خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ
٤٨
-النحل

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ} يتقلّب ظلاله بتقلّبه {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ} توحيد اليمين وجمع الشّمائل للاشارة الى وحدة جهة اليمين فى المعنى وكثرة جهة الشّمائل فانّ اليمين المعنويّة لكلّ شيءٍ هى وجهته الالهيّة وشماله هى وجهته الخلقيّة والوجهة الآلهيّة كثرتها منطوية فى الوحدة والوجهة الخلقيّة وحدتها فانية فى الكثرة {سُجَّداً لِلَّهِ} حال من ظلاله او ممّا خلق الله، وجمعه باعتبار المعنى {وَهُمْ دَاخِرُونَ} حال مترادفة عن سابقه او متداخلة او كلّ حال من ذى حال، والدّخور الانقياد وجمعه بالواو والنّون لانتساب وصف الدّخور او السّجود الّذى هو من اوصاف العقلاء اليهم، او لانّ الكلّ من حيث انتسابها الى الله عقلاء علماء.
اعلم، انّ الظلّ هو شاكلة الشّاخص الّتى تحدث من الشّاخص الكثيف اذا قابل شيئاً منيراً فى طرف مقابل للمنير وهى تتقلّب بتقلّب الشّاخص وتسكن بسكونه ولا اختصاص لها بما يقابل الشّمس ولا بما فى عالم الطّبع بل تحصل من كلّ ما يقابل منيراً، والمنير الحقيقىّ هو الله وفعله المعبّر عنه بالمشيّة، وعالم العقول بالنّسبة الى المشيّة كالشّاخص، وعالم النّفوس بالنسبةّ الى العقول كالشّاخص، والمثال بالنّسبة الى النّفوس، وعالم الطّبع بالنّسبة الى عالم المثال، وعالم الجنّة بالنّسبة الى عالم الطّبع، فظلّ كلّ عبارة عمّا دونه من العوالم وسجود كلٍّ عبارة عن تسخّره لله تعالى شأنه وتذلّله له تكويناً، ودخوره عبارة عن اتّباعه وحركته وسكونه على وفق ارادته ومشيّته والكلّ بالنّسبة اليه ذوو شعورٍ وارادةٍ وعلم. ولمّا كان لعالم الطّبع ظلّ نورانىّ كما يحدث من المرآة حين مقابلة الشّمس وينعكس منها الى جهة الشّعاع لا الى خلافه وهو المعبّر عنه بالمثال الصّاعد وظلّ ظلمانىّ كما يحدث من خلف المرآة وينعكس الى الجهة المخالفة للشّعاع وهو المعبّر عنه بالمثال النّازل والملكوت السّفلىّ وعالم الظّلمة، وكانت الملكوت السّفلىّ محلّ الكثرات والاختلافات والتّغيّرات وكانت الشّمال تعبيراً عن هذه، والملكوت العليا محلّ الوحدة واتّحاد المتكثّرات واجتماع المتغايرات وكانت اليمين تعبيراً عنها قال عن اليمين والشّمائل اشارة بوحدة الاوّل وجمع الثّانى الى جهة اتّحاد الاوّل وكثرة الثّانى.