خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٦٠
وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦١
-يس

تفسير صدر المتألهين

و"العهد" في اللغة بمعنى "الوصية"، و "عهد إليه": إذا وصّاه، وقرئ "اِعهَد" - بكسر الهمزة وفتح الهاء - وقد جاء عند أهل اللغة والاشتقاق كسر حرف المضارعة غير الياء في باب "فعل" كله، و "أَعهِد" بفتح الهمزة وكسر الهاء، ونقل عن الزجّاج تجويز كون هذا الفعل من باب "نعم ينعم" و "ضرب يضرب" و "احهد" بإبدال العين حاء، و "أحد" بإبدال الهاء أيضاً حاء، ومنه قولهم: دحّا محاً.
وعهد الله إلى بني آدم، ما فطرهم الله على فطرة الاستعداد لإيداع علم التوحيد في ذواتهم المشار إليه بقوله:
{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف:172]. ولاقتناء الخيرات واكتساب السعادات الأخروية.
وميثاق ذلك العهد، ما ركّز في نفوسهم من أوائل المعقولات وأدلة العقليات وشواهد السمعيات للتوحيد، وإلزام ذلك العلم إياهم، وجعله من اللوازم الذاتية لهم، بحيث إذا تجردوا عن الصفات النفسانية والغواشي الجسمانية، تبيّن لهم ذلك وانكشف عليهم أظهر شيء وأبينه، وهو إشهادهم على أنفسهم، لكون ذلك العلم فطرياً لهم حينئذ، وإجابتهم لذلك بقولهم: "بلى"، قبولهم الذاتي.
ونقض ذلك العهد انهماكهم في اللذّات البدنية والغواشي الطبيعية، وتعبّدهم للهوى والشيطان، بحيث احتجبوا عن علم التوحيد ومعارف الإيمان.
وعداوة الشيطان لبني آدم، هي اضلالهم عن الصراط المستقيم، المؤدي بسالكه إلى الوصول بالحق وجنة النعيم، ودعوته إياهم إلى ما فيه هلاكهم.
وإنما قال: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} لأنه مجبول على عداوتهم، إذ شأنه الوسوسة في الصدور، وجِبِلّته الأمر بالفحشاء والمنكر والبغي، والوعد بالشر والتوعّد على الخير.
تذكرة لوحيه فيها تبصرة عرشية
إن أردت - أيها الراغب إلى فهم أسرار القرآن ودرك أغواره - أن تسمع كلاماً في كيفية عبادة أفراد النفوس الآدمية للشيطان وطاعتهم لجنوده، فاستمع لما يتلى عليك إنشاء الله من تحقيق الكلام وتبيين المرام بأصول عقلية هي دعائم لكشف هذا المقام - والله ولي التوفيق والإلهام -:
الأصل الأول
إن لله تعالى صفتين متقابلتين من بين الصفات المتقابلة، اسمهما "الهادي" و "المُضِلّ"، وبإزائهما في المخلوقات معاني وصفات متضادة، وأفراد وأنواع متفاسدة متعاندة: كالوجوب والإمكان، والخير والشر، والنور والظلمة، والعلم والجهل، والسعادة والشقاوة، والتوفيق والخذلان، والمَلَك والشيطان، والرحمة والغضب، والجنة والنيران، والدنيا والآخرة - إلى غير ذلك من الأمور المتقابلة المنسوبة في سلسلة المعلولية والحاجة إلى الله -.
أما أحد الطرفين - وهو الأشرف، فأولاً وبالذات وبالأصالة، وأما الطرف الآخر، فثانياً وبالعَرَض وعلى سبيل التبعيّة والاستجرار، اللازمة لقصور القوابل الإمكانية عن قبول الفيض والرحمة من الحق الصرف، والنور المحض على التمام من غير نقص وآفة، لقوله:
"سبقت رحمتي غضبي" فالخيرات كلها برضاه، والشرور كلها بقضاه، وبهذا يدفع شبهة الثنوية القائلة بوجود مبدأين قادرين بالذات.
فالملائكة كلهم مخلوقون من نور رحمة الله، والشياطين صادرة من نار غضبه. والإنسان في أول الفطرة حاصل من الله تعالى بحسب أسمائه المتقابلة، ممتزج من جهتي نور وظلمة، مخمّر طينته ببديه أربعين صباحاً، مركّب من روح وبدن، وسر وعَلَن، أما روحه: فجوهر لطيف نوري علوي سماوي، حاصلة من نفخته تعالى: وأما بدنه: فجوهر كَدِر ظلماني أرضى سفلي، حاصل من تركيب الأجساد وامتزاج الأضداد.
وقلبه - أي نفسه الناطقة -: واقع بين الطرفين، متوسط بين النشأتين، له وجه إلى البدن وقواه الجسمانية، ووجه إلى الروح وقواه الروحانية، وله قوتان علميتان إحداهما كالمَلَك - بحسب أصل الفطرة - وهي "القوة العاقلة"، وأخراهما كالشيطان - بحسب الفطرة - وهي "القوة الوهمية".
وله أيضاً قوتان اخريان عمليتان، إحداهما كالبهيمة، وكالمرأة الفاسقة، اسمها "الشهوة"، وفعلها طلب اللذة والنفع، واخراهما كالسَّبُع الضاري وكالرجل الظالم اسمها "الغضب"، وفعلها الانتقام والغلبة.
ولكل من هاتين القوتين فروع وخدم كثيرة لا يمكن حصرها ولا يعلم عددها إلاّ الله، لقوله تعالى:
{ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ } [المدثر:31] وجميعها مخلوقة في مملكة الآدمي لعبادة الله وطاعة العقل الذي هو سرّ من أسرار الله، وخليفة الله في أرضه، مبعوث من جانبه على تسخير هذه الجنود، وصرفها فيما خلقت لأجله، ومنعها عن طاعة الوهم وعبادة الشيطان، كما يدل عليه قوله في هذه الآية: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ}.
الأصل الثاني
إن مبادئ الأفعال الإختيارية من الإنسان - سواء كانت حسنة أو قبيحة، طاعة أو معصية - أمور أربعة:
أولها: تصور الشيء الممكن إدخاله في الوجود بقدرتنا وفعلنا - جلباً أو دفعاً - والتصديق بفائدته أو ملائكته لنا بوجه.
وثانيها: الشوق، وهو توجه نفساني جِبِلّي إلى الشيء المرغوب فيه طلباً وهرباً، مبدأه قوة حيوانية ذات شعبتين، إحداهما شهوية للطلب، والأخرى غَضَبية للهرب.
وثالثها: العزم، وهو تصميم الشوق وتنفيذه، وهو قوة نفسانية ذات شعبتين هما الإرادة والكراهة.
ورابعها: قوة جسمانية مباشرة للتحريك، شأنها أن تعدّ العضلات للإنتقال، بأن تبسط العضل بإرخاء الأعصاب إلى جهة مبدئها لينبسط العضو - أي يزداد طولاً وينتقص عرضاً - أو تقبضه بتحديد (بتمديد - ن) الأعصاب إلى جهة مبدئها لينقبض العضو - أي يزداد عرضاً وينتقص طولاً -.
فهذه مبادي مترتبة للأفعال الإنسانية وبعدها عن عالم الحركة والفعل العقل العملي في الإنسان باستخدام الوهم والخيال - إن كان من أهل الخير والسعادة - أو الوهم باستخدامه - إن كان من أهل الشقاوة - ويليهما القوة الشوقية، وهي الرئيسة في القوى المحرّكة الفاعلية، كما أن العقل العملي أو الوهم هو الرئيس في القوة المدركة الباعثة، وبعد الشوقية وقبل الفاعلية هو القوة المسمّاة باللذاذة والكراهة. وآخرها هي المحرّكة المباشرة للتحريك.
الأصل الثالث
إن القلب الحقيقي للإنسان الذي هو الجوهر النطقي، مثاله مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة، فتترآى فيها صورة بعد صورة لا تخلو عنها دائماً، ومداخل هذه الآثار المتجددة في مرآة القلب، وسهام الحوادث المتواردة على هدفه في كل حال، إما من الظاهر كالحواس، وإما من الباطن كالخيال والشهوة والغضب والأخلاق الآدمية، فإنه مهما أدرك بالحواس شيئاً، حصل منها أثر في القلب، وكذلك إذا هاجت الشهوة والغضب، حصل من كل منهما أثر في القلب، وإن كفّ عن الإحساس، فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وتنتقل المتخيّلة من شيء إلى شيء، ومن صورة إلى صورة، وبحسب انتقالها ينتقل باطن الإنسان من حال إلى حال، فباطنه إذن في التغيّر والانتقال دائماً من هذه الأسباب.
وأحضر (أخص - ن) الأسباب الحاضرة فيه هي "الخواطر"، أي الأفكار والأذكار التي من أنواع الإدراكات والتصورات، إما على الورود التجددي، أو على سبيل التذكر والإستعراض من المحفوظات في الحافظة بالقوة المسترجعة وهي المسماة بالخواطر، وهي المحركات للإرادات والأشواق، فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور ماهية المَنْويّ بالبال، وحصول صورته في الخيال، فمبدء الأفعال "الخواطر"، ثم الخاطر يحرّك "الرغبة"، والرغبة تحرك "العزم"، والعزم يحرك "النية"، والنّية تحرك الأعضاء بالقبض والبسط كما مرّ.
الأصل الرابع
إن لله تعالى في العالم مخلوقين، هما مؤثران آخران في قلوب بني آدم فوق ما ذكرنا من المبادئ الأربعة، أحدهما بالخير والسعادة، والآخر بالشر والشقاوة، اسم أحدهما "المَلَك"، وهو مخلوق من نور رحمة الله، والآخر "الشيطان"، وهو مخلوق من نار غضبه.
وإلى هذين الصنفين وقعت الإشارة بقوله عليه وآله الصلاة والسلام:
"قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمٰن يُقَلّبه كيف يشاء" .
وروي أيضاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إن للشيطان لمّة بابن آدم وللملك لمّة. فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمده، ومن وجد الآخر فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم" - ثم قرأ: { ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً } [البقرة:268].
وتحقيق إثبات هذين المؤثرين في القلب الإنساني مما ذكرناه في مقامه مستقصى، وتلخيص القول فيهما، أما في المؤثر الرحماني: فهو أن الأمور النادرة الواقعة في هذا العالم من خوارق العادات، مثل الخسف والزلزلة والزجر والوباء العام والقتل العام على أمّة كفرت، مما لا يمكن أن ينسب إلى عناية الحق الأول والعقول الصريحة بالذات - كما حقّقه بعض الحكماء - بل بواسطة مدبر يفعل الأشياء بقصد جزئي، ويتخيل الأمور وينفعل عن دعاء المظلومين، فيجيب الدعوات إغاثة للملهوفين، وينتقم من الظلمة، ويفعل العقوبات، ويعذب قوماً حلّ عليهم غضب الجبار، كل ذلك بإذن من الحق ورحمته في إيجاد هذا الموجود الملكي على سبيل العناية.
فقال بعضهم: "إنه نفس منثبتة (منبثة - ن) بعالم الكون والفساد"، والأكثر من الحكماء أنه نفس متولدة عن العقول والنفوس السماوية، وخصوصاً نفس فلك الشمس والفلك المائل، وأنه يدبر لما تحت فلك السماء بمعاضدة الملائكة المتعلقة بالكواكب والسماوات، وبسطوع أنوار الرحمة الإلهية المنبثة في عالم العقول، وقد لزم من تصوره بوجه الخير، انفعال المادة العنصرية وتلبسها في الخارج بصورة ذلك المعقول.
قال ابن سينا في بعض كتبه: "يشبه أن يكون ذلك حقاً، فلا ينبغي أن ينكر أمثال هذه الوقائع في بدن العالم ونفسه، فإن العالم مشتمل على قوى فعّالة ومنفعلة تحدث منها أمور عجيبة نادرة حادثة، مرغمة لأنوف أعداء الله الجاحدين للنبوات".
وأما في المؤثّر الشيطاني، فهو أنه ينبغي لك أن تتصور أولاً ما قد وضح لنا بالكشف الصحيح المطابق للعقل الصريح، أن في مقابلة ذلك المبدء للعالم على وجه الخير والصلاح، المتكون في قوى الأجرام الفلكية، موجوداً آخر نفسانياً صرفاً متولداً من طبقة دخانية نارية يغلب عليها الشرارة والإغواء والإضلال، وتكون مدركاته من باب الأوهام الكاذبة والأقيسة الداحضة، وتكون له سلطنة بحسب الطبع على الأجسام الدخانية والبخارية وقواها ونفوسها الجزئية وطبائعها، فتطيعها تلك النفوس والقوى، لمناسبة النقص والخسّة، ويكون المسمى بـ "إبليس" الوارد في الكتب الإلهية وألسنة الأنبياء، هو هذا الشرير المغوي المُضل. وكونه مجبولاً على الإغواء والإفساد، وإدعاء الاستكبار والعلو، كما يستفاد من قوله تعالى:
{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } [ص:75]. إنما هو بمقتضى طبعه الغالب عليه النارية الموجبة للإهلاك، والعلو المكاني الموهم لعلو المكانة والمنزلة.
وأما وجه تأثيره في نفوس الآدميين الموهم لعل المكانة والمنزلة.
وأما وجه تأثيره في نفوس الآدميين بالشر، أما من جانب المؤثر فللطافته وسرعة نفوذه في عروقهم ودمائهم التي هي محالّ الشعور والإعتقادات، واقتداره على إغوائهم بالوسوسة والتخيلات، وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم الآدمي ودمه، فسلطنة الشيطان أيضاً سارية في لحمه ودمه، ويحيط بالقلب الذي هو منبع الدم المركّب للروح البخاري، الحامل للقوى الوهمية والشهوية والغضبية، ولذلك ورد في الحديث النبوي:
"إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم" .
وكما لا يتصور أن ينفك آدمي من وسواس، فلا يتصور أن ينفك من شيطان، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): "ما من أحد إلاّ وله شيطان" .
وهذه الشياطين الجزئية من فروعات ذلك الموجود الشرير الذي ذكرنا، كما أن العقول الجزئية الإنسانية من آثار الملك الملهم بالخيرات.
وأما من جانب القابل، فلقصور القوى الدرّاكة لأكثر الناس، وضعفها عن المعارضة والمدافعة والمجاهدة مع جنوده وأحزابه من القوى لا سيما "الوهمية"، إلاّ من عصمه الله من عباده المخلصين، الذين أيّدهم الله بالعقل القويم وهداهم إلى الصراط المستقيم:
{ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } [المجادلة:22]، وذلك لأجل تسخيرهم قواهم البدنية وخصوصاً الوهمية التي هي أحد أعداء الله، المجيبة لدعوة الشيطان، إذا لم يسخره العقل المهتدي بنور رحمة الرحمان.
الأصل الخامس
إن الله خلق للعقل الإنساني جنوداً كثيرة لتكون مطيعة له معينة عليه، خادمة إياه في طريق سفره إلى الله وسعيه، ولهذا خلقه وخلقها، إذ خلق الإنسان في أول حدوثه ضعيفاً في خلقته، ناقصاً في فطرته، وفي وقته إدراك عظمة الله وصفاته وآياته، وله استعداد الترقي من مرتبة إلى مرتبة، حتى يصل إلى المعبود الحق، ولا بد لكل مسافر في طريق مخوف فيه أعداء وقطّاع من مركب وزاد وخدم، فمركبه مادة البدن، وزاده العلم والتقوى، وجنوده الأعضاء والقوى، وعدوّه الشيطان، وقطّاع طريقه الدواعي النفسانية والوهمية.
وهذه الجنود على صنفين: صنف يُرى بالأبصار - وهي الأعضاء والجوارح -، وصنف لا يُرى بالأبصار ولا يدرك بالحواس الظاهرة - وهي القوى والمشاعر - وجميعها خلقت خادمة للعقل مسخّرة له بسبب فطرتها، وهو المتصرف فيها والمحوّل لها بإصبعيه العاقلة والعاملة، وهي مجبولة على طاعته.
أما الجند الأول فلا يستطيعون له خلافاً ولا عليه تمرداً، فإذا أمر العين للانفتاح انفتحت، وإذا أمر الرِّجْل للحركة تحركت، وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم، وكذا سائر الأعضاء.
وأما الجند الآخر، فهي أيضاً كذلك، إلاّ أن الوهم له شيطنة الفطرة، يقبل إغواء الشيطان ومغاليطه فيعارض العقل في المعقولات، فيحتاج إلى تأييد من جانب الحق ليقهره ويغلب عليه، وتَسَخُّر الحواس للعقل يشبه من وجه تَسَخُّرَ الملائكة السماوية لله تعالى، حيث إنهم جُبلوا على الطاعة، لا يستطيعون له خلافاً، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وتمرد الوهم عن طاعة العقل يشبه تمرد الشيطان عن طاعة الله - وهذا مما يطول شرحه -.
ومن رؤساء جنود العقل "الشهوة" و "الغضب"، وهما قد ينقادان له انقياداً تاماً، فيعينانه على طريقه الذي يسلكه، وقد يستعصيان عليه استعصاء بغي وتمرد لأجل طاعة الوهم المطيع للشيطان، حتى يملكانه ويستعبدانه، وفيه هلاكه وانقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد.
وللعقل فوق ذينك الجندين جند إلهي، هو "العلم" و "الحكمة"، وحقّه أن يستعين بهذا الجند، لأنه حزب الله، على الجندين الآخرين، الملتحقين بحزب الشيطان الذي هو القوة الوهمية، فإن من ترك الاستعانة به - كما هو حال أكثر الناس من أعداء الحكمة وأولياء الوهم - فقد سلط على نفسه الشهوة والغضب، وهلك يقيناً وخسر خسراناً مبيناً.
وإني في مدة عمري ما رأيت أحداً من المعرضين عن تعلم الحكمة إلاّ وقد غلب عليه حب الدنيا وطلب الرياسة فيها، والإخلاد إلى الأرض، وقد صار عقله مسخّراً لشهوته في استنباط وجوه الحيل للوصول إلى المستلذات النفسانية، حتى استهواه الشيطان واستجاب لدعوته وكيده، فجعل آخر الأمر في نظم جنوده وأوليائه، وخرج عن الانتظام في سلك حزب الله وأوليائه - نعوذ بالله منه -.
وفي أدعية الصحيفة الملكوتية لمولانا وسيدنا علي بن الحسين (عليهما السلام) ما وقع الاستعاذة به عن مثل ذلك من قوله: "اللهم اجعلنا في نظم أعدائه، واعزلنا عن عداد أوليائه، لا نطيع له إذا استهوانا، ولا نستجيب له إذا دعانا، اللهم واهزم جنده، وأبطِلْ كَيده، واهدم كهفه، وأَرْغِم أنفه".
الأصل السادس
في استئناف القول في الخواطر وتقسيمها إلى خاطر الخير وخاطر الشر.
اعلم أن الخواطر المحرّكة للرغبة والرهبة في القلب الإنساني، تنقسم إلى ما يدعو إلى الخير - أعني ما ينفع في الدار الآخرة -، وإلى ما يدعو إلى الشر، - وهو ما يضرّ في العاقبة -، وهما خاطران مختلفان، فافتقرا إلى اسمين مختلفين، فالخاطر المحمود يُسمى "إلهاماً"، والخاطر المذموم يُسمى "وسواساً"، وكل منهما ينقسم عند أرباب الرياضيات والخلوات بدقيق تأملاتهم ولطيف أفهامهم وتصرفاتهم بقسمين:
أما الأول: فإلى الرحمان والملكي، وأما الثاني: فإلى الشيطان والنفساني.
ولسنا الآن نشتغل بتحقيق كل قسم من قسمي القسمين بخصوصه لعدم الحاجة إليه فيما كنّا بصدده من بيان كيفية خصومة الشيطان لابن آدم، أي القوة العاقلة، التي هي نتيجة الروح الأعظم والعقل الكلي الفعّال، وهي حقيقة الإنسان، وبيان العداوة الواقعة بينه وبين أعداء الله، وكيفية المحاربة والمجاهدة بين حزب الله وحزب الشيطان.
ثم أنك قد علمت أن هذه الخواطر حادثة لما أشرنا إليه، وكل حادث لا بد له من سبب، ومهما اختلفت المعلولات، دلّ اختلافها على اختلاف العلل، وكما أن اتفاقها في أصل الإمكان دلّ على افتقارها إلى قيّوم واحد، وجوده - كوحدته - عين ذاته، فكذلك اختلافها يحتاج إلى أسباب مختلفة متوسطة بينها وبين مسبب الأسباب، وهذا - مع قطع النظر عن الأنظار البرهانية - معروف في سنّة الله تعالى وعادته في ترتيب المسبّبات على الأسباب، فمهما استنارت مثلاً حيطان البيت وأظلم سقفه واسودّ بالدخان، علمت أن سبب الأسوداد غير سبب الإستنارة، فحكمت بأن سبب الإستنارة نور النور، وسبب الاستظلام ظلمة الدخان.
كذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان: فسبب الخواطر الداعي إلى الخير في عرف الشريعة يسمى "مَلَكاً"، وسبب الخواطر الداعي إلى الشر يسمى "شيطاناً"، واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام المَلَك يسمى "توفيقاً"، والذي به يتهيأ لقبول وسوسة الشيطان يسمى "إغواءاً" و "خذلاناً"، فإن المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة.
وقد مرّ في الأصل الرابع، بيان ماهية المَلَك والشيطان، وأن أحدهما عبارة عن خلقٍ شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم، وكشف الحق والوعد بالمعروف، وقد خلقه الله وسخّره لذلك. والآخر عبارة عن خلقٍ شأنه ضد ذلك، وهو الوعد بالشر والتخويف، كما دلّت عليه الآية المنقولة، وقوله تعالى:
{ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ } [فاطر:6]. وهما جوهران مُسَخّران لقدرته في تقليب القلوب، كما أن لك أصابع مسخرة لقدرتك في تقليب الأجسام، كما دلّ عليه الحديث المنقول، فإنه يتعالى أن يكون له اصبع جسماني مركب من لحم وعظم ودم منقسم بالأنامل، ولكن روح الإصبع ومعناه - كما ذكره بعض أعاظم المحققين - واسطة التحريك والتقليب، والقدرة على التغيير والتصريف، وكما أنك تفعل بأصابعك فالله سبحانه إنما يفعل ما يفعله باستسخار المَلَكَ والشيطان، وبهذا جرت حكمته واستمرت سنّته في نظم الأمور وترتيب الأشياء، لتكون أسباباً لمعرفته، وطرقاً إلى جنابه، وإلاّ فذاته غني عن العالمين، والوسائط مقهورة تحت قدرته النافذة ونوره القاهر.
الأصل السابع
إن القلب الإنساني، لصفائه ولطافته، صالح في أصل الفطرة الهيولانية لقبول آثار المَلَكية والشيطانية صلاحاً متساوياً، وإنما يترجّح أحد الجانبين باتّباع الهوى والانكباب على الشهوات، أو الإعراض عنها ومخالفتها، فإن اتّبع الإنسان مقتضى شهوته، ظهر تسليط الشيطان بواسطة الأوهام الكاذبة والخيالات الفاسدة المشيرة إلى اتباع الهوى والشهوات. فصار القلب عشّ الشيطان ومعدنه، والبدن مملكة جنوده، لأن الهوى مرعى الشيطان ومرتعه، لمناسبة ما بينهما ونحو من الاتحاد.
وإن جاهد الشهوات، ولم يسلّطها على نفسه، ولم يذعن لها، بل عارضها بمدد البرهان اليقيني على وجود نشأة ثانية باقية تضاد هذه النشأة الداثرة الفانية، ودافع هذه الظنون والأوهام الكاذبة المستدعية للشهوات والركون إلى الدنيا والوتوق بلذّاتها، والإخلاد إلى الأرض، والإقتصاد على هذه النشأة الناقصة الزائلة، وتشبّه بأخلاق الملائكة في اقتناء المعلومات الإلهية، وتَذَكّر المعارف اليقينية، واستنّ بقوة الإيمان بسنّة الأنبياء والأولياء في ترك الدنيا والزهد فيها، صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم، ينزل كل يوم بزيارته كما بينّا في موضعه.
ولما كان كل واحد من الناس، ما دام في هذا العالم لا يخلو عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل، إلى غير ذلك من الصفات البشرية، المتشعبّة عن الهوى المتّبع للقوة الوهمية التي شأنها إدراك الأمور على غير وجهها، فلا جَرَمَ لا يخلو الباطن عن جولان الشيطان فيه بالوسوسة، إلاَّ من عصمه الله.
ولذلك
"قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما منكم إلاّ وله شيطان.
قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): وأنا، إلاّ أن الله أعانني عليه فأسلم على يدي"
.
فمهما غلب على النفس ذكر الدنيا ومقتضيات الهوى ومستلذات الشهوات، وجد الشيطان المتدرع بها مجالاً فوسوس لها، ومهما انصرفت النفس إلى ذكر الله، ارتحل الشيطان وضاق مجاله، فأقبل المَلَك وألهم، والنفس هيولانية الوجود، لها قابلية الإرتباط بكل من المَلَك والشيطان بتوسط قوتيه العقلية والوهمية، باستعانة انكسار القوى الشهوية والغضبية والوهمية، وفتورها واستيلائها وسَوْرَتها، وأكثر النفوس مما قد فتحها وسخّرها جنود الشيطان وملوكها، فامتلأت بالوسواس الداعية إلى إطّراح الآخرة وإيثار العاجلة.
الأصل الثامن
في كيفية قبول الإنسان كلاًّ من الإلهام والوسوسة من المَلَك والشيطان.
اعلم أن حصول الإلهام من المَلَك، والوسوسة من الشيطان، يقع في قلب الإنسان على وجوه أربعة:
أحدها: كالهوى والشهوة الصادرتين عن جانب شمال القلب، في مقابلة العلم واليقين، الحاصلتين في جانب يمينه.
وثانيها: كالصور العلمية الحاصلة من هيئة العالم الكبير، الذي هو كصورة العالم الإنساني، وهي بمنزلة عقبة بين الوسوسة والإلهام، من حيث إنك لو نظرت إلى آيات الآفاق والأنفس على سبيل الاشتباه والغفلة والإعراض عنها - كما وقع لعوام الناس والمقلدين -، فشأنك منها الشبهة والوسواس في الواهمة والمتخيّلة، وهما على جانب الشمال
{ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } [يوسف:105] وفي الحديث: "ويل لمن تلى هذه الآية ثم مسح بها سبلته" والآية { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } [البقرة:164] - إلى آخرها -.
وإذا نظرت إلى تلك الآيات على سبيل النظام والإحكام مع التدبّر اللائق والتأمل التام، زالت عنك الشكوك والأوهام، وحصلت المعرفة واليقين في القوة العاقلة التي هي على جانب اليمين، وصرت من الملائكة المقربين، وخرجت من جنود الشياطين، فإن الآيات المحكمات بمنزلة الملائكة والعقول والنفوس الكلية، لأنها مبادئ العلوم البرهانية، والمتشابهات بمنزلة الشياطين والنفوس الوهمية والخيالية، لأنها مبادئ المقدمات السفسطية.
ومن الحكايات في هذا الباب، بعد ما ذكر أن سبب وقوع النفوس الإنسانية في هذا العالم أولاً، ومنشأ ابتلاء بني آدم بهذه البليّات الدنيوية التي أحاطت بهم من الذنوب والمعاصي، كانت هي الخطيئة الواحدة التي اكتسبها أبوهم "آدم" وأمهم "حواء" لمّا ذاقا الشجرة وبدت لهما سوآتهما - لنقص امكاني في جوهريهما، وقصور جِبِلّي في ماهيتيهما - هو أنه:
لما تمّت حيلة إبليس على آدم، ونال بغيته بإيصال الأذيّة إليه، وبلغ أمنيته بإيقاع الوسوسة عليه، سأل ربه بوسيلة بعض صفات الله كالعزة والجلال، الإنظار إلى يوم يبعثون - فأجيب ِإلى يوم الوقت المعلوم -، أخذ لنفسه جنة غرس فيها أشجاراً، وأجرى فيها أنهاراً، ووضع فيها أشكالاً وهيئات وتماثيل، وصوراً شبيهة بما في الجنة من الصُّوَر الحسان، ليشاكل الجنة التي أسكنها الله آدم وقاس عليها، وهندس على مثالها هندسة فانية لا بقاء لها، وجعل مسكن أهله وأولاده وذريّته وجنوده، وهي كمثل السراب الذي يحسبه الظمآن ماءاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
وذلك أنه كان من الجن، ومن شأن الجن - كما قيل - التخييل والتمثيل لما لا حقيقة له، كذلك فِعْلُ إبليس وجنوده، إنما هو تمويه وتزويق ومخاريق وتنميق لا حقيقة لها ولا حق عندها، كالقياس المغالطي السفسطي، ليصّد بها الناس عن سنن الحق والصراط المستقيم، وبذلك وعد ذرية آدم كما حكى الله عنهم بقوله:
{ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } [الأعراف:17].
وثالثها: متابعة أهل الجحود والإنكار، وأهل التعطيل والمشبّهة والكفّار، في مقابلة طاعة الرسول المختار، والأئمة الأطهار، والعلماء الأخيار - صلوات الله عليهم من العزيز الغفّار -، فكل من سلك سبيل الضلال، فهو بمنزلة الشياطين، ومن تابعه فقد تابع الشيطان اللعين، وكل من سلك سبيل الهداية، فهو من حزب الملائكة، ومن تابع أهل الله وذوي الإلهامات الحقة، فقد تابع أنبياء الله وملائكته المقدّسين الملهمين للإيمان واليقين:
{ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } [النساء:80].
ورابعها: من جهة الغايات وباعتبار الدرجات، فإن التوجه إلى الملائكة العقلانيّة والمهيّمة والمدبرات الكلية الملكوتيّة، يوجب الحشر إليهم، والانخراط معهم، واستفاضة المعارف منهم، وكانت العلوم المستفاضة منهم من قبيل التعقلات والإلهامات الكلية، ويقابله التوجه إلى الأبالسة المحجوبة عن الله، المطرودة عن جناب القدس، المحبوسة في الظلمات، واكتساب الحيل والخديعة والمكر، وكان المستفاد منها من قبيل الأفكار الجزئية المتعلّقة بالأمور السفلية.
فالإنسان على الوجه الأول شابه الملائكة وجنود الرحمان، وعلى الثاني شابه الشياطين وَمَرَدَةَ الجن، المحبوسة في طبقات الجحيم، المحرومة في الدنيا عن الارتقاء إلى ملكوت السماء، المحجوبة في الآخرة عن الجنة والنعيم.
وقد انكشف من هذا، أن طبقة من الجن، وحزباً من مَرَدَةَ الشياطين، حيث سقطت درجتهم عن درجة الملكوت مما لا اقتدار لهم على فعل الضرر على أولياء الله، لأنهم صمّ بكم عمي، مقيدون في السلاسل والأغلال في الجحيم، معذَّبون بالعذاب والنكال الأليم.
فقد ثبت أن أصل الضلال والعمى والجهل من الشيطان، وأن أصل الهدى والبصيرة واليقين من المَلَك، والله الهادي والمُضل فوق الكل، وإن اسم إبليس كاسم "شجرة خبيثة"، والشياطين بمنزلة أغصان تلك الشجرة الملعونة وتمارها، تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، فأنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون، واسم المَلَك كاسم "شجرة طيبة"، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكُلها كل حين بإذن ربها، وثمارها الحاصلة منها هي العلوم الكلية الإلهية والمعارف الحكمية الربانية.
إذا تمهدت هذه الأصول فنقول: معنى قوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ}: انه خلقتكم على فطرة العقل القادس، والبصيرة الباطنية التي لها القوة على إدراك الحقائق، والنظر في مقدمات الأمور وأسباب الأشياء وأواخرها وغاياتها، وجعلت لكم السمع والأبصار والأفئدة، والإقتدار على مدافعة تسويلات الوهم الموسوس بالشيطان، وقهره بنور البرهان وقوة الإيمان، والإطلاع على حيله ومكره وجنوده وأحزابه وأتباعه بسلامة الذوق والوجدان.
وقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} معناه: أن الضدّية والعناد ثابتة بينكم وبينه كما بين المَلَك والجن، والنور والنار، والبرهان والمغالطة، والإلهام والوسوسة، والتوفيق والخذلان، والهداية والضلال، والسعادة والنكال.
وقوله: {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}: إنه إذا وقعت المعارضة بين البرهان والسفسطة، والحق والباطل، والعقل والوهم، وإلهام المَلَك بإيثار الآخرة على الأولى، ووسوسة الشيطان بإيثار العاجلة على الآجلة، فأطيعوا أمر الحق وامضوا حيث تؤمرون، واسمعوا قول العقل الصريح والشرع الصحيح، واتبعوا سبيل المسلمين، ولا تتبعوا أمر المفسدين، وانحرفوا عن طريق المجرمين، ولا تطيعوا أمرهم، أن هذا صراط مستقيم يؤدي إلى عالم الرحمة والقرب والرضوان، وباقي الصُرُط مُعْوَجَّةً منتهية إلى عالم النقمة والطرد والخسران، والهلاك والنيران.
تبصرة برهانية
اعلم أن هذه العبادة المشار إليها في الآية، الموجبة للكون على الصراط المستقيم، والتخلص عن الشيطان الرجيم، هو الاستقامة على طريق الحق بالعلم والعمل، وأما أصل العلم الذي أفضل جُزْئَي هذه العبادة، فهو العلم الربوبي المتعلق بذات الله وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله، وحقيقة الملائكة والشياطين، وعلم القلب وأحواله، وكيفية سلوك العبد من الدنيا إلى الآخرة، ومن الخلق إلى الحق، وطريق تخلصه عن اضلال الشيطان، واستعداده لإلهام المَلَك.
فهذه هي أصل العلوم الإيمانية التي بها يمكن للإنسان المجاهدة مع أحزاب الشيطان، وهي أصل الصراط المستقيم المدعو من الله في كل صلاة مرتين، وهو دين التوحيد المسلوك لنبيّنا وسائر الأنبياء (عليه وعليهم السلام) أجمعين، بقوله:
{ قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ } [يوسف:108] وقوله: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } [الشورى:13] وقوله: { كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } [الشورى:3].
وفي الأدعية السجّادية والصحيفة العبادية على مُرَتّبها ومُنْشئها أفضل الصلاة والتحية، وقعت الإستعاذة من شر الشيطان بهذا الأصل كثيراً، حيث قال: "اللهم أخسأه عنا بعبادتك، واكِبْته بدؤوبنا في محبتك، واجعل بيننا وبينه ستراً لا يهتكه ورَدْماً مُصْمَتَا لا يفتقه.
اللهم متّعنا من الهدى بمثل ضلالته، وزوّدنا من التقوى ضد غوايته، واسلك بنا من التقى خلاف سبيله من الردى.
اللهم لا تجعل له في قلوبنا مدخلاً، ولا توطنن له فيما لدينا منزلاً.
اللهم وما سوّل لنا من باطل فعرِّفناه، وإذا عرَّفْتناه فقِناه، وبصّرنا ما نكائده به، والهمنا ما نعدّه له، وأيقظنا عن سِنَة الغفلة بالركون إليه، واحْسِن بتوفيقك عوننا عليه.
اللهم واَشْرِب قلوبنا انكار عمله، وألطف بنا في نقض حِيَله.
اللهم واعمم بذلك من شهد لك بالربوبية، وأخلص لك بالوحدانية، وعاداه لك بحقيقة العبودية، واسْتَظهر بك عليه في معرفة العلوم الربّانية".
وأما أصل العمل، فله فنون كثيرة مرجع الجميع إلى سلامة القلب عن كدورة الشهوة وغشاوة الغضب، ولا شيء للإنسان بعد المعرفة أنفع من سلامة قلبه من الكدورات والغواشي
{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء:88 - 89].
وهذه المرتبة هي التي أمر الله بها خليله (عليه السلام):
{ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [البقرة:131] { فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً } [الجن:14] فكل من سلم قلبه فقد فاز بدرجة الإسلام الحقيقي، وهذه أيضاً مما لا يتيسّر إلاّ بتوفيق الله حسبما قدّر له في الأزل أن يكون من جملة الأخيار، آمناً من سخط الجبّار، كما قال تعالى: { مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ } [آل عمران:179] فالمؤمن بالحقيقة من يتميز خبيثته الجسماني الشيطاني عن طيبته الروحاني المَلَكي.
تقسيم استكشافي
اعلم أن القلوب الإنسانية في الثبات على الخير وعبادة الحق، أو الشر وعبادة الشيطان، أو التردد بين الطرفين، على ثلاثة أقسام، كما ذكره بعض علماء الإسلام:
أحدها: قلب عمر (طهر - ن) بالتقوى وزكى بالرياضة، ونقى عن خبائث الأخلاق، وتنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الملكوت، فيصرف عقله إلى التفكر في عواقب الأمور والنظر في مقدماتها، ويطلع على أسرار الخيرات والطاعات، وينكشف له بنور البصيرة جهة الخيرية فيها، فيحكم عقله بأنه لا بدّ من فعلها، وترك أضدادها من المعاصي، فيدعوه إلى العمل الخير، وينهى نفسه عن العمل الشر، فينظر المَلَك الهادي والمعلم للحقائق إلى قلبه - أي نفسه الناطقة - فيجده طيّباً بجوهره، طاهراً بتقواه، مستنيراً بضياء العقل، فأفاض عليه أنوار المعرفة والهدى، وأيّده بجنود لا ترى، ويهديه إلى خيرات أخرى، وإلهامات تترى، حتى ينجرّ الخير إلى الخير، ويحشر النور إلى النور.
وفي مثل هذه اللطيفة الربانية، يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى لا يخفى فيه الشرك الخفي، الذي هو "أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء"، ولا يؤثر فيه شيء من مكائد الشيطان، بل يقف على باب قلبه ويوحي زخرف القول غروراً، وهو لا يلتفت إلى مكره، ويتوجه إلى الله وذكره، وإلى مثله الإشارة في قوله تعالى:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } [الأعراف:201].
وثانيها: قلب مخذول مشحون بالهوى، ومقهور للشهوات، مفتوح عليه أبواب الشياطين، مغلق عليه أبواب الملائكة، ومبدء الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويحبس فيه صورة من الشهوة، فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي منه، وهو قد ألِفَ خدمة الهوى فأَنِسَ به، واستمر على مساعدة الهوى واستنباط وجوه الحيل في جواب فتواه، فيشير إلى قوله، فينشرح الصدر بالهوى، وينبسط فيه ظلماته لانحباس نور العلم عنه، وانقهار جند العقل عن مدافعة الوهم، فيقوى سلطان الشيطان لاتّساع مكانه بسبب انتشار الهوى، فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني، ويوحي بذلك زخرفاً من القول غروراً، فيضعف سلطنة البرهان على خوف القيامة، ويحجب نور الإيمان بالوعد والوعيد، إذ يتصاعد إلى القلب دخان مظلم من الهوى، يملأْ جوانبه، ويطفيء سراج العقل وتصير البصيرة الباطنة كالعين التي ملأ الدخان أجفانها، فلا يقدر أن يرى الأشياء كما هي.
وهكذا تفعل غلبة الشهوة وحب الجاه وطلب الرياسة بالإنسان، ولو بصرّه أحد بعيوب نفسه بالوعظ والنصيحة، ويوقظه من هذا النوم الغالب عليه، وينبهه من هذه الغفلة المحيطة به، ويستفيقه من هذا الشراب الذي أسكره، ويسمعه ما هو الحق الصريح، عمي عن الفهم وصم عن السمع، كما أشير إليه بقوله تعالى:
{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [البقرة:171] وهاج شهوته وطغى غضبه، وصال عليه كالسَّبُع الضاري والكلب العقور، وتحركت جوارحه على وفق الهوى، واشتد مرضه المزمن، واشتعل نار غيظه الخامد، وانتشر دمه الفاسد في ظواهر جلده الجامد، متكلماً بحديثه البارد في تخطئة هذا الناصح الفقير بصوته النكير، طلباً للانتقام وتشفيّاً في حقده بالاقتحام، فظهرت المعصية عنه في عالم الشهادة من خزائن الغيب بقضاء الله وقدره.
وإلى مثل هذا القلب أشار تعالى بقوله:
{ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } [الفرقان:43] - إلى قوله - { بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } [الفرقان:44] وبقوله: { لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } [يس:7] - إلى قوله - { أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } [يس:10] ورُبّ قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات دون بعض.
اعلم أن كلاً من هاتين الطائفتين مشغوف بما عنده، مغرور بما لديه، فرحان بما يجري على يديه
{ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } [المؤمنون:53]، فكما أن المحق مشغوف بما لديه من الحقائق والإلهامات والبراهين النّيرة الواضحة والمعارف الحقة الدائمة، فكذا المبطل مسرور بما عليه من الوساوس المتبدلة والوهميات الكاذبة، مغرور بالأماني الشيطانية والمزخرفات العامية والمقدمات المشهورة الجمهورية، التي تستعمل في جلب القلوب وتكثير الشعوب.
فانظر إلى أنه كيف حكى الله تعالى كيفيه مناظرة وقعت بين محق ومبطل، فالمحق هو شيخ الموحدين إبراهيم الخليل - على نبيّنا وعليه سلام الله الملك الجليل - والمبطل هو نمرود اللعين، الذي هو من جملة الشياطين، في قوله:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ } [البقرة:258].
فتأمل في أنه إذا كان هذا المقدار من الإحياء والإماتة، الذي قد كان للملوك من اقتدارهم على قتل أحد وتخليص آخر من القتل، موجباً للاشتباه والإغترار والمغالطة، حيث ادعى الملعون أن ما سماه بالإحياء والإماتة إحياء حقيقي وإماتة حقيقية، فكيف في غير ذلك بسبب اغترار الشيطان وجنوده في أكثر المباحث العنادية من هذا القبيل، ومرجعه إلى القياس الفقهي الذي ورد أنه "أول من قاس به إبليس" في مقابلة النص، إذ كل ما يوجد في عالم الملكوت يوجد مثاله في عالم الدنيا، وكل ما يوجد في قلب من استولت عليه الرحمة من الإلهامات والكرامات وغيرها يوجد أمثاله وأظلاله الباطلة الفانية في نفس من استولت عليه الجهة الظلمانية الشيطانية، من الوساوس والأماني وغيرها.
وقد قيل: "العلم علمان، علم بالقلب وعلم باللسان"، نعوذ بالله من شريرٍ عليمِ اللسان جهولِ القلب، فوامصيبتاه من علماء الجهالة وصلحاء الإفساد، الذين هم من علماء الدنيا وجهّال الآخرة، المتذكرين لأداب صحبة الخلق، الناسين لآداب صحبة الرب، المقبلين على دقائق علومهم الدنيوية، المعرضين عن حقائق علوم الآخرة، وواشوقاه إلى لقاء الأشباه - ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين -.
وثالثها: قلب متردد بين طاعة الحق وطاعة الشيطان، فالمطاردة قائمة في هذا القلب بين جنود الرحمان وجيوش الشيطان، بخلاف القسمين الأولين، فإن في الأول تكون الجنود مطيعة عابدة لله، والأحزاب مؤتمرة بأمر رسوله، منهية بنهيه، والمملكة الآدمية مفوضة لخليفة الله من القوة الملكية العقلية، وفي الثاني تكون الجنود خادمة تابعة للشيطان، جارية فيها حكمه، والمملكة مسخّرة للهوى الذي هو أحد أولياء الشيطان، وأما هذا الثالث، فالمطاردة قائمة في معركة روحه النفساني، إلاّ أن يغلب أحد الجندين حسب ما جرى في قضاء الله وقدره، ويفتح الله المملكة لأحدهما، ولا يكون للآخر إلاّ الإجتياز، - لا التوطن والاستقرار -.
وكيفية هذه المطاردة بين الحزبين، أنه يبتدئ في القلب أولاً خاطر الهوى، وهو من جنود الشيطان، فيدعوه إلى الشر، فيلحقه خاطر الإيمان وهو من جنود الملك، فيدعوه إلى الخير، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر، فتقوى الشهوة وتحسّن التمتّع والتنعّم.
فينبعث العقل إلى نصرة خاطر الخير، ويدفع في وجه الشهوة ويقبّح فعلها وينسبها إلى الجهل، ويشبّهها بالبهيمة والسبع في تهجمّها على الشر وقلّة اكتراثها بالعواقب، فتميل النفس إلى نصح العقل.
فيحمل الشيطان حملة على العقل ويقوي داعي الهوى، ويقول: "ما هذا التحرج البارد والتزهد اليابس، لِمَ تمتنع عن هواك وتؤذي نفسك؟ وهل ترى أحداً من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه؟ أفتترك ملاّذ الدنيا لهم فيتمتعون فيها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروماً شقياً متعوباً يضحك عليك أهل الزمان؟ أتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان، وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمتنعوا؟ أما ترى العالِم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك، ولو كان ذلك شراً لامتنع منه؟" فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه.
فيحمل الملك حملة على الشيطان ويقول: "هل هلك إلاّ من اتّبع لذة الحال ونسي العاقبة والمآل؟ أفتقتنع بلذة يسيرة وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد؟ أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك؟ ولا تستثقل ألم النار؟ أتغترُّ بغفلة الناس عن أنفسهم واتّباعهم هواهم ومساعدتهم للشيطان، مع أن عذاب النار لا يخفف عنك بمعصية غيرك؟ أرأيت لو كنت في صيف ووقف الناس كلهم في الشمس، وكان لك بيت بارد، أكنت تساعد الناس، أو تطلب لنفسك الخلاص؟ فكيف تخالف الناس خوفاً من حرّ الشمس ولا تخالفهم خوفاً من حرّ النار؟ فعند ذلك تميل النفس إلى قول الملك.
وإلى ها هنا تكون المطاردة بين الجندين لجمهور الناس، ويختص المنسوبون إلى العلم والفقه بمراتب أخرى من المدافعة بينهما، وهي أنه بعد ذلك يحمل الشيطان حملة أخرى وهي: "إن الله سمى نفسه "غفوراً رحيماً"، فغفرانه إنما يتحقق بفعل المعاصي منّا، فلِمَ تتأبّ أيها العقل عن الراحة وتتعب نفسك وبدنك بهذه الرياضة الشاقة؟ ولنفسك عليك حق، وإن العمر طويل - فاصبر".
فيحمل الملك تارة أخرى فيقول: "أيتها النفس! إن العقوبات الإلهية على الخطيئات ليست من قبيل الانتقام، بل هي من لوازم المعاصي وتبعات الذنوب، والله سبحانه حكيم عادل ومغفرته لا توجب قلب الحقائق، وترك الراحة القليلة لأجل السعادة الأبدية مما تقتضيه بديهية كل عقل، وحق الله أعظم من كل حق، وطول العمر مما ليس إلينا، فلعله لم يكن إلاّ ساعة، وقد ورد أن "أكثر صيحة أهل النار من تسويف التوبة".
ثم ليت شعري أيتها النفس! هل عجزت في الحال إلاّ لقوة الشهوة، وهي ليست تفارقك يوماً آخر أو سنة أخرى، بل هي قرينك في الدنيا حتى تهلكك ان قعدت عن قلعها عن طينة قلبك".
فلا يزال يتردد هذا القلب بين الجندين، متجاذباً بين الحزبين، منقلباً بين الطرفين، والتطارد قائم في معركة الصدر الإنساني، إلى أن يغلب عليه ما هو أنسب إليه وأَوْلىٰ بحسب ما قدّره الله، ويفتح الله المملكة الإنسانية وعماراتها وبيوتاتها، ومنازلها وخلائقها وجنودها وأرباب صنائعها وحرفها، وحيواناتها البهيمية والسبعية، ونباتاتها وجماداتها، وفنون أطعمتها وأشربتها، ومياهها وأشجارها، وعمرانها وخرابها، وبرّها وبحرها لواحدة منهما، فصارت المملكة اقطاعاً لها خاصة، وتخرج عنها الثانية، وربما تخرج عنها بالكلية بحيث لا يبقى فيها عين ولا أثر.
فإن كانت الصفات التي في القلب، الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها إما فطرةً أو اكتساباً - من جهة المعاشرة مع الأشرار، والتدين بدين الكفار - غلب عليه الشيطان، ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان، معرضاً عن حزب الله وأوليائه، وجرى على جوارحه بسوابق التقدير ما هو سبب بُعده عن الله ورحمته.
وإن كان الغالب عليه الصفات المَلَكية، مال إلى حزب الله، ولم يُصْنع إلى إغواء الشيطان وتسويلات النفس الأمّارة، فظهرت منه الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه، ويكون سبب قربه من الله ووصوله إلى رضوانه.
وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب، لكونه من خزائن الملكوت، وهي أيضاً إذا ظهرت كانت علامات بها تعرف أرباب القلوب سابق القضاء فيها، فبعض النفوس ممن خلقت للجنة وغلبت عليها جهة الرحمة، ويسّر لها الطاعة وأسبابها.
وبعضها ممن خلقت للنار، يسّر لها أسباب المعصية وسلط عليها أقران السوء، وألقى في قلبها حكم الشيطان، فإنه بأنواع الوساوس يغترّ الحمقى فيهلكهم، يَعِدُهُم ويمنّيهم
{ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً } [النساء:120] كل ذلك بقضاء الله وقدره { أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } [الزمر:22] فجزاؤه الجنة الموعودة، وهو بإزاء من قسى قلبه واسودّ طبعه فجزاؤه جهنم المتوعّد عليها { فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ } [الزمر:22].
{ { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } [الشورى:20].
{ { فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ، وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } [الأنعام:125].
{ { إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ } [آل عمران:160].
فهو الهادي والمضلّ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أن الأبرار لفي نعيم وأن الفجّار لفي جحيم.
وفي الحديث الإلهي المتفق عليه، المروي في كتاب الكليني وغيره.
"خلقت هؤلاء للجنة ولا أُبالي، وخلقت هؤلاء للنار ولا أُبالي" ، والله الغني عن طاعة المطيعين، والمتعالي عن معصية العاصين، فإن آمنوا بربهم فرَوْحٌ وريحان وجنة نعيم، وذلك هو الفوز العظيم والمنّ الجسيم، وإن كفروا فنُزُولٌ من حميم وتَصْلية جحيم، وهناك سلاسل وأغلال وعذاب أليم؛ وحق الفريقين الثواب والعقاب { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ } [الحديد:13].
وقد أخرجنا أكثر هذه المعاني في عجائب القلب من كتب أهل الله، لما فيها من لطائف الأسرار وبدائع الأنظار، وعظيم النفع في كشف معنى هذه الآية المشيرة إلى معرفة ماهية الشيطان وجنوده، وكيفية عداوته وطريق التخلص عن شرّه وفساده وإغوائه، المؤدي إلى نار الجحيم وسلوك سبيل المجرمين، والنجاة عنه بنور المعرفة والإيمان وقوة الصبر والتقوى وسلوك الصراط المستقيم، وثبات القدم والعزم القويم في المجاهدة مع أحزابه التي هي من أعداء الله وقطّاع سبيل المسلمين، ولا يتخلص عن شرها وضرّها وإضلالها وإفسادها إلاّ خُلّص أولياء الله المتقين، ولذلك عقّب الآية بقوله
{وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} [يس:62].