خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ
١٥
-يس

تفسير صدر المتألهين

{قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}.
فلا تصلُحُونَ للرسالة، كما لا نصلح نحن لها، لأن أفراد البشر أفراد نوع واحد، والطبيعة الواحدة النوعية، أفرادها متماثلة في استحقاقية شيء واحد بحسب ذواتها، فكل ما جاز لأحدٍ جاز للجميع، لكنّا نعلم بديهة، أن ما رأينا من الأمثال غيرُ مستحقين لرسالة الله، لغاية انكبابهم على الدنيا، وظلمة نفوسهم، وقساوة قلوبهم، فالجميع هكذا، ولذلك قالوا كما حكى الله عنهم بقوله:
{وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} [15]:
هذه غاية شبهة الجاحدين للحق، والمنكرين للبعثة والرسالة، ولا يَبْعُدُ أن تكون إحدى الفوائد والأغراض المسوقة إليها هذه القصة، هي حكاية هذه الشبهة، وارتكازها في أوهام ضُعفاء العقول، المنتسبة إلى الفلسفة، المتشبهة بهم من الطباعية والدَّهريّة والصَّبَويَّة، وبراهمة الهند، المنسوبة إلى برهمان الهندي، حيث إنهم بعد علمهم بأحوال المبدء، وتيقنّهم بوجوده وتنزُّهه وتقدُّسه، تحيَّروا في أحوال الآخرة والمعاد، واضطربت أفكارهم في حقيقتها، وحقيقة الرسالة، وحقيقة الرسول المنذر بوقوعها، وسعادتها وشقاوتها، ونيرانها وجنانها، وسلسبيلها وزَقّومها، ومالِكها ورضوانِها، بل صرَّحوا بنفي المعاد بعد الممات، حيث ورد، أن الإنسان المتكوّن من مزاج حاصل من أضداد عند امتزاج، مهما فسد، لا يرجى له ولغيره فيه فائدة، فحكموا بأنه إذا مات، مات، ومعاده قد فات، كما حكى الله عنهم بقوله:
{ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } [الجاثية:24]. والإنسان عندهم كالعشب والمرعى، ينبت وينمو من الأرض، فيصير غثاءاً أحْوى.
وعلى هذه الطريقة، جرى خصوم الخليل (عليه السلام) من الصابئة، على ما حكى الله تعالى عنهم في مواضع جمّة من كتابه، مثل قوله:
{ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } [التغابن:6]. { مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } [المؤمنون:24] { يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } [المؤمنون:33]. ومدار إنكارهم واستكبارهم على هذه الشبهة التي أشير إليها في مواضع من الكتاب كما قال الله تعالى: { وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً } [الإسراء:94]. فَحَصَرَ الله مدارَ إصرارِهم وجحودهم، على أن البشر لا يصلح للرسالة، لأن أفراده مشتركون في الماهيَّة، فمِنَ المَحال أن يختصَّ واحد منها بخاصيّة دون بعض آخر.
هذه حجتُهم الداحضة، وغايةُ إنكارهم الغامضة، إلاّ أنها مندفعة بوجهين شريفين، قرآنيّين، كل منهما في غاية الاستنارة والاستحكام:
الوجهُ الأول: ما وقَعَت الإشارة إليه ها هنا، حكاية عمَّا ألْهَمَ الله به رُسُلَ عيسى (عليه السلام)، جواباً عن إنكار أهل القرية رسالتَهم، حيث ما اغتروا به بفطانتهم البتراء، من الشبهة التي شرحناها، وهو قوله تعالى: {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس:16].