خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٣
-يس

تفسير صدر المتألهين

وقرئ "ملكة كل شيء" و "مملكة كل شيء" واعلم أن المَلَكة كالملكوت في المعنى، كما أن المملكة كالملك فيه.
وقرئ "ترجعون" - بضم التاء وفتحها -.
فسبحان - تقديس لذاته تعالى عن مباشرة الأجسام في فاعليته وإيجاده للأشياء، وعن استعماله القوى والآلات في صانعيته للموجودات، وتنزيه له عما يوصفه الجاهلون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قاله الملحدون، و "الفاء" للتفريع على ما ثبت في الآية السابقة من كيفية صنعه وإبداعه، حيث بيّن فيها أن إيجاده لشيء عين إرادته.
وقوله تعالى:
{ كُن فَيَكُونُ } [يس:82] فيتفرع عنه تقديس الله عن القصور من الكمال والفتور في الأفعال، لأنه الذي بيده ملكوت الأشياء، وله التصرف بموجبات (بمواجب) مشيته وقضايا حكمته فيما شاء، وإليه رجوع كل شيء، لأنه الغاية الأصلية لكل ظلّ وفيء.
حكمة قرآنية فيها اشارات ربانية
أولاها: الإشارة إلى تقديس ذاته وتنزيه صفاته عن وصمة التغير والتجدد في نسبة الأفعال الحاصلة من مصادرها بالإنفعال إليه تعالى، وإبطال ما ارتكز في أوهام أقوام من أهل الكلام "إن الفاعل ليس إلاّ ما هو علة التغير" واشترط عندهم في مفهوم الفاعلية سبق الزمان موجوداً أو موهوماً.
وأما الإبداع المحض من غير اشتراط سبق زماني للفاعل بالذات على مجعوله، ولا اقترانه بعدم المجعول وهو التأييس (التأسيس) المطلق له من ليس ساذج غير زماني، فقوم لا يسمون مثل هذا التأييس (التأسيس) المطلق "فعلاً"، لاشتراطهم انتقال الفاعل من حالة إلى حالة، وسبق العدم الزماني فيه، وهو وهم باطل، إنما حداهم إليه حسبانهم إن حدوث العالم منه تعالى لا يتمشى إلاّ بهذا الوجه.
وقد أوضحنا هذه المسألة بما لا توقف لها على نسبة التغير إليه سبحانه، وفي القرآن تنبيهات بليغة على أن فعله تعالى ليس إلاّ الإبداع الصرف والتأييس (التأسيس) المحض، من غير مباشرة ولا تغير وانفعال وتكثر، وقوله: {فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} إشارة إلى تفريع الحكم السابق بأن فعله ليس إلاّ بأمره المطلق وإرادته المطلقة، الخالية عن شوب قصور ووصمة حدوث وفتور.
الاشارة الثانية
الإشعار إلى تقديس ذاته وتنزيه صفاته عن أن يكون افتقار الممكن إليه في الحدوث فقط من جهته لا في البقاء، كما ذهب إليه أيضاً أوهام هؤلاء القاصرين من المتكلمين، لما رأوا أن الابن يبقى بعد الأب، والبناء يبقى بعد البنّاء، والسخونة تبقى بعد النار، ولم يتفطنوا أن هذه الأمور ليست عللاً بالحقيقة، فوقعوا في الغلط بسبب "أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات".
وقد برهن في الحكمة الحقّة، على أن جسماً من الأجسام - ولا أحد جزئيه - لا يكون علة لجسم آخر ولا لأحد جزئيه، وعلى أن علة كل جسم لا يكون إلاّ ما هو بريء عن مخالطة الأجسام والمواد.
وأما مثل البنّاء فحركته علة لحركة لِبَنٍ مّا، ثم سكونه علة لسكونه، وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع مادة، وذلك الإجتماع علّة لشكل ما، ثم انحفاظ ذلك فلما تقتضيه طبيعة الأرضية التي في اللَّبِنات، وهي مما أفادها الله بقوّته التي تمسك السماء والأرض أن تزولا، ومن أسمائه تعالى "الحافظ" و "القابض".
وكذلك النار علة لتسخين عنصرٍ ما، لا أن تفيد السخونة، بل أن تبطل البرودة التي كانت مانعة من حصول السخونة في الماء من جهة واهب الصور، وأما حدوث السخونة واستحالة الماء إلى النار، فبالجاعل المفيد الذي يكسو العناصر صورها، وقد عرفت أنها لا يصح أن تكون جسماً أو جسمانياً، وأما الأسباب السابقة فهي مُعِدّات ومُغيّرات وعلل بالعرض.
وقد ثبت وتقرر أن العلة يجب أن تكون متقدمة على المعلول بالذات لا بالزمان، فكيف تكون نار علة لوجود نار أخرى، ولا نار أحق أن تكون علة لنار متقدمة عليها بالذات من نار أخرى، وكذا الحكم في سببيّة إنسان - كالأب - لإنسان - كالابن.
وبالجملة، كل ماهيّة نوعية لا تكون واجبة الوجود، لم يكن لها بدّ من علّة خارجة عن النوع، ولا تكون علتها إلاّ ما يتساوى نسبته إلى جميع أفراده، ولا تحتاج في إيجاده إلى أمر خارج عنه وعمّا ينتهي إليه في سلسلة الحاجة من زمان أو حركة، فكل ما سوى الله تعالى - سواء كان جوهراً أو عرضاً، أو حركة أو زماناً، موجوداً أو موهوماً - فهي مفتقرة إليه، فائضة من لدنه، ففعله لا يكون إلاّ الأمر والابداع والتأييس (التأسيس) والإختراع.
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وباطنه، وما به قوام حقيقته وذاته، فيكون مثل هذا المبدع الحق والجاعل المطلق، علة الحدوث والهيئة دون بقاء الذات وقوام الماهية - تعالى عما يقوله الظالمون علواً كبيراً -.
الاشارة الثالثة
إن قوله: {بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}، مع قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يدلاّن على أن ذاته المقدسة عن وصمة القصور والفتور، كما أنه فاعل لجميع الممكنات كذلك غاية لها، فهو أول الأشياء وآخرها، ومبدأُها وتمامها، فالوجود كما صدر منه على الترتيب الصدوري والنظام النزولي، كذا ورد عليه ورجع إليه بالترتيب الصعودي والنظام العروجي على التعاكس في السلسلتين.
فكان أولاً عقولاً مجردة، ثم نفوساً منطبعة، ثم صوراً منوعة، ثم صوراً مجسمّة، ثم هيولى - هي نهاية تدبير الأمر لقوله:
{ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ } [السجدة:5] فيكون الحادث أولاً من الهيولى جسماً مطلقاً، ثم نوعاً بسيطاً، ثم مركباً، ثم نباتاً، ثم حيواناً، ثم إنساناً ذا نفس مجردة على مراتبها، ثم ذا عقل مفارق على درجاتها في الصعود، إلى أن ينتهي إلى الحق المعبود، فوقع الإبتداء من العقل والإنتهاء إلى العاقل، وبينهما أمور متفاضلة.
اعلم أنّا كما أفادنا النظر في الوجود اثبات فاعل له، كذلك أفادنا إثبات غاية له، فكما لا يجوز أن يكون الممكن موجوداً إلاّ بموجد يفيد وجوده لإفتقار ماهيّته إلى مرجّح، كذلك لا يجوز أن يكون موجوداً إلاّ لغاية يتم بها وجوده لقصور وجوده عن درجة التمامية الأخيرة.
وكما أن سلسلة الأسباب الفاعلية لا بدّ وأن تنتهي إلى فاعل لا فاعل له، وإلاّ لم يكن شيء منها فاعلاً ولا موجوداً، لأنها على ذلك الفرض يكون الكل على حكم الوسط - وهذا خلف -، فكذلك سلسلة الأسباب الغائية لا يجوز أن تذهب إلى لا نهاية، بأن تكون لكل غاية غاية من غير انتهاء إلى غاية أخيرة لا تكون لها غاية أصلاً، وإلاّ لم يكن لشيء من الأشياء غاية أصلاً - وهو خرق الفرض -.
فثبت وتبيّن أن للممكنات كلها فاعل أول لا يكون له فاعل أصلاً، وثبت وتبيّن أيضاً أن لها غاية أخيرة لا تكون لها غاية أصلاً، ثم يجب أن تكون هذه الغاية هي بعينها ما فرضناه فاعلاً، لاستحالة تعدد الواجب تعالى، لأن كلاً منهما موصوف بالمفارقة الكليّة عن وصف الإمكان والقصور، والمفارقة الكلية تقتضي سلب الماهيّة، ويستحيل وجود شيئين كل منهما لا ماهيّة له، فالله هو الأول والآخر، ليس كمثله شيء، منه ابتداء ملكوت كل شيء وأمره، وإليه يرجع كمال وجوده وغايته إذا بعثر ما في القبور وحصّل ما في الصدور، أَلاَ إلى الله تصير الأمور.
خاتمة
في موضع نزول هذه السورة وعدد آياتها وبيان فضلها
أما موضع النزول: فهي مكة بالإتفاق، قال ابن عباس: إلاَّ آية منها: وهي قوله:
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ ٱلله } [يس:47] - الآية. نزلت بالمدينة.
وأما عدد آياتها: فهي ثلاث وثمانون آية كوفي، واثنتان وثمانون عند الباقين. واختلافها آية واحدة هي "يس"، كوفي.
وأما فضلها: أُبَيُّ بن كعب، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
"من قرأ سورة يس، يريد بها وجه الله عزّ وجلّ، غَفَر الله له، وأُعطِيَ من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة مرة، وأيّما مريض قرئت عنده سورة يس، نزل عليه بعدد كل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً، ويستغفرون له، ويشهدون قبضه، ويتبعون جنازته، ويصلّون عليه، ويشهدون دفنه، وأيما مريض قرأها وهو في سكرات الموت، أو قُرِئت عنده، جاءه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة فسقاه إياها، وهو على فراشه، فيشرب فيموت ريّان، ويبعث ريان. ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء، حتى يدخل الجنة وهو ريّان" .
وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "سورة يس، تدعى في التوراة المعمة، قيل: وما المعمة؟ قال: تعم صاحبها خير الدنيا والآخرة، وتكابد عنه بلوى الدنيا، وتدفع عنه أهاويل الآخرة، وتدعى المدافعة القاضية، تدفع عن صاحبها كل شر وتقضي له كل حاجة، ومن قرأها عدلت له عشرين حجة، ومن سمعها عدلت له ألف دينار في سبيل الله، ومن كتبها ثم شربها أدخلت جوفه ألف دواء، وألف نور، وألف يقين، وألف بركة وألف رحمة، ونزعت منه كل داء وعلة" .
وعن أنس بن مالك، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "إن لكل شيء قلباً، وقلب القرآن يس" .
وعنه، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "من دخل المقابر، فقرأ سورة يس، خفّف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات" .
وروى أبو بصير، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: "إن لكل شيء قلباً، وقلب القرآن يس، فمن قرأ يس في نهاره قبل أن يمسي، كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتى يمسي، ومن قرأها في ليله قبل أن ينام، كان في ليله من المحفوظين والمرزوقين حتى يصبح، ووكّل به ألف ملك يحفظونه من كل شيطان رجيم، ومن كل آفة، وان مات في نومه، أدخَله الله الجنة، وحَضَر غسله ثلاثون ألف ملك، كلهم يستغفرون له ويشيّعونه إلى قبره بالاستغفار له، فإذا أُدخِلَ لحْدَه، كانوا في جوف قبره، يعبدون الله وثواب عبادتهم له، وفُسِحَ له في قبره مدّ بصره، وأَمِنَ من ضغطة القبر، ولم يزل في قبره نور ساطع إلى عنان السماء، إلى أن يخرجه الله من قبره.
فإذا أخرجه، لم تزل ملائكة الله معه يُشَيّعونَه، ويُحَدِّثونه، ويضحكون في وجهه، ويُبَشْرونه بكل خير، حتى يجوزوا به الصراط والميزان، ويوقفوه من الله موقفاً لا يكون عند الله خَلْقٌ أقربُ منه إلاّ ملائكة الله المقربون، وأنبياؤه المرسلون، وهو مع النبيين واقف بين يدي الله، لا يحزنُ مع مَنْ يحزن، ولا يهتمّ مع مَن يهتمّ، ولا يجزع مع من يجزع، ثم يقوله الرب تعالى: إشْفَعْ عبدي أُشَفِّعْكَ في جميع ما تَشْفَعْ. وسَلْني عبدي أُعطِكَ جميعَ ما تسأل.
فَيَسأَلُ فيُعطى، وَيَشْفَع فيُشَفَّعْ، ولا يحاسَبُ فيمن يحاسَب، ولا يَذلِ مع من يذلِ، ولا يُبْكَتُ بخطيئته، ولا بشيء من سوء عمله، ويعطى كتاباً منشوراً، فيقول الناس بأجمعهم سبحان الله، ما كان لهذا العبد خطيئة واحدة، ويكون من رفقاء محمد (صلى الله عليه وآله)"
.
وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إثني عشر اسماً، خمسة منها في القرآن: محمد وأحمد وعبدالله ويس ون.
فهذا يا حبيبي آخر ما قصدنا ترقيمه وحاولنا تفهيمه من الصنائع العلمية والعملية القرآنية، والذخائر العقلية البرهانية، المتعلقة بآيات هذه السورة الكريمة، ولمعات هذه الدرة اليتيمة، لتكون وسيلة لمن اهتدى في ظلمات البر والبحر، وخلص من دياجير الظلم والجور، وغلبة المضِلّين، وكثرة أنواع الشياطين، وخمول الحق وأهله، وانقطاع طُرُقه وسُبُله.
فأنت أيها الرفيق الشفيق، المؤمن الموقن بحقيقة هذه الأسرار، الحريص على اقتفاء هذه الآثار، كنتَ بين أهل زمانك وأقرانك، وأعداء إيمانك، وجحدة ايقانك، كقادح زناد في ليلة ظلماء، ذات رياح عاصفة، وظلمات متراكمة، وأهوية باردة، يريد استضاءةً بنوره في طريق قد نفدت أَدِلَّتها، واندَرَسَتْ معالمها، وذهبت دلائلها، فلم يبقَ إلاّ طرقٌ وعرة، وعلامات داثرة، يصعب السلوك فيها، والقصد إليها، إلاّ على أصحاب اقتفاء الآثار الخفية، بمعرفة قد سبقت عندهم وخفيّت على الذين يريدون اطفاء نور الله بأفواههم، بذهابها وإزالتها، لئلا ترتفع حجة الله من أرضه وتنمحي آثار حكمته.
فلما أوراك الزناد بنوره، ودلّك الدليل بظهوره، وصلت إلى بقعة من بقاع الجنة، وروضة من رياضها، التي فيها تبدل الأرض غيرَ الأرض، والسموات مطويات يوم العرض، فيها رجال لا تلهيهم تجارة ولا بَيعٌ عن ذكر الله، تراهم ركّعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود.
والحمد لله الملك المعبود، والصلاة على محمد صاحب المقام المحمود، وآله الهادين إلى سبيل المعرفة والشهود.