطبيعيون الذين يصلون إلى معرفة الله تعالى، والاعتقاد بوجود ذاته وصفاته وأفعاله عن طريق الحركة وعوارضها، وبهذا الطريق سلك الخليل (عليه السلام) على ما حكى الله عنه بقوله:
{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي } [الأنعام:76] الآية.
وإن كان نظرهم في حقائق الممكنات مطلقاً، ومباديها وغاياتها الثابتة الخارجة عن الحركة والزمان، وموضوعُ علمهم الموجودُ المفارق عن المادة ولواحقها في الوجود والتعقل جميعاً، وبحثهم عن إثبات أنواعه وعوارضه بالبرهان الضروري الأزلي الدائم، المستفاد من فاعل الوجود وغايته، وبالحد المستفاد منهما أيضاً، إذ الصورة في المفارقات غير مفتقرة إلى علّة مقارنة، بل إنما يتقوّم ذاته وماهيته مما يتقوّم به وجوده، لِمَا تقرر هناك أن "لِمَ هو" و "ما هو" في البسائط المفارقة شيء واحد، فيكون معرفتهم هذه علماً الهياً، وهم الحكماء الإلهيون، لأن غاية معرفتهم وحكمتهم هي الوصول إلى الحق الأول ومجاوريه من الملكوت الأعلى.
بل غاية هذين العلمين جميعا وثمرتهما، معرفة الباري جلّت أسماؤه، إلاّ أن في الأدْوَن منهما حصلت بتوسط معرفة النفس التي هي مرقاة معرفة الرب، كما في الحديث المشهور، وفي الأعلى من غير توسطها.
وأما الطريقة التي هي فوق تينك الطريقتين، فهي التوصل إلى معرفة ذاته تعالى بذاته، وذلك بأن ينظر أولاً إلى نور الوجود المنتشر في أهوية ماهيات الممكنات المنبسط على سطوح هياكل الممكنات، ثم يعرف من حقيقته المطلقة التي هي أجلىٰ من كل متصور وأول كل تصور، تقدمه على كل شيء له ماهية غير الوجود، حتى يتكشف له ما نفس حقيقة الوجود المحض، المجرد عن كل موضوع ومحلّ، والمستغني عن كل سبب فاعلي أو غائي، كالماهيات، أو مقوّم فصلي كالأنواع، أو مقسم كالأجناس، أو مشخّص كالكلي مطلقا، أو صوري كالمواد، أو مادي كالصور والأعراض، أو الجميع كالأجسام، لأن كلاًّ من هذه الأمور، تسقط أوليته وتقدمه فيعلم أنه بسيط الحقيقة من كل الوجوه، غني عمّا سواه، مفتقر إليه ما سواه دفعاً للدور والتسلسل.
فيعلم من هذا أن صفاته الكمالية عين ذاته، والجميع أمر واحد، فلا تكثّر [في] الواجب بالذات، فيكون الباري أحديّ الذات والصفات جميعاً، فتكون خالقيته بما هو ذاته ووجوده.
فإذا علم ذاته وصفاته على هذا الوجه، وعلم أن ذاته وصفاته [واحد] يعلم أفعاله، وأنها نهج واحد مستمر لقوله:
{ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } [الأحزاب:62]. فيعلم أن أول ما صدر يجب أن يكون جوهراً قدسياً، ثم جوهراً آخر كذلك إلى ما شاء الله من سلسلة الملائكة المقدسين، وبتوسط أولئك المقربين سلسلة أخرى من النفوس المجردة ضرباً من التجرد، وضرباً من التعلق بالأجرام الدوّارة شوقاً وطرباً إلى لقاء الله، لورود الإشراقات العقلية المتتالية على ذواتهم، لكل منها بواسطة علة مفارقة قريبة مختصة، وذلك لاختلاف الحركات والآثار الدالّة على اختلاف الوسائل لئلاَّ تنثلم وحدة الباري جلّ مجده.
وبالجملة ينتقل من كل عال إلى سافل، ويعرف من خاصية كل فاعل كيفية فعله وأثره، إلى أن يستقصي الموجودات ويحيط بالعالم الموجود بنور مبدع الوجود، وهذه طريقة الصدّيقين الذين يعرفون بنور الحق ما سواه، ولا يستدلون على نور الوجود بهذا الظلام، ولا على صباح الفطرة بليالي هذه الأجسام.
تتمّة
ثم إن قوله تعالى: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، قد حسم عرق أطماع المتمنين، وقلع باب اغترارات المعطّلين القاعدين عن تحصيل العلم والعرفان، ظناً منهم أنَّ مجرَّد دعوى الإيمان، أو التشبث بأئمة هذا المذهب، أو صورة الأعمال الظاهرة، يؤدي إلى نعيم الجنان، أو رضوان من العزيز الرحمان، من غير معرفة السبب المجازي، ومن غير تحقق الوجه الذي يؤدي العمل به إلى حصول الثمرة الأخروية التي بَذْرُها المعرفة الثابتة في القلب أولاً، وهذه الأعمال بمنزلة السقي لها.
إذ التحقيق: أن وجود الاعتقادات الإيمانية والمعارف الإلهية، إذا قوي في الباطن، واشتد رسوخها في القلب، تؤدي بصاحبها إلى صورة النعيم الأخروي، بل هذه ستصير هي إذا رسخت في الباطن، كما أن الميل إلى اللذّات الحسية والاعتقاد بوجودها وركون النفس إليها والإخلاد إلى عالمها، إذا تكررت ورسخت في الباطن، تنجر إلى عذاب الجحيم كما أشرنا إليه سابقاً.
وفي القرآن آيات كثيرة دالة على ثبوت هذا الإنجرار، كقوله تعالى في سورة الأعراف:
{ وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الأعراف:43]. وكقوله تعالى في سورة يس: { فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [يس:54]، وفي سورة النجم: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ * وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } [النجم:39 - 42]. وكما في قوله تعالى: { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } [الأنعام:139] وقوله تعالى: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً } [آل عمران:30]. وقوله: { يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ } [العنكبوت:54]. وقوله في سورة الشورى: { تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } [الشورى:22]. إلى غير ذلك من الآيات.
ومما يدل أيضاً على أن السعادة الأخروية والقرب عند الله والوصول إلى الخير الحقيقي منوطة بالحكمة والمعرفة، والله الهادي والموفّق لهما، وأن الصارف للإنسان عن طلبها والباعث على الإعراض عنها والرضاء بالجهل، هو الشيطان اللعين الباعث لطلب الجاه والدنيا والشهرة عند الناس، والخوف من زوال الثروة والعزة قوله سبحانه:
{ ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } [البقرة:268 - 269].
وكما أن السّعادة الأخروية منوطة بالحكمة، فكذلك التوغّل في الدنيا والتوسع في لذاتها وشهواتها، مرتبطة بنسيان الحكمة وترك التدبر في الآيات، وفهم المعارف والبينات، لقوله:
{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } [الأنعام:44] الآية، وأما قوله تعالى: { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } [الأنعام:49] فهو إشارة إلى عاقبة هذه اللذّات الدنيوية، فالإعراض عن الحكمة والمعرفة، والتكذيب بالآيات البينات، مما يفتح على النفس أبواب التنعمات في الدنيا، وحقيقة هذه الشهوات ليست في القيامة إلاّ صورة النار والحسرة والندامة، والدنيا ها هنا متاع قليل، وفي الآخرة عذاب شديد، وذلك قوله تعالى: { وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ } [البقرة:126].
وقس على ذلك أيضاً قوله:
{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } [طه:124] فإن المراد من تلك المعيشة الضنك ما هي بحسب النشأة الآخرة، ولهذا عقبه بقوله: { وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ } [طه:124 - 126].
والعاقل ينبغي أن يرجع إلى ذاته ويتأمل في نفسه، ويطرد عن باطنه التعصب والعناد والاستكبار، والسكر الحاصل له بجاه مستحقر، واشتغال بعلوم جزئية، فتنحصر عنده الآيات الدالة على حقيقة القرآن ووصفه، وماهية الرسول المنزل إليه كتابُ الله ونعته، بحسب ما هو الداخل في قوام كل منهما، غير الأوصاف الخارجة عن ملاك الأمر فيهما، فيرى هل يجد فيها دلالة على فضلهما وشرفهما إلاّ من جهة مزية علمية، وفضيلة حِكَمية، لهما على سائر الكتب وسائر الناس، لا أظن عاقلاً في مرية من هذا.
وهي كقوله تعالى في نعت القرآن:
{ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [المائدة:15 - 16].
وكقوله في نعت الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم):
{ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [الجمعة:2].
وقال سبحانه في صفة أهل الإيمان:
{ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم } [الحديد:12].
ومما يدلّ على أن العلماء بالله ورسوله أهلُ الإيمان خاصة قوله تعالى:
{ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } [سبأ:6]. وقوله: { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } [الرعد:19].
كذلك من تصفّح كلام الله وحديثَ رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وكلماتِ الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، يعرف أن رأس الشقاوة كلها هو الكفر بالله وصفاته وأفعاله واليوم الآخر، وليس الكفر إلاَّ ضَرْبٌ من الجهل المضادّ للحكمة، كقوله سبحانه:
{ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآُخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } [الأعراف:147].
ومما يدل على أن الجهل والنسيان منشأ العذاب في الآخرة قوله تعالى:
{ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ } [النحل:108 - 109].
وكقوله تعالى في مذمّة أهل الجحود:
{ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } [الأنفال:21 - 23].
وقوله سبحانه في مذمّة المعرضين عن الحِكمة:
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً } [الكهف:57].
وقد جعل الله سبحانه الرجس على النفوس الجاهلة الغير العارفة بحقائق الإيمان في قوله:
{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } [يونس:100] والسر فيه: أن من لم يبلغ إلى درجة تصير نفسه عقلاً بالفعل، ولم يرد إلاَّ ما يدركه الحواس، فهو متعلق الوجود بالأجساد الدنيوية وأرجاسها الشَهَوية والغضبية، مثل الكلب والخنزير، والدنيا دار النجاسة، وطلابها الأرجاس والأنجاس لقوله (عليه السلام): "الدنيا جيفة وطلابها كلاب" وفي الحديث: "الدنيا ملعونة وملعون ما فيها" .
والآيات الدالة على أن منشأ العذاب في الآخرة هو الجهل والإعراض عن تعلم الحكمة والمعرفة، كثيرة لا تحصى، إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين.