خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
١
وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
٢
وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
٣
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ
٤
-الأحزاب

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(1) يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ اِتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِع الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}
القمّي وهذا هو الذي قال الصادق عليه السلام انّ الله بعث نبيّه بايّاك اعني واسمعي يا جارة فالمخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وآله والمعنى للنّاس في المجمع نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن ابي جهل ابي الاعور السلمي قدموا المدينة ونزلوا على عبد الله بن ابيّ بعد غزوة احد بأمان من رسول الله صلّى الله عليه وآله يكلموه فقاموا وقام معهم عبد الله بن أُبي وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبي بيرق فدخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله فقالوا يا محمّد ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزّى ومنات وقل انّ لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربّك فشقّ ذلك على رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال عمر بن الخطّاب ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم فقال انّي أعطيتهم الامان وامر (ص) فاخرجوا من المدينة ونزلت الآية ولا تطع الكافرين من اهل مكّة ابا سفيان وابا الأعور وعكرمة والمنافقين ابن ابيّ وابن سعد وطعمة {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا} بالمصالح والمفاسد {حَكِيمًا} لا يحكم الاّ بما يقتضيه الحكمة.
{(2) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} وقرئ بالياء.
{(3) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً}
{(4) مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ} ما جمع قلبين في جوف ردّ لما زعمت العرب من انّ اللّبيب الاريب له قلبان.
في المجمع نزلت في ابي معمّر حميد بن معمّر بن حبيب الفهريّ وكان لبيباً حافظاً لما يسمع وكان يقول انّ في جوفي لقلبين اعقل بكلّ واحد منهما افضل من عقل محمّد صلّى الله عليه وآله وكانت قريش تسمّيه ذا القلبين فلمّا كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم ابو معمّر يلقاه ابو سفيان بن حرب وهو اخذ بيده احدى نعليه والأخرى في رجله فقال له يا ابا معمّر ما حال الناس قال انهزموا قال فما بالك احدى نعليك في يدك والاخرى في رجلك فقال ابو معمّر ما شعرت الاّ انهما في رجلي فعرفوا يومئذ انّه لم يكن له الاّ قلب واحد لما نسي نعله في يده.
والقمّي عن الباقر عليه السلام قال قال عليّ بن ابي طالب عليه السلام لا يجتمع حبّنا وحبّ عدوّنا في جوف انسان انّ الله لم يجعل لرجل قلبين في جوفه فيحبّ بهذا ويبغض بهذا فأمّا محبّنا فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذهب بالنّار لا كدر فيه فمن اراد أن يعلم حبّنا فليمتحن قلبه فان شارك في حبّنا حبّ عدوّنا فليس منا ولسنا منه والله عدوّهم وجبرئيل وميكائيل والله عدوّ للكافرين.
وفي الأمالي ما يقرب منه.
وفي المجمع عن الصادق عليه السلام ما جعل الله لرجل من قلبين يحبّ بهذا قوماً ويحبّ بهذا اعداءهم.
وفي مصباح الشريعة عنه عليه السلام فمن كان قلبه متعلّقاً في صلوته بشيء دون الله فهو قريب من ذلك الشيء بعيد عن حقيقة ما اراد الله منه في صلاته ثم تلا هذه الآية {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجُكُمْ اللاّئي} وقرئ بالياء وحده بدون همزة {تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ } وقرئ بضمّ التاء وتشديد الظّاء وبحذف الألف وتشديد الظاء والهاء {أُمّهَاتِكُمْ } وما جمع الزوجيّة والامومة في امرأة ردّ لما زعمت العرب انّ من قال لزوجته انت عليّ كظهر امّي صارت زوجته كالامّ له ويأتي تمام الكلام فيه في سورة المجادلة ان شاء الله {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَائَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} وما جمع الدّعوة والنبوّة في رجل ردّ لما زعمت العرب انّ دعي الرّجل ابنه ولذلك كانوا يقولون لزيد بن حارثة الكلبي عتيق رسول الله ابن محمّد صلّى الله عليه وآله.
القمّي عن الصادق عليه السلام قال كان سبب ذلك ان رسول الله لمّا تزوّج خديجة بنت خويلد خرج الى سوق عكاظ في تجارة لها ورأى زيداً يباع ورآه غلاماً كيّسا حصيفاً فاشتراه فلمّا نُبِّئَ رسول الله صلّى الله عليه وآله دعاه إلى الإِسلام فأسلم وكان يدعى زيد مولى محمّد صلّى الله عليه وآله فلمّا بلغ حارثة بن شراحيل الكلبيّ خبر ولده زيد قدم مكّة وكان رجلاً جليلاً فأتى ابا طالب فقال يا ابا طالب انّ ابني وقع عليه السّبي وبلغني انّه صار الى ابن اخيك تسأله امّا ان يبيعه وامّا ان يفاديه وامّا ان يعتقه فكلّم ابو طالب رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله هو حرّ فليذهب حيث شاء فقام حارثة فأخذ بيد زيد فقال له يا بني الحق بشرفك وحسبك فقال زيد لست افارق رسول الله صلّى الله عليه وآله ابداً فقال له ابوه فتدع حسبك ونسبك وتكون عبداً لقريش فقال زيد لست افارق رسول الله ما دمت حيّاً.
فغضب ابوه فقال يا معشر قريش اشهدوا انّي قد برئت منه وليس هو ابني فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله اشهدوا انّ زيد ابني ارثه ويرثني فكان يدعى زيد ابن محمّد وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يحبّه وسمّاه زيد الحب فلمّا هاجر رسول الله صلّى الله عليه وآله الى المدينة زوّجه زينب بنت جحش وابطأ عنه يوماً فأتى رسول الله صلّى الله عليه وآله منزله يسأله عنه فاذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيباً بفهر لها فدفع رسول الله صلّى الله عليه الباب فنظر اليها وكانت جميلة حسنة فقال سبحان الله خالق النّور
{ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ } [المؤمنون: 14] ثم رجع رسول الله صلّى الله عليه وآله الى منزله ووقعت زينب في قلبه موقعاً عجيباً وجاء زيد الى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال لها زيد هل لك ان اطلّقك حتّى يتزوّجك رسول الله صلّى الله عليه وآله فعلّك قد وقعت في قلبه فقالت اخشى ان تطلّقني ولا يتزوّجني رسول الله صلّى الله عليه وآله فجاء زيد إلى رسول الله فقال بأبي انت وامّي يا رسول الله اخبرتني زينب بكذا وكذا فهل لك ان اطلّقها حتّى تتزوّجها فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله لا اذهب واتّق الله وامسك عليك زوجك ثم حكى الله عزّ وجلّ فقال { { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا } [الأحزاب: 37] الى قوله { وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } } [الأحزاب: 37] فزوّجه الله تعالى من فوق عرشه فقال المنافقون يحرّم علينا نساء ابنائنا ويتزوّج امرأة ابنه زيد فأنزل الله عزّ وجلّ في هذا {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} الى قوله يهدي السَّبيل.
أقول: ويأتي قصّة تزويج زينب من رسول الله صلّى الله عليه وآله بنحو آخر في هذه السورة ان شاء الله {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} لا حقيقة له كقول من يهذي {وَاللهُ يَقُولُ الْحَقُّ } ما له {وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيل} سبيل الحقّ.