خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ
٨٥
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ
٨٦
وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ
٨٧
لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
٨٨
وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ
٨٩
كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ
٩٠
ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ
٩١
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
٩٢
عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٩٣
فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ
٩٤
إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ
٩٥
ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٩٦
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
٩٧
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ
٩٨
وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ
٩٩
-الحجر

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
في الآيات تخلص إلى غرض البيان السابق وهو أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصدع بما يؤمر ويأخذ بالصفح والإِعراض عن المشركين ولا يحزن عليهم ولا يضيق صدره بما يقولون فإن من القضاء الحق أن يجازى الناس بأعمالهم في الدنيا والآخرة وخاصة يوم القيامة الذي لا ريب فيه وهو اليوم الذي لا يغادر أحداً ولا يدع مثقال ذرة من الخير والشر إلا ألحقه بعامله فلا ينبغي أن يؤسف لكفر كافر فإن الله عليم به سيجازيه، ولا يحزن عليه فإن الاشتغال بالله سبحانه أهم وأوجب.
ولقد كرر سبحانه أمره بالصفح والإِعراض عن أولئك المستهزئين به - وهم الذين مر ذكرهم في مفتتح السورة - والاشتغال بتسبيحه وتحميده وعبادته، وأخبره أنه كفاه شرهم فليشتغل بما أمره الله به، وبذلك تختتم السورة.
قوله تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وإن الساعة لآتية} الباء في قوله: {بالحق} للمصاحبة أي إن خلقها جميعاً لا ينفك عن الحق ويلازمه فللخلق غاية سيرجع إليها قال تعالى:
{ إن إلى ربك الرجعى } [العلق: 8]، ولولا ذلك لكان لعباً باطلاً قال تعالى: { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحقّ } [الدخان: 38ـ39] وقال: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً } [ص: 27]، ومن الدليل على كون المراد بالحق ما يقابل اللعب الباطل تذييل الكلام بقوله: {وإن الساعة لآتية} وهو ظاهر.
وبذلك يظهر فساد ما ذكره بعضهم أن المراد بالحق العدل والإِنصاف والباء للسببية والمعنى ما خلقنا ذلك إلا بسبب العدل والإِنصاف يوم الجزاء بالأعمال.
وذلك أن كون الحق في الآية بمعنى العدل والإِنصاف لا شاهد عليه من اللفظ على أنّ الذي ذكره من المعنى إنما يلائم كون الباء بمعنى لام الغرض أو للمصاحبة دون السببيّة.
وكذا ما ذكره بعضهم أن الحق بمعنى الحكمة وأن الجملة الأولى {وما خلقنا} الخ، ناظرة إلى العذاب الدنيوي والثانية {وإن الساعة لآتية} إلى العذاب الاخروي والمعنى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا متلبّساً بالحق والحكمة بحيث لا يلائم استمرار الفساد واستقرار الشرور، وقد اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء دفعاً لفسادهم وإرشاداً لمن بقي إلى الصلاح، وإن الساعة لآتية فينتقم أيضاً فيها من أمثال هؤلاء.
وفي الآية مشاجرة بين أصحاب الجبر والتفويض كل من الفريقين يجرّ نارها إلى قرصته فاستدلّ بها أصحاب الجبر على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أعمالهم من جملة ما بينهما فهي مخلوقه له.
واستدل بها أصحاب التفويض على أن أفعال العباد ليست مخلوقة له بل لأنفسهم فإن المعاصي وقبائح الأعمال من الباطل فلو كانت مخلوقة له لكانت مخلوقة بالحقّ والباطل لا يكون مخلوقاً بالحق.
والحق أن الحجتين جميعاً من الباطل فإن جهات القبح والمعصية في الأفعال حيثيات عدمية إذ الطاعة والمعصية كالنكاح والزنا وأكل المال من حله وبالباطل وأمثال ذلك مشتركة في أصل الفعل وإنما تختلف طاعة ومعصية بموافقة الأمر ومخالفته والمخالفة جهة عدمية، وإذا كان كذلك فاستناد الفعل إلى الخلقة من جهة الوجود لا يستلزم استناد القبيح أو المعصية إليها فإن ذلك من جهاته العدمية فليس الفعل بجهته العدمية مما بين السماوات والأرض حتى تشمله الآية، ولا بجهته الوجودية من الباطل حتى يكون خلقه خلقاً للباطل بالحق.
على أن الضرورة قائمة على حكومة نظام العلل والمعلولات في الوجود وأن قيام وجود شيء بشيء بحيث لا يستقل دونه هو ملاك الاتصاف، فالمتصف بالطاعة والمعصية وحسن الفعل وقبيحه هو الإِنسان دون الذي خلقه ويسّر له أن يفعل كذا وكذا كما أن المتصف بالسواد والبياض الجسم الذي يقوم به هذان اللونان دون الذي أوجده.
وقد استوفينا الكلام في هذا البحث في تفسير قوله:
{ وما يضلّ به إلا الفاسقين } [البقرة: 26]، الجزء الأول من الكتاب.
قوله تعالى: {فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم} قال في المفردات: صفح الشيء عرضه وجانبه كصفحة الوجه وصفحة السيف وصفحة الحجر والصفح ترك التثريب وهو أبلغ من العفو ولذلك قال: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} وقد يعفوا الإِنسان ولا يصفح قال تعالى: {فاصفح عنهم وقل سلام} {فاصفح الصفح الجميل} {أفنضرب عنكم الذكر صفحاً}.
وصفحت عنه أوليته صفحة جميلة معرضاً عن ذنبه، أو لقيت صفحته متجافياً عنه أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها من قولك تصفحت الكتاب، وقوله: {إن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل} فأمر له عليه السلام أن يخفف كفر من كفر كما قال: {ولا تحزنْ عليهم ولا تكُ في ضيق مما يمكرون} والمصافحة الإِفضاء بصفحة اليد. انتهى.
وسيأتي ما في الرواية من تفسير علي عليه السلام الصفح بالعفو من غير عتاب.
وقوله: {فاصفح الصفح الجميل} تفريع على سابقه أي إذا كانت الخلقة بالحق وهناك يوم فيه يحاسبون ويجازون لا ريب فيه فلا تشغل نفسك بما ترى منهم من التكذيب والاستهزاء واعْفُ عنهم من غير أن تقع فيهم بعتاب أو مناقشة وجدال فإن ربك الذي خلقك وخلقهم هو عليم بحالك وحالهم ووراءهم يوم لا يفوتونه.
ومن هنا يظهر أن قوله: {إن ربك هو الخلاّق العليم} تعليل لقوله: {فاصفح الصفح الجميل}.
وهذه الآيات الحافّة لقوله: {فاصدع بما تؤمر} تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتطييب لنفسه ليأخذ قوله: {فاصدع بما تؤمر} موقعه فقد عرفت في أول السورة أن الغرض الأصيل منها هو الأمر بإعلان الدعوة وعرفت أيضاً بالتدبّر في الآيات السابقة أنها مسرودة ليتخلص بها إلى تسليته صلى الله عليه وآله وسلم عما لقي من قومه من الإِيذاء والإِهانة والاستهزاء ويتخلص من ذلك إلى الأمر المطلوب.
قوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} السبع المثاني هي سورة الحمد على ما فسّر في عدّة من الروايات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام فلا يصغى إلى ما ذكره بعضهم: أنها السبع الطوال، وما ذكره بعض آخر أنها الحواميم السبع، وما قيل: إنها سبع صحف من الصحف النازلة على الأنبياء، فلا دليل على شيء منها من لفظ الكتاب ولا من جهة السنّة.
وقد كثر اختلافهم في قوله: {من المثاني} من جهة كون "من" للتبعيض أو للتبيين وفي كيفية اشتقاق لفظة المثاني ووجه تسميتها بالمثاني.
والذي ينبغي أن يقال - والله أعلم - إن "من" للتبعيض فإنه سبحانه سمّي جميع آيات كتابه مثاني إذ قال:
{ كتاباً متشابهاً مثاني تقشعرّ منه قلوب الذين يخشون ربهم } [الزمر: 23]، وآيات سورة الحمد من جملتها فهي بعض المثاني لا كلها.
والظاهر أن المثاني جمع مثنية اسم مفعول من الثني بمعنى اللوي والعطف والإِعادة قال تعالى:
{ يثنون صدورهم } [هود: 5]، وسميت الآيات القرآنية مثاني لأن بعضها يوضح حال البعض ويلوى وينعطف عليه كما يشعر به قوله: {كتاباً متشابهاً مثاني} حيث جمع بين كون الكتاب متشابهاً يشبه بعض آياته بعضاً وبين كون آياته مثاني، وفي كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صفة القرآن: {يصدّق بعضه بعضاً} وعن علي عليه السلام فيه: {ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض} أو هي جمع مثنى بمعنى التكرير والإِعادة كناية عن بيان بعض الآيات ببعض.
ولعل في ذلك كفاية وغنى عما ذكروه من مختلف المعاني كما في الكشاف وحواشيه والمجمع وروح المعاني وغيرها كقولهم: إنها من التثنية أو الثني بمعنى التكرير والإِعادة سميت آيات القرآن مثاني لتكرّر المعاني فيها، وكقولهم: سميت الفاتحة مثاني لوجوب قراءتها في كل صلاة مرتين أو لأنها تثنى في كل ركعة بما يقرؤ بعدها من القرآن، أو لأن كثيراً من كلماتها مكرَّرة كالرحمان والرحيم وإياك والصراط وعليهم، أو لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة، أو لما فيها من الثناء على الله، أو لأن الله استثناها وادّخرها لهذه الأمة ولم ينزلها على الأمم الماضين كما في الرواية، إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة في التفاسير.
وفي قوله: {سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} من تعظيم أمر الفاتحة والقرآن ما لا يخفى أما القرآن فلتوصيفه من ساحة العظمة والكبرياء بالعظيم، وأما الفاتحة فلمكان التعبير عنه بالنكرة غير الموصوفة "سبعاً" وفيه من الدلالة على عظمة قدرها وجلالة شأنها ما لا يخفى وقد قوبل بها القرآن العظيم وهي بعضه.
والآية - كما تبيّن - في مقام الامتنان وهي مع ذلك لوقوعها في سياق الدعوة إلى الصفح والإِعراض تفيد أن في هذه الموهبة العظمى المتضمنة لحقائق المعارف الإِلهية الهادية إلى كل كمال وسعادة بإذن الله عدّة أن تحملك على الصفح الجميل والاشتغال بربك والتوغل في طاعته.
قوله تعالى: {لا تمدّنّ عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم} إلى قوله - {المبين} الآيتان في مقام بيان الصفح الجميل الذي تقدم الأمر به، ولذلك جيء بالكلام في صورة الاستئناف.
والمذكور فيهما أربعة دساتير: منفيان ومثبتان فقوله: {لا تمدنّ عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم} مدّ العينين إلى ما متَّعوا به من زهرة الحياة الدنيا كناية عن التعدي عن قصر النظر على ما آتاه الله من نعمة، والمراد بالأزواج الأزواج من الرجال والنساء أو الأصناف من الناس كالوثنيين واليهود والنصارى والمجوس، والمعنى لا تتجاوز عن النظر عما أنعمناك به من النعم الظاهرة والباطنة إلى ما متَّعنا به أزواجاً قليلة أو أصنافاً من الكفار.
وربما أخذ بعضهم قوله: {لا تمدنّ عينيك} كناية عن إطالة النظر وإدامته، وأنت تعلم أن الغرض على أي حال النهي عن الرغبة والميل والتعلق القلبي بما في أيديهم من أمتعة الحياة كالمال والشوكة والصيت والذي يكنّى به عن ذلك هو النهي عن أصل النظر إليه لا عن إطالته وإدامته، ويشهد به ما سننقله من آية الكهف.
وقوله: {ولا تحزن عليهم} أي من جهة تماديهم في التكذيب والاستهزاء وإصرارهم على أن لا يؤمنوا بك.
وقوله: {واخفض جناحك للمؤمنين} قالوا: هو كناية عن التواضع ولين الجانب، والأصل فيه أن الطائر إذا أراد أن يضم اليه أفراخه بسط جناحه عليها ثم خفضه لها، هذا.
والذي ذكروه وإن أمكن أن يتأيد بآيات أُخر كقوله:
{ فبما رحمة من الله لنت لهم } [آل عمران: 159]، وقوله في صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: { بالمؤمنين رؤوف رحيم } [التوبة: 127]، لكن الذي وقع في نظير الآية مما يمكن أن يفسر به خفض الجناح هو صبر النفس مع المؤمنين وهو يناسب أن يكون كناية عن ضم المؤمنين إليه وقصر الهم على معاشرتهم وتربيتهم وتأديبهم بأدب الله أو كناية عن ملازمتهم والاحتباس فيهم من غير مفارقة، كما أن الطائر إذا خفض الجناح لم يطر ولم يفارق، قال تعالى: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } [الكهف: 28] الآية.
وقوله: {وقل إني أنا النذير المبين} أي لا دعوى لي إلا أني نذير أُنذركم بعذاب الله سبحانه مبين أبين لكم ما تحتاجون إلى بيانه، وليس لى وراء ذلك من الأمر شيء.
فهذه الأمور الأربعة أعني ترك الرغبة بما في أيديهم من متاع الحياة الدنيا وترك الحزن عليهم إذا كفروا واستهزؤا، وخفض الجناح للمؤمنين وإظهار أنه نذير مبين هو الصفح الجميل الذي يليق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو أسقط منها واحد لاختل الأمر.
ومن ذلك يظهر أن قول بعضهم: إن قوله: {فاصفح الصفح الجميل} منسوخ بآية السيف غير وجيه فإن هذا الصفح الذي تأمر به الآية ويفسره قوله: {لا تمدنّ عينيك} باق على إحكامه واعتباره حتى بعد نزول آية السيف فلا وجه لنسبة النسخ إليه.
قوله تعالى: {كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين} قال في المجمع: عضين جمع عضة وأصله عضوة فنقصت الواو لذلك جمعت عضين بالنون كما قيل: عزوة وعزون والأصل عزوة، والتعضية: التفريق مأخوذ من الأعضاء يقال: عضّيت الشيء أي فرّقته وبعَّضته قال رؤبة: وليس دين الله بالمعضي، انتهى موضع الحاجة.
وقوله: {كما أنزلنا على المقتسمين} لا يخلو السياق من دلالة على أنه متعلق بمقدّر يلوّح إليه قوله: {وقل إني أنا النذير المبين} أي بعذاب منزل ينزل عليكم كما أنزلنا على المقتسمين، والمراد بالمقتسمين هم الذين يصفهم قوله بعد: {الذين جعلوا القرآن عضين} وهم على ما وردت به الرواية قوم من كفار قريش جزؤا القرآن أجزاءً فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: مفترى، وتفرقوا في مداخل طرق مكة أيام الموسم يصدون الناس الواردين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي في البحث الروائي إن شاء الله.
وقيل: قوله: {كما أنزلنا} متعلق بما تقدم من قوله: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} أي أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين، والمراد بالمقتسمين اليهود والنصارى الذين فرّقوا القرآن أجزاء وأبعاضاً وقالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
وفيه أن السورة مكية نازلة في أوائل البعثة ولم يبتل الاسلام يومئذ باليهود والنصارى ذاك الابتلاء وقولهم:
{ آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره } [آل عمران: 72]، مما قالته اليهود بعد الهجرة وكذا ما أشبه ذلك، والدليل على ما ذكرنا سياق الآيات.
وربما قيل: سموا مقتسمين لأنهم اقتسموا أنبياء الله وكتبه المنزلة إليهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، ويدفعه أن الآية التالية تفسر المقتسمين بالذين جعلوا القرآن عضين لا بالذين فرّقوا بين أنبياء الله أو بين كتبه.
فالظاهر أن الآيتين تذكران قوماً نهضوا في أوائل البعثة على إطفاء نور القرآن وبعّضوه أبعاضاً ليصدوا عن سبيل الله فأنزل الله عليهم العذاب وأهلكهم، وهم الذين ذكروا في الآيتين ثم يذكر الله مآل أمرهم بقوله: {فوربك لنسألنّهم أجمعين عما كانوا يعملون}.
قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} قال في المجمع: الصدع والفرق والفصل نظائر، وصدع بالحق إذا تكلم به جهاراً، انتهى.
والآية تفريع على ما تقدم، ومن حقها أن تتفرع لأنها الغرض في الحقيقة من السورة أي إذا كان الأمر على ما ذكر وأُمرت بالصفح الجميل وكنت نذيراً بعذابنا كما أنزلنا على المقتسمين فأظهر كلمة الحق وأعلن الدعوة.
وبذلك يظهر أن قوله: {إنا كفيناك المستهزئين} في مقام التعليل لقوله: {فاصدع} الخ، كما يشعر الكلام أو يدل على أن هؤلاء المستهزئين هم المقتسمون المذكورون قبل، ومعنى الآية إذا كان الأمر كما ذكرناه وكنت نذيراً بعذابنا كما أنزلناه على المقتسمين {فاصدع بما تؤمر} وأعلن الدعوة وأظهر الحق {وأعرض عن المشركين إنا} أي لأننا {كفيناك المستهزئين} بإنزال العذاب عليهم وهم {الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون}.
قوله تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} رجع ثانياً إلى حزنه صلى الله عليه وآله وسلم وضيق صدره من استهزائهم لمزيد العناية بتسليته وتطييب نفسه وتقوية روحه، وقد أكثر سبحانه في كلامه وخاصة في السور المكية من ذلك لشدة الأمر عليه صلى الله عليه وآله وسلم.
قوله تعالى: {فسبّح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وصّاه سبحانه بالتسبيح والتحميد والسجدة والعبادة أو إدامة العبودية مفرّعاً ذلك على ضيق صدره بما يقولون ففي ذلك استعانة على الغمّ والمصيبة، وقد أمره في الآيات السابقة بالصفح والصبر، ويستفاد الأمر بالصبر أيضاً من قوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} فإن ظاهره الأمر بالصبر على العبودية حتى حين، وبذلك يصير الكلام قريب المضمون من قوله تعالى لدفع الشدائد والمقاومة على مرّ الحوادث:
{ واستعينوا بالصبر والصلاة } } [البقرة: 45]. وبذلك يتأيد أن المراد بالساجدين المصلون وأنه أمر بالصلاة وقد سميت سجوداً تسمية لها باسم أفضل أجزائها ويكون المراد بالتسبيح والتحميد اللفظي منهما كقول سبحان الله والحمد لله أو ما في معناهما نعم لو كان المراد بالصلاة في آية البقرة التوجه إلى الله سبحانه أمكن أن يكون المراد بالتسبيح والتحميد - أو بهما وبالسجود - المعنى اللغوي وهو تنزيهه تعالى عما يقولون والثناء عليه بما أنعم به عليه من النعم والتذلل له تذلل العبودية.
وأما قوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} فإن كان المراد به الأمر بالعبادة كان كالمفسر للآية السابقة وإن كان المراد الأخذ بالعبودية - كما هو ظاهر السياق، وخاصة سياق الآيات السابقة الآمرة بالصفح والإِعراض ولازمهما الصبر كان بقرينة تقييده بقوله: {حتى يأتيك اليقين} أمراً بانتهاج منهج التسليم والطاعة والقيام بلوازم العبوديّة.
وعلى هذا فالمراد بإتيان اليقين حلول الأجل ونزول الموت الذي يتبدّل به الغيب من الشهادة ويعود به الخبر عياناً، ويؤيد ذلك تفريع ما تقدم من قوله: {فاصفح الصفح الجميل} على قوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية} فإنه بالحقيقة أمر بالعفو والصبر على ما يقولون لأن لهم يوماً ينتقم الله منهم ويجازيهم بأعمالهم فيكون معنى الآية دُم على العبوديّة واصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى مرّ ما يقولون حتى يدركك الموت وينزل عليك عالم اليقين فتشاهد ما يفعل الله بهم ربك.
وفي التعبير بمثل قوله: {حتى يأتيك اليقين} إشعار أيضاً بذلك فإن العناية فيه بأن اليقين طالب له وسيدركه فليعبد ربه حتى يدركه ويصل إليه، وهذا هو عالم الآخرة الذي هو عالم اليقين العام بما وراء الحجاب دون الاعتقاد اليقيني الذي ربما يحصل بالنظر أو بالعبادة.
وبذلك يظهر فساد ما ربما قيل: إن الآية تدل على ارتفاع التكليف بحصول اليقين، وذلك لأن المخاطب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد دلّت آيات كثيرة من كتاب الله أنه من الموقنين وأنه على بصيرة وأنه على بينة من ربه وأنه معصوم وأنه مهدي بهداية الله سبحانه إلى غير ذلك. مضافاً إلى ما قدّمناه من دلالة الآية على كون المراد باليقين هو الموت.
وسنفرد لدوام التكليف بحثاً عقلياً بعد الفراغ عن البحث الروائيّ إن شاء الله تعالى.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن مردويه وابن النجار عن علي بن أبي طالب في قوله: {فاصفح الصفح الجميل} قال: الرضا بغير عتاب.
وفي المجمع حكى عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أن الصفح الجميل هو العفو من غير عتاب.
وفي العيون بإسناده عن علي بن الحسين بن فضّال عن أبيه عن الرضا عليه السلام في الآية قال: العفو من غير عتاب.
وفي التهذيب بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السبع المثاني والقرآن العظيم هي فاتحة الكتاب؟ قال: نعم. قلت: بسم الله الرحمن الرحيم من السبع؟ قال: نعم هي أفضلهنّ.
أقول: وهو مروي من طرق الشيعة عن أمير المؤمنين عليه السلام وغير واحد من أئمة أهل البيت عليهم السلام، ومن طرق أهل السنة عن علي وعدة من الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأُبيّ بن كعب وأبي هريرة وغيرهم.
وفي الدر المنثور أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أرأيت قول الله: {كما أنزلنا على المقتسمين}؟ قال: اليهود والنصارى. قال: {الذين جعلوا القرآن عضين}؟ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض.
أقول: وقد عرفت فيما مرّ أن مضمون الرواية لا يلائم كون السورة مكية.
وفي تفسير العياشي عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام عن قوله: {الذين جعلوا القرآن عضين} قالا: هم قريش.
وفي المعاني بإسناده عن عبد الله بن علي الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: مكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد ما جاء الوحي عن الله تبارك وتعالى ثلاث عشرة سنة مستخفياً منها ثلاث سنين خائفاً لا يظهر حتى أمر الله عز وجل أن يصدع بما أُمر فأظهر حينئذ الدعوة.
وفي الدرّ المنثور أخرج ابن جرير عن أبي عبيدة أن عبد الله بن مسعود قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزل: {فاصدع بما تؤمر} فخرج هو وأصحابه.
وفي تفسير العيّاشي عن محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اكتتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة سنين ليس يظهر وعليّ معه وخديجة ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر فظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب فإذا أتاهم قالوا: كذّاب امضِ عنا.
وفي تفسير العيّاشي عن أبان بن عثمان الأحمر رفعه قال: كان المستهزئون خمسة من قريش: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاص بن وائل السهمي والحارث بن حنظلة والأسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري والأسود بن المطلب بن أسد، فلما قال الله: {إنا كفيناك المستهزئين} علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد أخزاهم فأماتهم الله بشرّ ميتات.
أقول: ورواه الصدوق في المعاني بإسناده عن أبان وروى فيه أيضاً والطبرسي في الاحتجاج عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي عليهم السلام ما في هذا المعنى وهو حديث طويل فيه تفصيل هلاك كل من هؤلاء الخمسة لعنهم الله، وروي كون المستهزئين خمسة من قريش عن علي وعن ابن عباس مع سبب هلاكهم.
والروايات مع ذلك مختلفة من طرق أهل السنة من جهة عددهم وأسمائهم وأسباب هلاكهم، والذي اتفق فيه حديث الفريقين هو ما قدّمناه.
وفي الدرّ المنثور أخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"ما أُوحي إليّ أن أكون تاجراً ولا أجمع المال متكاثراً ولكن أُوحي إليّ: أن سبِّحْ بحمد ربك وكنْ من الساجدين واعبدْ ربك حتى يأتيك اليقين" .
أقول: وروي ما في معناه أيضاً عن ابن مردويه عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيه أخرج البخاري وابن جرير عن أُم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون وقد مات فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال: وما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين إني لأرجو له الخير.
وفي الكافي بإسناده عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن من صبر صبر قليلاً ومن جزع جزع قليلاً.
ثم قال: عليك بالصبر في جميع أمورك فإن الله عز وجل بعث محمداً وأمره بالصبر والرفق فقال: {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً وذرني والمكذبين أُولي النعمة} وقال تبارك وتعالى: {إدفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليُّ حميم وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلا ذو حظ عظيم}.
فصبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نالوه بالعظائم ورموه بها وضاق صدره وقال الله: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبِّح بحمد ربك وكن من الساجدين}.
(بحث فلسفي في كيفية وجود التكليف ودوامه)
قد تقدَّم في خلال أبحاث النبوة وكيفية انتشاء الشرائع السماوية في هذا الكتاب أن كل نوع من أنواع الموجودات له غاية كمالية هو متوجّه إليها ساع نحوها طالب لها بحركة وجودية تناسب وجوده لا يسكن عنها دون أن ينالها إلا أنَّ يمنعه عن ذلك مانع مزاحم فيبطل دون الوصول إلى غايته كالشجرة تقف عن الرشد والنموّ قبل أن تبلغ غايتها لآفات تعرضها، وتقدَّم أيضاً أن الحرمان من بلوغ الغايات إنما هو في أفراد خاصة من الأنواع وأما النوع بنوعيَّته فلا يتصور فيه ذلك.
وأن الإِنسان وهو نوع وجودي له غاية وجودية لا ينالها إلا بالاجتماع المدني كما يشهد به تجهيز وجوده بما لا يستغني به عن سائر أمثاله كالذكورة والانوثة والعواطف والاحساسات وكثرة الحوائج وتراكمها.
وأن تحقق هذا الاجتماع وانعقاد المجتمع الإِنساني يحوج أفراد المجتمع إلى أحكام وقوانين ينتظم باحترامها والعمل بها شتات أمورهم ويرتفع بها اختلافاتهم الضرورية ويقف بها كل منهم في موقفه الذي ينبغي له ويحوز بها سعادته وكماله الوجودي، وهذه الأحكام والقوانين العملية في الحقيقة منبعثة عن الحوائج التي تهتف بها خصوصية وجود الإِنسان وخلقته الخاصة بما لها من التجهيزات البدنية والروحية، كما أن خصوصية وجوده وخلقته مرتبطة بخصوصيات العلل والأسباب التي تكوّن وجود الإِنسان من الكون العام.
وهذا معنى كون الدين فطرياً أي أنه مجموع أحكام وقوانين يرشد إليها وجود الإِنسان بحسب التكوين وإن شئت فقل: سنن يستدعيها الكون العام فلو اقيمت أصلحت المجتمع وبلغت بالأفراد غايتها في الوجود وكمالها المطلوب ولو تركت وأبطلت أفسدت العالم الإِنساني وزاحمت الكون العام في نظامه.
وأن هذه الأحكام والقوانين سواء كانت معاملية اجتماعية تصلح بها حال المجتمع ويجمع بها شمله أو عبادية تبلغ بالإِنسان غاية كماله من المعرفة والصلاح في مجتمع صالح فإنها جميعاً يجب أن يتلقاها الإِنسان من طريق نبوة إلهية ووحى سماوي لا غير.
وبهذه الاصول الماضية يتبين أن التكليف الإِلهي يلازم الإِنسان ما عاش في هذه النشأة الدنيوية سواء كان في نفسه ناقصاً لم يكمل وجوداً بعد أو كاملاً علماً وعملاً: أما لو كان ناقصاً فظاهر، أما لو كان كاملاً فلأن معنى كماله أن يحصل له في جانبي العلم والعمل ملكات فاضلة يصدر عنها من الأعمال المعاملية ما يلائم المجتمع ويصلحه ويتمكن من كمال المعرفة وصدور الأعمال العبادية الملائمة للمعرفة كما تقتضيه العناية الإِلهية الهادية للإِنسان إلى سعادته.
ومن المعلوم أن تجويز ارتفاع التكليف عن الإِنسان الكامل ملازم لتجويز تخلفه عن الأحكام والقوانين وهو فيما يرجع إلى المعاملات يوجب فساد المجتمع والعناية الإِلهية تأباه. وفيما يرجع إلى العبادات يوجب تخلف الملكات عن آثارها فإن الأفعال مقدمات معدَّة لحصول الملكات ما لم تحصل، وإذا حصلت عادت تلك الأفعال آثاراً لها تصدر عنها صدوراً لا تخلف فيه.
ومن هنا يظهر فساد ما ربما يتوهم أن الغرض من التكليف تكميل الإِنسان وإيصاله غاية وجوده فإذا كمل لم يكن لبقاء التكليف معنى.
وجه الفساد: أن تخلف الإِنسان عن التكليف الإِلهي وإن كان كاملاً، في المعاملات يفسد المجتمع وفيه إبطال العناية الإِلهية بالنوع، وفي العبادات يستلزم تخلف الملكات عن آثارها، وهو غير جائز، ولو جاز لكان فيه إبطال الملكة وفيه أيضاً إبطال العناية. نعم بين الإِنسان الكامل وغيره فرق في صدور الأفعال وهو أن الكامل مصون عن المخالفة لمكان الملكة الراسخة بخلاف غير الكامل والله المستعان.