خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٢٥
-السجدة

تفسير صدر المتألهين

"الفَصْل": هو ما يميز به الشيء عن غيره بحسب تجوهر ذاته وقوام حقيقته، وكثيراً ما يطلق الفصل على بمدئه القريب، كالنفس الحيوانية للحسّاس، والنفس الناطقة للناطق، فإنهما مبدآن قريبان لهذين الفصلين المنطقيين المحمولين بوجه، وبوجه آخر هما عين هذين إذا أخذ كل منهما لا بشرط شيء من التقييد والإطلاق، وربما يطلق على المبدأ العالي لحقيقة الشيء وتحصّله وتميّزه، فإن الصور النوعية عند طائفة، هي الفصول المنوعات للحقائق الجرمانية، وعند طائفة أخرى، تطلق الصور على المفارقات النورية والجواهر العقلية الواقعة في عالم الصور المفارقة، كما هو عند أفلاطون الإلهي، والرواقيين، وأئمتهم الأقدمين كسقراط وفيثاغورس وأنباذقلس وأغاثاذيمون، وعند طائفة أخرى، هم أعلى مرتبة وأدق مسلكاً (وأمتن) دليلاً وأجلّ ذوقاً وأوثق برهاناً وأرفع نظراً، وهم الحكماء الإيمانيون، والأفاضل الربّانيون كأبي يزيد البسطامي، وسهل التستري، والجُنيد البغدادي، ومحي الدين الأعرابي وتابعيهم، أن أسماء الله تعالى بعينها مبادئ الفصول الذاتية للحقائق الإمكانية، وما يحاذيها من الصور المجرّدة في عالم العقول، أو الصور الحسية في عالم الجسم مستهلكة التأثير والأثر تحت سطوع الأنوار الإلهية والأسماء الربوبية، استهلاك النور الضعيف في النور الأقهر القوي، واضمحلال وجود السافل تحت وجود العالي.
فإذا علمت هذا، وتذكرت ما ادّعيناه فيما سبق، من أن الإنسان بحسب الباطن والنشأة الأخروية أنواع كثيرة حسب كثرة الأخلاق المتخالفة، والصفات الغالبة الراسخة المتنوعة، أيقنت معنى كون "يوم القيامة"يوم القضاء"ويوم الفصل بين الخلائق"، فالله يقضي بينهم يوم القيامة بحسب ظهور مظاهر أسمائه ومجالي شؤونه، ويفصل بينهم بالحق، ويميز المحق من المبطل في ما يختلف فيه من الأديان والمذاهب، وقد مر منّا نقل آيات دالة على أن أنواع الإنسان كثيرة بحسب النشأة الآخرة، وظهور هذه الكثرة في حقائق الإنسان، إنما يتوقف على قيام الساعة، لقوله تعالى:
{ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } [يس:59].
تذكرة
الدنيا دار اشتباه ومغالطة، متشابك فيها الحق والباطل، ويتعانق فيها الخير والشر، والنور والظلمة، ويتقابل المتخاصمان، والآخرة دار الفصل والتفريق، يتفرق المختلفان،
{ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } [الروم:14]، ويتميز المتشابهان، ليميز الله الخبيث من الطيب، وينفصل الخصمان، ويحق الحق ويبطل الباطل { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ } [الأنفال:42]، وليحق الحق ويبطل الباطل، والآخرة دار جمع أيضاً، ولا منافاة بين هذا الفصل وذاك الجمع، بل هذا يوجب ذاك كما في قوله تعالى: { هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ } [المرسلات:38].
و"الحَشْر" أيضاً بمعنى الجمع:
{ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } [الكهف:47]. وحَشْر الخلائق على أنحاء مختلفة حسب أعمالهم وملكاتهم، فلقوم على سبيل الوفد: { يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } [مريم:85]، ولقوم على وجه التعذيب: { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ } [فصّلت:19]، وبالجملة، يحشر كل أحد إلى ما يتوجه إليه باطنه ويعمل لأجله ظاهره ويحبه بقلبه ويشتاقه بجنانه: { ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ } [الصافات:22]، { فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ } [مريم:68]، وفي الخبر عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم): "لو أحبَّ أحدكم حجراً لحُشِر معه" .
تذكرة أخرى
إعلم أن عجائب عالم الآخرة عظيمة، وأشخاصه وأنواعه كثيرة، وكل ما يوجد في هذا العالم من الحيوانات يوجد نظيره في الآخرة، مع أنواع أُخر لم تعهد في الدنيا، وما سوى الإنسان لا ينتقل من هذه الدار إلى تلك الدار، وإنما نشأت جميع الخلائق يوم القيامة من ماهية الإنسان وعقله الهيولاني.
ووجه ذلك: إن تكرر الأفاعيل والانفعالات البدنية يوجب حدوث الأخلاق والمَلَكات النفسانية، وكل صفة ومَلَكة تغلب على باطن الإنسان تتصور في الآخرة بصورة تناسبها، ولا شك أن أفاعيل الأشقياء المدبِرين بحسب هممهم القاصرة عن ارتقاء عالم المَلَكوت، النازلين بحسب دواعيهم الخسيسة في البرازخ الحيوانية بالأعمال الشهوية والغضبية والوهمية البهيمية والسبعية والشيطانية، فلا جرم تكون تصوراتهم مقصورة على أغراض حيوانية أو شيطانية تغلب على نفوسهم، ويُحشرون على صور تلك الحيوانات والشياطين في دار الآخرة، كما في قوله:
{ وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ } [التكوير:5]. وقوله: { لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ } [مريم:68]. وقوله: { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف:36]. وفي الحديث: "يُحشر الناس على نيّاتهم" ، "يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة والخنازير"، وهكذا الناس يتصورون بصورهم الحقيقية الأخروية التي تقتضي ملكاتهم وأخلاقهم على أهل الكشف وأصحاب الشهود، الذين غلب على باطنهم سلطان الآخرة، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون.