خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ
٥٢
-يس

تفسير صدر المتألهين

قرئ "يا ويلتنا"، وفي مصحف ابن مسعود "من أهبّنا" من "هبّ من نومه" إذا انتبه وأهبّه غيره، وقرئ أيضاً "من هبّنا" بمعنى "أهبنا" وقرئ "من بعثنا" و "من هبنا" على "من الجارة" وصيغة المجرور بها، لا على "من الاستفهامية" وصيغة الماضي الموصولة بها.
و "هذا" مبتدأ وخبره ما بعده، سواء كان الخبر مفرداً - إن كانت "ما" مصدرية - أو جملة من صلة وموصول - إن كانت موصولة - ويكون المجموع جملة مستأنفة، ويكون "من بعثنا من مرقدنا" كلاماً تاماً يوقف عليه.
ويحتمل أن يكون "هذا" صفة للمرقد، أي: "مرقدنا الذي كنّا رقوداً فيه" فيكون الوقف على "مرقدنا هذا" ويكون "ما وعد" مبتدأ خبره محذوف تقديره أي: "ما وعد الرحمن وصدق المرسلون حق عليكم" أو يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: "هذا وعد الرحمٰن، أي: فلما رأوا أهوال القيامة وشدائدها لكونهم صاروا بسبب خروجهم عن قبورهم وقيامهم عن منامهم مكشوفي الغطاء حديدي البصر، قالوا: "يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا وحشرنا من منامنا الذي كنّا فيه نياماً؟" ثم قيل لهم: "هذا بعينه ما وعد الرحمن وصدق المرسلون" أي: هذا وعدُ الرحمٰن وصدقُ المرسلين - على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق - إن جعلت "ما" مصدرية - وأما إن جعلت موصولة، فيكون معنى: "الذي صدق المرسلون" بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون من قولهم: "صدقوهم في الحديث والقتال" ومنه: "صدقني سن بكره".
وإنما يطابق هذا الجواب لسؤالهم عن الباعث لهم عن مرقدهم، لكونه بمعنى: بعثكم الرحمٰن الذي وعدكم البعث وأنبأكم به رسله، إلاّ أنه جيء به على نهج التخويف والتهويل لقلوبهم، والنعي إليهم في أحوالهم، وذكر منشأ فزعهم وأهوالهم من سبق كفرهم بالله، وتكذيبهم للرسل، والإخبار لهم بوقوع ما أنذروا به على لسان الأنبياء.
ولا يبعد أن يكون المراد من طي الجواب، أن الحال أشد عليهم من أن يسع لهم السؤال ويستأهلون للجواب عن سبب البعث والنشور، كأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه - من بعث النائم في الدنيا من مرقده - حتى يسمع لكم السؤال عمن يبعثه، إن هذا هو البعث الأكبر، والقيامة الكبرى ذات الشدائد والأهوال والأحزان والأفزاع، وهو الذي وعده الله في مواضع كثيرة من كتبه المنزلة على ألْسِنَةِ رسله الصادقين، ومعانيها الواردة على قلوب أوليائه الصالحين.
واختلف أهل التفسير في أن القائل لهذا الكلام من هو؟ فعن مجاهد: أنه كلام الملائكة، حيث يقع للكفار هجعة بعد النفخة الأولى، يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور الصيحة الثانية، قالوا: {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} فقالت لهم الملائكة: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ}.
وعن ابن عباس وعن الحسن: كلام المتقين.
وعن قتادة نحو ذلك حيث قال: أول الآية للكافرين وآخرها للمسلمين. قال الكافرون: {يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}؟ وقال المسلمون: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ}.
وقيل: تمامه كلام الكافرين، يتذكّرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضاً.
وقيل: أنهم لما عاينوا أهوال القيامة عدوا أحوالهم في قبورهم بالإضافة إلى تلك الأهوال رقاداً.
وقال قتادة: هي النومة بين النفختين، لا يفتر عذاب القبر إلاّ فيما بينهما فيرقدون.
حكمة فرقانية
قد تحقق عند النفوس المستنيرة بأنوار العلوم الأخروية والمعارف السلوكية، أن الإنسان أبداً في التحول والانتقال عن مراقد الدنيا إلى فضاء الآخرة، وهو دائماً في القيام والإنبعاث من هذه القبور والأجداث إلى ساهرة القيامة، وهو لا يزال في طلب الخروج والارتحال بحسب الجبلة من مكامن أرحام هذه النشأة الأولى إلى سعة عرصات النشأة الأخرى، بل له كل ساعة ولحظة خلع ولبس جديد إلى أن يلقى الله تعالى - إما فرحاناً مسروراً - وإما معذباً مقهوراً - لقوله تعالى:
{ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ } [الانشقاق:6 - 12] - الآيات.
وأكثر الناس في غفلة عريضة وذهول طويل عنه لقوله تعالى:
{ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا } [ق:22] وقوله: { بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } [ق:15]، وقوله: { وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ } [النمل:88].
ومن هذا الجهل المحيط بهم، نشأ تعلقهم بهذه الحياة الفانية واخلادهم إلى هذه الأجسام البالية، وركونهم إلى البدن، ونسيانهم أمر العاقبة، وجعلهم الدنيا نصب أعينهم والآخرة خلف آذانهم، وانكبابهم إلى الشهوات، وإعراضهم عن سماع الآيات، فكل هذه الأمور ناشئة من ذهولهم وغفلتهم عن زوال الدنيا وثبات الآخرة، وجهلهم بأن الدنيا ليست إلاّ لحظات أوهام وخطرات أفهام، ولمحات أبصار وفلتات خواطر، ولهذا تعجبوا عن ظهور الساعة وتحقق البعث وكشف الغطاء قائلين: {يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}؟ فقيل لهم {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ}. فهؤلاء - وهم أكثر الناس - منكرون بالحقيقة للقيامة والبعث، شاكّون في قيام الساعة وتحقق المعاد،
{ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً } [المعارج:6 - 7].
وأما المُقِر بالآخرة، المؤمن بالمعاد، الموقن بيوم الحساب، فهو الذي تنبّهت نفسه من نوم الغفلة ورقدة الضلالة، وانبعثت من موت الجهالة، وحيّيت بروح المعارف، وانفتحت لها عين البصيرة، فيشاهد يوم القيامة ويرى كأنها قد قامت، فإذا سئل وقيل له: "كيف أصبحت؟" قال: "أصبحت مؤمناً حقاً"، فإذا قيل له: "وما حقيقة إيمانك؟" قال: "أرى كأن القيامة قد قامت، وكأني بعرش ربي بارزاً، وكأن الخلائق في الحساب، وكأني بأهل الجنة فيها منعّمين، وأهل النار فيها معذَّبين"، فقيل: "قد أصبت، فألزم بعين الطريق" - كما ورد في الحديث المتفق على صحته -.
وهذا بعينه حال من مات عن حياة هذه النشأة، وحيي بحياة الآخرة، فقد قامت عليه الساعة، وإن كان بعدُ في الدنيا بحسب الصورة الظاهرة، لقوله (صلى الله عليه وآله):
"من مات فقد قامت قيامته" .
وأما القيامة الكليّة، فهي إنما تتحقق عند موت الجميع وفناء الكل، والعارف لا يحتاج في مشاهدة أحوال الآخرة إلى فناء الكل وقيام الساعة على الجميع، لأنه من أهل الأعراف المشاهدين لأحكام الآخرة وأحوال الدنيا، العارفين بمن في الجنة والنار، لقوله تعالى: { وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ } [الأعراف:46 - 47].
وهم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، لأنهم قوم انبعثوا من موت الجهالة وانتبهوا عن رقدة الغفلة، وانفتحت بصيرتهم واستبصروا بعين اليقين ونور الهداية، وشاهدوا جميع الخلائق وحشرهم وحسابهم، لأنهم حاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسَبوا يوم حساب الخلائق، وهم قوم استوت عندهم الأماكن والأزمان، وتغاير الأمور وتصاريف الأحوال، فقد صارت الأيام كلها يوماً واحداً لهم، وعيداً واحداً، وجمعة واحدة في حقهم، لتحققهم بقوله (صلى الله عليه وآله):
"بعثت أنا والساعة كهاتين" .
فيوم واحد عندهم كألف سنة مما تعدّون، وخمسين ألف سنة لغيرهم، وصارت الأماكن كلها مسجداً واحداً لتحققهم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "وجُعِلَت لي الأرض مسجداً" والجهات كلها قبلةً واحدة لتحققهم بقوله تعالى: { أَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } [البقرة:115] وصارت حركاتهم كلها عبادة وسكناتهم طاعة، واستوى عندهم مدح المادحين وذم الذاميّن، وتغاير الأمور وتصاريف الأحوال في الأزمنة والدهور لتصديقهم قوله تعالى: { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ } [الحديد:22 - 23] وكانت الدنيا وما فيها حقيرة عندهم، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "والله ما دنياكم إلاّ كعفطة عَنز"والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عِرَاقِ خنزير في يد مَجْزوم".