خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
٤١
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
٤٢
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ
٤٣
بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
٤٤
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ
٤٥
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ
٤٦
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ
٤٧
أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ
٤٨
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ
٤٩
يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
٥٠
وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ
٥١
وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ
٥٢
وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ
٥٣
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
٥٤
لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٥٥
وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ
٥٦
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ
٥٧
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ
٥٨
يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
٥٩
لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٦٠
وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ
٦١
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ
٦٢
تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٦٣
وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٦٤
-النحل

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيتان الأوليان تذكران الهجرة وتعدان المهاجرين في الله وعداً حسناً في الدنيا والآخرة، وباقي الآيات تعقّب حديث شركهم بالله وتشريعهم بغير إذن الله، وهي بحسب المعنى تفصيل القول في الجواب عن عدّ المشركين الدعوة النبوية إلى ترك عبادة الآلهة وتحريم ما لم يحرّمه الله أمراً محالاً كما أُشير إليه في قوله: {وقال الذين أشركوا} الخ.
قوله تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوِّئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} وعد جميل للمهاجرين، وقد كانت من المؤمنين هجرتان عن مكة: إحداهما إلى الحبشة هاجرتها عدَّة من المؤمنين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بإذن من الله ورسوله إليها ولبثوا فيها حيناً في أمن وراحة من أذى مشركي مكة وعذابهم وفتنتهم.
والثانية هجرتهم من مكة إلى المدينة بعد مهاجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والظاهر أن المراد بالهجرة في الآية هي الهجرة الثانية فسياق الآيتين أكثر ملاءمة لها من الأولى وهو ظاهر.
وقوله: {في الله} متعلق بهاجروا، والمراد بكون المهاجرة في الله أن يكون طلب مرضاته محيطاً بهم في مهاجرتهم لا يخرجون منه إلى غرض آخر كما يقال: سافر في طلب العلم وخرج في طلب المعيشة أي لا غاية له إلا طلب العلم ولا بغية له إلا طلب المعيشة، والسياق يعطي أن قوله: {من بعد ما ظلموا} أيضاً مقيّد بذلك معنى، والتقدير: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا فيه، وإنما حذف اختصاراً وإنما اكتفى به قيداً للمهاجرة لأنها محل الابتلاء فتخصيصه بإيضاح الحال أولى.
وقوله: {لنبوِّئنهم في الدنيا حسنة} قيل: أي بلدة حسنة بدلاً مما تركوه من وطنهم كمكة وحواليها بدليل قوله: {لنبوِّئنهم} فإنه من بوَّأت له مكاناً أي سوَّيت وأقررته فيه.
وقيل: أي حالة حسنة من الفتح والظفر ونحو ذلك فيكون قوله: {لنبوِّئنهم} الخ، من الاستعارة بالكناية.
والوجهان متحدان مآلاً فإنهم إنما كانوا يهاجرون ليعقدوا مجتمعاً إسلامياً طيباً لا يُعبَد فيه إلا الله، ولا يحكم فيه إلا العدل والإِحسان أو ليدخلوا في مجتمع هذا شأنه فلو رجعوا في مهاجرهم غاية حسنة أو وعدوا بغاية حسنة كان ذلك هذا المجتمع الصالح، ولو حمدوا البلدة التي يهاجرون إليها لكان حمدهم للمجتمع الإِسلامي المستقر فيها لا لمائها أو هوائها فالغاية الحسنة التي يعدهم الله في الدنيا هي هذا المجتمع سواء أريد بالحسنة البلدة أو الغاية.
وقوله: {ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} تتميم للوعد وإشارة إلى أن أجر الآخرة أفضل من هذا الأجر الدنيوي لو كانوا يعلمون ما أعدّ الله لهم فيها من النعم فإن فيها سعادة من غير شقاء وخلوداً من غير فناء ولذّة غير مشوبة بألم وجوار رب العالمين.
قوله تعالى: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} لا يبعد أن يستفاد من سياق الآيتين أن جملة العناية فيهما إلى وعد المهاجرين في الله وعداً حسناً في الدنيا والآخرة من غير نظر إلى الإِخبار بتحقق المهاجرة قبل حال الخطاب فيكون الكلام في معنى الاشتراط: من يهاجر في الله فله كذا وكذا، وتكون العناية في قوله: {الذين صبروا} الخ بتوصيف المهاجرين بالصبر والتوكل من غير نظر إلى ما تحقق منهم من ذلك أيام توقفهم في أوطانهم بين المشركين قبال أذاهم وفتنتهم.
والعناية بالتوصيف إنما هي لكون كلتا الصفتين دخيلتين في الغاية الحسنة التي وعدوا بها إذ لو لم يصبروا على مرّ الجهاد وأظهروا الجزع عند هجوم العظائم ولم يتأيدوا بالتوكل على الله واعتمدوا على أنفسهم الضعيفة أُحيط بهم ولم يتهيأ لهم المستقر وفرّقهم العدو المصر على عداوته بدداً وتلاشى المجتمع الصالح الذي أقاموه في مهاجرهم هذا في الدنيا، وأما أمر الآخرة ففساده بفساد المجتمع أو تلاشيه أوضح.
ولو كان المراد وعد المهاجرين الذين تحقق منهم الهجرة قبل نزول الآية تطييباً لنفوسهم وتسلية لهم عما أُخرجوا من ديارهم وأموالهم وقاسوا الفتن والمحن كان قوله: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} مدحاً لهم بما ظهر منهم أيام إقامتهم بمكة وغيرها من الصبر في الله على أذى المشركين والتوكل على الله فيما عزموا عليه من الإِسلام لله.
قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} رجوع ثان إلى بيان كيفية إرسال الرسل وإنزال الكتب حتى يتضح للمشركين أنه لم تكن الدعوة الدينية إلا دعوة عادية من رجال يوحى إليهم من البشر يندبون إلى ما فيه صلاح الناس في دنياهم وعقباهم.
وأنه لم يدّع أحد من الرسل ولا ادّعي في كتاب من كتب الشرائع أن الدعوة الدينية ظهور للقدرة الغيبية القاهرة لكل شيء والإِرادة التكوينية لهدم النظام الجاري ونقض سنّة الاختيار وإبطالها حتى يقول القائل منهم: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} الخ.
وعلى هذا فقوله سبحانه: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} مسوق لحصر الرسالة على البشر العادي من رجال يوحى إليهم قبال ما ادعاه المشركون أنها لو كانت لكانت نقضاً لنظام الطبيعة وإبطالاً للاختيار والاستطاعة.
وبه يظهر عدم استقامة ما ذكره غير واحد منهم أن الآية مسوقة لرد المشركين من قريش حيث كانوا يزعمون أن البشر لا يصلح للرسالة وأنها لو كانت فهي من شأن الملائكة فالآية تخبر أن السنة الإِلهية جرت حسب ما اقتضته الحكمة على أن لا يبعث للدعوة الدينية إلا رجالاً من البشر يوحى إليهم المعارف والأوامر والنواهي.
وذلك أن سياق الآيات لا يساعد على ذلك، ولم يتقدم في الكلام ذكر لقولهم ذلك أو لاقتراحهم بعثة الملائكة للرسالة حتى يوجه الكلام إلى ذلك.
وإنما الذي تقدم هو قول المشركين: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} الخ وكان مسوقاً لإِثبات استحالة النبوة لا لكونها من شأن الملائكة.
واستدل بعضهم بالآية على أن الله سبحانه لم يرسل صبياً ولا امرأة، واستشكل بنبوة عيسى عليه السلام في المهد وأجيب بأن النبوة أعم من الرسالة والذي أثبته عيسى لنفسه بقوله:
{ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً } [مريم: 30]، هي النبوة دون الرسالة.
وفيه أن الاستدلال المذكور بالآية إنما هو بقوله: {وما أرسلنا} وهذا الفعل كما يتعلق في القرآن بالرسول كذلك يتعلق بالنبي غير الرسول قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} الآية فلو تمَّ الاستدلال المذكور لدلّ على حرمان الأطفال والنساء عن الرسالة والنبوة جميعاً، وقد حكى الله عن عيسى عليه السلام قوله:
{ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيّاً } [مريم: 30]، وقال في يحيى عليه السلام: { وآتيناه الحكم صبياً } } [مريم: 12]. والحق أن الآية: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً} إنما هي في مقام بيان أن الرسل كانوا رجالاً من البشر العادي من غير عناية بكونهم أول ما بعثوا للرسالة أفراداً بالغين مبلغ الرجال فالغرض أن نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ويحيى عليهم السلام - وهم رسل - كانوا رجالاً يوحى إليهم ولم يكونوا أشخاصاً مجهزين بقدرة قاهرة غيبية وإرادة إلهية تكوينية.
ويقرب من الآية قوله تعالى: في موضع آخر:
{ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين } } [الأنبياء: 7ـ8]. وقوله: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} الظاهر أنه خطاب للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولقومه، وقد كان الخطاب في سابق الكلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة والمعنى موجّه إلى الجميع فهو تعميم الخطاب للجميع ليتخذ كل من المخاطبين سبيله فمن كان لا يعلم ذلك كبعض المشركين راجع أهل الذكر وسألهم ومن كان يعلم ذلك كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين به كان في غنى عن الرجوع والسؤال.
وقيل: إن الخطاب في الآية للمشركين فإنهم هم المنكرون فليرجعوا وليسألوا وفيه أن لازم ذلك كون الجملة التفاتاً من خطاب الفرد إلى خطاب الجميع ولا نكتة ظاهرة تصحح ذلك والله أعلم.
والذكر حفظ معنى الشيء أو استحضاره، ويقال لما به يحفظ أو يستحضر قال الراغب في المفردات: الذكر تارة يقال ويراد به هيئة للنفس بها يمكن للإِنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتباراً بإحرازه والذكر يقال اعتباراً باستحضاره، وتاره يقال لحضور الشيء في القلب أو القول ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ، انتهى موضع الحاجة.
والظاهر أن الأصل فيه ما هو للقلب وإنما يسمى اللفظ ذكراً اعتباراً بإفادته المعنى وإلقائه إياه في الذهن، وعلى هذا المعنى جرى استعماله في القرآن غير أن مورده فيه ذكر الله تعالى فالذكر إذا أُطلق فيه ولم يتقيد بشيء هو ذكره.
وبهذه العناية أيضاً سمّي القرآن وحي النبوة والكتب المنزلة على الأنبياء ذكراً، والآيات في ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها في هذا الموضع. وقد سمى الله سبحانه في الآية التالية القرآن ذكراً.
فالقرآن الكريم ذكر كما أن كتاب نوح وصحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى عليهم السلام - وهي الكتب السماوية المذكورة في القرآن - كلها ذكر، وأهلها المتعاطون لها المؤمنين بها أهل الذكر.
ولما كان أهل الشيء وخاصته أعرف بحاله وأبصر بأخباره كان على من يريد التبصر في أمره أن يرجع إلى أهله، وأهل الكتب السماوية القائمون على دراستها وتعلمها والعمل بشرائعها هم أهل الخبرة بها والعالمون بأخبار الأنبياء الجائين بها فعلى من أراد الاطلاع على شيء من أمرهم أن يراجعهم ويسألهم.
لكن المشركين المخاطبين بمثل قوله: {فاسألوا أهل الذكر} لما كانوا لا يسلمون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم النبوة ولا يصدقونه في دعواه ويستهزؤن بالقرآن ذي الذكر كما يذكره تعالى في قوله:
{ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } [الحجر: 6]، لم ينطبق قوله: {فاسألوا أهل الذكر} بحسب المورد إلا على أهل التوراة، وخاصة من حيث كونهم أعداء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم رادين لنبوته وكانت نفوس المشركين طيبة بهم لذلك، وقد قالوا في المشركين: { هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً } } [النساء: 51]. وقال بعضهم: المراد بأهل الذكر أهل العلم بأخبار من مضى من الأُمم سواء أكانوا مؤمنين أم كفّاراً؟ وسمّي العلم ذكراً لأن العلم بالمدلول يحصل غالباً من تذكّر الدليل فهو من قبيل تسمية المسبّب باسم السبب.
وفيه أنه من المجاز من غير قرينة موجبة للحمل عليه على أن المعهود من الموارد التي ورد فيها الذكر في القرآن الكريم غير هذا المعنى.
وقال بعضهم: المراد بأهل الذكر أهل القرآن لأن الله سمّاه ذكراً، وأهله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وخاصة المؤمنين. وفيه أن كون القرآن ذكراً وأهله أهله لا ريب فيه لكن إراده ذلك من الآية خاصة لا تلائم تمام الحجة فإن أولئك لم يكونوا مسلِّمين لنبوّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يقبلون من أتباعه من المؤمنين؟
وكيف كان فالآية إرشاد إلى أصل عام عقلائي وهو وجوب رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة، وليس ما تتضمَّنه من الحكم حكماً تعبّدياً، ولا أمر الجاهل بالسؤال عن العالم ولا بالسؤال عن خصوص أهل الذكر أمراً مولوياً تشريعياً وهو ظاهر.
قوله تعالى: {بالبيِّنات والزبر} متعلق بمقدّر يدلُّ عليه ما في الآية السابقة من قوله: {وما أرسلنا} أي أرسلناهم بالبيّنات والزبر وهي الآيات الواضحة الدالّة على رسالتهم والكتب المنزّلة عليهم.
وذلك أن العناية في الآية السابقة إنما هي ببيان كون الرسل بشراً على العادة فحسب فكأنه لما ذكر ذلك اختلج في ذهن السامع أنهم بماذا أُرسلوا؟ فأجيب عنه فقيل: بالبينات والزبر أما البينات فلإِثبات رسالتهم وأما الزبر فلحفظ تعليماتهم.
وقيل: هو متعلق بقوله: {وما أرسلنا} أي وما أرسلنا بالبينات والزبر إلا رجالاً نوحي إليهم. وفيه أنه لا بأس به في نفسه لكنه مفوّت لما تقدّم من النكتة.
قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم ولعلهم يتفكرون} لا شك أن تنزيل الكتاب على الناس وإنزال الذكر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحد بمعنى أن تنزيله على الناس هو إنزاله إليه ليأخذوا به ويوردوه مورد العمل كما قال تعالى:
{ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً } [النساء: 174]، وقال: { لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون } } [الأنبياء: 10]. فيكون محصّل المعنى أن القصد بنزول هذا الذكر إلى عامة البشر وأنك والناس في ذلك سواء، وإنما اخترناك لتوجيه الخطاب وإلقاء القول لا لنحمّلك قدرة غيبية وإرادة تكوينية إلهية فنجعلك مسيطراً عليهم وعلى كل شيء بل لأمرين:
أحدهما: أن تبين للناس ما نزّل تدريجاً إليهم لأن المعارف الإِلهية لا ينالها الناس بلا واسطة فلا بد من بعث واحد منهم للتبيين والتعليم، وهذا هو غرض الرسالة ينزل إليه الوحي فيحمله ثم يؤمر بتبليغه وتعليمه وتبيينه.
والثاني: رجاء أن يتفكروا فيك فيتبصَّروا أن ما جئت به حق من عند الله فإن الأوضاع المحيطة بك والحوادث والأحوال الواردة عليك في مدى حياتك من اليتم وخمود الذكر والحرمان من التعلم والكتابة وفقدان مربّ صالح والفقر والاحتباس بين قوم جهلة أخسّاء صفر الأيدي من مزايا المدنية وفضائل الإِنسانية كانت جميعاً أسباباً قاطعة أن لا تذوق من عين الكمال قطرة، ولا تقبض من عرى السعادة على مسكة، لكن الله سبحانه أنزل إليك ذكراً تتحدّى به على الجن والإِنس مهيمناً على سائر الكتب السماوية تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبرهاناً ونوراً مبيناً.
فالتفكر فيك نعم الدليل الهادي إلى أن ليس لك فيما جئت به صنع ولا لك من الأمر شيء وأن الله أنزله بعلمه وأيَّدك لذلك بقدرته من غير أن يداخله من الأسباب العادية شيء.
هذا ما تفيده الآية الكريمة نظراً إلى سياقها وسياق ما قبلها ومحصّله أن قوله: {لتبين} الخ، غاية للإِنزال لا لنفسه بل من حيث تعلّقه بشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن متعلق {يتفكرون} المحذوف هو نحو قولنا: فيك لا قولنا: في الذكر.
لكن القوم ذكروا أن قوله: {لتبين} غاية للإِنزال وأن المراد بالتفكر التفكر في الذكر ليعلم بذلك أنه حق ومعنى الآية على هذا: وأنزلنا إليك الذكر أي القرآن لتبيّن للناس كافة ما نزّل إليهم في ذلك الذكر من أصول المعارف والأحكام والشرائع وأحوال الأمم الماضية وما جرى فيهم من سنة الله تعالى، ولرجاء أن يتفكروا في الذكر فيهتدوا إلى أنه حق من عند الله أو يتفكروا فيما تبينه لهم.
وأنت خبير بأن لازم ذلك أولاً شبه تحصيل الحاصل في إنزاله إليه ليبين لهم ما نزّل إليهم، والإِنزال واحد، ولا مدفع له إلا أن يغير النظم إلى مثل قولنا: وأنزلنا إليك الذكر لتبينه لهم.
وثانياً: كون قوله: {إليك} مستدركاً مستغنى عنه وخاصة بالنظر إلى قوله: {ولعلهم يتفكرون} وذلك أن الإِنزال غايته التبيين ولا أثر في ذلك لكونه صلى الله عليه وآله وسلم هو المنزل إليه دون غيره، وكذلك التفكر في الذكر غاية مرجوّة للعلم بأنه حق من عند الله من غير نظر إلى من أُنزل إليه، ولازم ذلك كون قوله: {إليك} زائداً في الكلام لا حاجة إليه.
وثالثاً: انقطاع الآية بسياقها عن سياق الآية السابقة عليها: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} والآيات المتقدمة عليها.
وههنا وجه آخر يمكن أن يندفع به بعض الإِشكالات السابقة وهو كون المراد بالذكر المنزل لفظ القرآن الكريم وبما نزل إليهم معاني الأحكام والشرائع وغيرها، ويكون قوله: {لتبيّن} غاية للإِنزال، وقوله: {ولعلهم يتفكرون} معطوفاً على مقدّر وغاية للتبيين لا للإِنزال، وهو خلاف ظاهر الآية، وعليك بإجادة التدبّر فيها.
ومن لطيف التعبير في الآية قوله: {وأنزلنا إليك} و {ما نزل إليهم} بتفريق الفعلين بالإِفعال الدال على اعتبار الجملة والدفعة والتفعيل الدال على اعتبار التدريج، ولعل الوجه في ذلك أن العناية في قوله: {وأنزلنا إليك} بتعلق الإِنزال بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط من غير نظر إلى خصوصية نفس الإِنزال، ولذلك أُخذ الذكر جملة واحدة فعبر عن نزوله من عنده تعالى بالإِنزال.
وأما الناس فإن الذي لهم من ذلك هو الأخذ والتعلم والعمل، وقد كان تدريجياً ولذلك عنى به وعبر عن نزوله إليهم بالتنزيل.
وفي الآية دلالة على حجيّة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيان الآيات القرآنية، وأمّا ما ذكره بعضهم أن ذلك في غير النص والظاهر من المتشابهات أو فيما يرجع إلى أسرار كلام الله وما فيه من التأويل فمما لا ينبغي أن يصغى إليه.
هذا في نفس بيانه صلى الله عليه وآله وسلم ويلحق به بيان أهل بيته لحديث الثقلين المتواتر وغيره وأما سائر الأُمة من الصحابة أو التابعين أو العلماء فلا حجية لبيانهم لعدم شمول الآية وعدم نص معتمد عليه يعطي حجية بيانهم على الإِطلاق.
وأما قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} فقد تقدم أنه إرشاد إلى حكم العقلاء بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم من غير اختصاص الحكم بطائفة دون طائفة.
هذا كله في نفس بيانهم المتلقى بالمشافهة، وأما الخبر الحاكي له فما كان منه بياناً متواتراً أو محفوفاً بقرينة قطعية وما يلحق به فهو حجة لكونه بيانهم، وأما ما كان مخالفاً للكتاب أو غير مخالف لكنه ليس بمتواتر ولا محفوفاً بالقرينة فلا حجيّة فيه لعدم كونه بياناً في الأول وعدم إحراز البيانية في الثاني وللتفصيل محل آخر.
قوله تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} هذه الآية والآيتان بعدها إنذار وتهديد للمشركين وهم الذين يعبدون غير الله سبحانه ويشرعون لأنفسهم سنناً يستنون بها في الحياة فما يعملون من الأعمال مستقلين فيها بأنفسهم معرضين عن شرائع الله النازلة من طريق النبوة استناداً إلى حجج داحضة اختلقوها لأنفسهم كلها سيئات وما يتقلبون فيها مدى حياتهم من حركة أو سكون وأخذ أو رد وفعل أو ترك وهم على ما هم عليه من استكبار وغرور، كلها ذنوب يقترفونها مكراً بالله ربهم وبرسله الداعين إلى الأخذ بدين الله ولزوم سبيله.
فقوله: {السيئات} مفعول {مكروا} بتضمينه بمعنى عملوا أي عملوا السيئات ماكرين؛ وما احتمله بعضهم من كون السيئات وصفاً سادّاً مسدّ المفعول المطلق والتقدير: يمكرون المكرات السيئات بعيد من السياق.
وبالجملة الكلام لتهديد المشركين وإنذارهم بالعذاب الإِلهي ويدخل فيهم مشركوا مكة، والكلام متفرع على ما تقدم كما يدل عليه قوله: {أفأمن} بفاء التفريع.
والمعنى - والله أعلم - فإذا دلّت الآيات البينات على أن الله هو ربهم لا شريك له في ربوبيته وأن الرسالة ليست بأمر محال بل هي دعوة إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم وخير دنياهم وأُخراهم من رجال هم أمثالهم يبعثهم الله ويوحى إليهم بما تشتمل عليه الدعوة، فهؤلاء الذين يعرضون عن ذلك ويمكرون بالله ورسله بالتشبّث بهذه الحجج الواهية لتسوية الطريق إلى ترك دين الله وتشريع ما يوافق أهواءهم ويعملون السيئات هل أمنوا أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، أي يفاجئهم من غير أن يتنبهوا بتوجهه إليهم قبل نزوله.
قوله تعالى {أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين} الفاعل هو الله سبحانه وقد كثرت في القرآن نسبة الأخذ إليه، وقيل: الضمير للعذاب، والتقلّب هو التحول من حال إلى حال والمراد به تحول المشركين في مقاصدهم وأعمالهم السيئة وانتقالهم من نعمة إلى نعمة أُخرى من نعم الحياة الدنيا، قال تعالى:
{ لا يغرنّك تقلّب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } } [آل عمران: 196ـ197]. فالمراد بأخذهم في تقلبهم أن يأخذهم في عين ما يتقلبون فيه من السيئات مكراً بالله ورسله بالعذاب أو المعنى يعذبهم بنفس ما يتقلبون فيه فيعود النعمة نقمة، وهذا أنسب بالنظر إلى قوله: {فما هم بمعجزين}.
وقوله: {فما هم بمعجزين} في مقام التعليل لأخذهم في تقلبهم ومكرهم السيئات أي لأنهم ليسوا بمعجزين لله فيما أراد بالتغلب عليه أو بالفرار من حكمه، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى: {أو يأخذهم على تخوّف فإن ربكم لرؤوف رحيم} التخوف تمكن الخوف من النفس واستقراره فيها فالأخذ على تخوف هو العذاب مبنياً على المخافة بأن يشعروا بالعذاب فيتقوه ويحذروه بما استطاعوا من توبة وندامة ونحوهما فيكون الأخذ على تخوف مقابلاً لإِتيان العذاب من حيث لا يشعرون.
وربما قيل: إن الأخذ على تخوف هو العذاب بما يخاف منه من غير هلاك كالزلزلة والطوفان وغيرهما.
وربما قيل: إن معنى التخوف التنقص بأن يأخذهم الله بنقص النعم واحدة بعد واحدة تدريجياً كأخذ الأمن ثم الأمطار ثم الرخص ثم الصحة وهكذا.
وقوله: {إن ربكم لرؤوف رحيم} في مقام التعليل أي يأخذهم على تخوف ويتنزّل في عذابهم إلى هذا النوع من العذاب الذي هو أهون الأنواع المعدودة لأنه رؤوف رحيم، وفي التعبير بقوله: {ربكم} إشارة إلى ذلك، وكونه في مقام التعليل بالنسبة إلى الوجهين الأولين ظاهر، وأما بالنسبه إلى الثالث فلأن الأخذ بالنقص لا يخلو من مهلة وفرصة يتنبه فيها من تنبه فيأخذ بالحذر بتوبة أو غيرها.
والكلام في تعداد أنواع العذاب المذكورة ليس مسوقاً للحصر كما نبّه به بعضهم بل إحصاء لأنواع منه.
قوله تعالى: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون} المراد بالرؤية الرؤية البصرية والنظر الحسي إلى الأشياء الجسمانية لأن المطلوب إلفات النظر إلى الأجسام ذوات الأظلال.
والتفيؤ من الفيء وهو الظل راجعاً، ولذا قيل: إن الظل هو ما في أول النهار إلى زوال الشمس والفيء هو ما يكون بعد زوال الشمس إلى آخر النهار، والظاهر أن الظل أعمّ من الفيء كما تقدم وتؤيده الآية. فالتفيّؤ رجوع الظل بعد زواله.
والشمائل جمع شمأل وهو خلاف اليمين، وجمعه باعتبار أخذ كل سمت مفروض خلف الشيء وعن يساره جهة شمال على حدة فهي شمائل تقابل اليمين كما أن عدّ كل شيء ذا أظلال بهذه العناية أخذاً للظل بالنسبة إلى كل جهة من اليمين والشمائل ظلاً غيره بالنسبة إلى جهة أُخرى لا لأن الشيء المذكور جمع بحسب المعنى وإن كان مفرداً بحسب اللفظ. والدخور هو الخضوع والصغار.
وكون المراد بالرؤية الرؤية البصرية قرينة على أن المراد بما خلق الله من شيء - ومن شيء بيان لما خلق الله - هو الأشياء المرئية، وما تعقّبه من حديث تفيّؤ الظلال يحصرها في الأجسام الكثيفة التي لها ظلال كالجبال والأشجار والأبنية والأجسام القائمة على الأرض فلا يرد أن ما خلق الله وخاصة بعد بيانه بالشيء لا يلازمه الظل كالأجرام العلوية المضيئة والأجسام الشفافة وأعراض الأجسام.
ولدفع هذا الإِشكال جعل بعضهم قوله: {يتفيؤا ظلاله} الخ، وصفاً لشيء حتى يخص البيان بالأشياء المخلوقة التي لها أفياء وأظلال ولا يخلو من وجه.
والآية تهدي المشركين وهم منكرون للتوحيد والنبوة إلى النظر في حال الأجسام التي لها أظلال تدور عن يمينها وعن شمائلها فإنها تمثل سجودها لله وخضوعها له وصغارها قبال عظمته وكبريائه، وكذا سجود ما في السماوات والأرض من دابة والملائكة.
فهي جميعاً ساجدة لله وحده لانقيادها الذاتي لأمره ممثلة للخضوع والصغار بهذا النسك الوجودي والعبادة التكوينية.
وهذا من أوضح الدليل على أن في العالم إلهاً معبوداً واحداً هو الله سبحانه وأن من حقه أن يسجد له ويخضع لأمره، وهذا هو التوحيد والنبوة اللذان ينكرونهما فهل التوحيد إلا الإِذعان بكون سبحانه هو الإِله الذي يجب الخضوع له والتوجه بالذلة والصغار إليه؟ وهل الدين الذي تتضمنه دعوة الأنبياء والرسل إلا الخضوع لله سبحانه والانقياد لأمره فيما أراد؟ فما بالهم ينكرون ذلك؟ وهم يرون ويعلمون أن ما على الأرض من أظلال الأجسام الكثيفة يسجد له، وما في السماوات والأرض من الملائكة و الذوات ساجدة له منقادة لأمره حتى أرباب أصنامهم الذين يتخذونهم آلهة دون الله فإنهم إما من الملائكة وإما من الجن وإما من كمّلي البشر، وهم جميعاً داخرون له منقادون لأمره.
فمعنى الآية - والله أعلم - {أولم يروا} هؤلاء المشركون المنكرون لتوحيد الربوبية ولدعوة النبوة أولم ينظروا {إلى ما خلق الله من شيء} من هذه الأجسام القائمة على بسيط الأرض من جبل أو بناء أو شجر أو أي جسم منتصب {يتفيؤا} ويرجع ويدور {ظلاله عن اليمين والشمائل سجَّداً لله} واقعة على الأرض تذللاً وتعبّداً له سبحانه {وهم داخرون} خاضعون صاغرون.
وقد تقدم الكلام في معنى سجدة الظلال ذيل قوله تعالى:
{ وظلالهم بالغدوّ والآصال } [الرعد: 15]، في الجزء الحادي عشر من الكتاب.
قوله تعالى: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة} إلى آخر الآيتين. ذكرت الآية السابقة سجود الظلال وهو معنى مشهود فيها يمثل معنى السجود لله، وتذكر هذه الآية سجود ما في السماوات والأرض من دابة - والدابة ما يدبّ ويتحرك بالانتقال من مكان إلى مكان - بحقيقة السجود التي هي نهاية التذلل والتواضع قبال العظمة والكبرياء فإن صورة السجدة التي هي خرور الإِنسان ووقوعه على وجهه على الأرض إنما تعدّ عبادة إذا أُريد بها تمثيل هذا المعنى فحقيقة السجدة هي التذلل المذكور.
ويدخل في عموم الدابة الإِنسان وكذا الجن لأنه سبحانه يصفهم في كلامه بما يفيد أن لهم دبيباً كما لسائر الدواب من الإِنسان والحيوان، ولم يدخل سبحانه الملائكة في عموم الدابة وأفردهم بالذكر، وفي ذلك من التلويح إلى أن ما نسب إليهم في كلامه تعالى من النزول والصعود والذهاب والمجيء مما ظاهره النقلة والحركة المكانية ليس من نوع ما للدواب من الدبيب والانتقال المكاني ما لا يخفى.
فقوله: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة} أي له يخضع وينقاد خضوعاً وانقياداً ذاتياً هي حقيقة السجود فمن حقه تعالى أن يُعبَد ويُسجَد له.
وفي الآية دلالة على أن في غير الأرض من السماوات شيئاً من الدواب يسكنها ويعيش فيها.
وقوله: {والملائكة وهم لا يستكبرون} الاستكبار والتكبر من الإِنسان أن يعدّ نفسه كبيراً ويضعه موضع الكبر وليس به ولذلك يعدّ في الرذائل لكن التكبر ربما يطلق على ما لله سبحانه من الكبرياء بالحق وهو الكبير المتعال فهو تعالى كبير متكبر وليس يقال: مستكبر ولعل ذلك كذلك اعتباراً باللفظ فإن الاستكبار بحسب أصل هيئته طلب الكبر ولازمه أن لا يكون ذلك حاصلاً للطالب من نفسه وإنما يطلب الكبر والعلوّ على غيره دعوى فكان مذموماً، وأما التكبر فهو الظهور بالكبرياء سواء كانت له في نفسه كما لله سبحانه وهو التكبر الحق أولم يكن له إلا دعوى وغروراً كما في غيره.
فتبين بذلك أن الاستكبار مذموم دائماً أما استكبار المخلوق على مخلوق آخر فلأن الفقر والحاجة قد استوعبهما جميعاً وشيء منهما لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا لغيره فاستكبار أحدهما على الآخر خروج منه عن حدّه وتجاوز عن طوره وظلم وطغيان.
وأما استكبار المخلوق على الخالق فلا يتم إلا مع دعوى المخلوق الاستقلال والغنى لنفسه وذهوله عن مقام ربه فإن النسبة بين العبد وربه نسبة الذلة والعزة والفقر والغنى فما لم يغفل العبد عن هذه النسبة ولم يذهل عن مشاهدة مقام ربه لم يعقل استكباره على ربه فإن الصغير الوضيع القائم أمام الكبير المتعالي وهو يشاهد صغار نفسه وذلته وكبرياء من هو أمامه وعزّته لا يتيسر له أن يرى لنفسه كبرياء وعزة إلا أن يأخذه غفلة وذهول.
وإذ كان الكبرياء والعلوّ لله جميعاً فدعواه الكبرياء والعلوّ تغلّب منه على ربه وغصب منه لمقامه واستكبار واستعلاء عليه دعوى، وهذا هو الاستكبار بحسب الذات ويتبعه الاستكبار بحسب الفعل وهو أن لا يأتمر بأمره ولا ينتهي عن نهيه فإنه ما لم يرَ لنفسه إرادة مستقلة قبال الإِرادة الإِلهية مغايرة لها لم يرَ لنفسه أن يخالفه في أمره ونهيه.
وعلى هذا فقوله: {وهم لا يستكبرون} في تعريف الملائكة والكلام في سياق العبودية دليل على أنهم لا يستكبرون على ربهم فلا يغفلون عنه تعالى ولا يذهلون عن الشعور بمقامه ومشاهدته.
وقد أطلق نفي الاستكبار من غير أن يقيّده بما بحسب الذات أو بحسب الفعل فأفاد أنهم لا يستكبرون عليه في ذات ولا فعل أي لا يغفلون عنه سبحانه ولا يستنكفون عن عبادته ولا يخالفون عن أمره، ولبيان هذا الإِطلاق والشمول عقّبه بياناً له بقوله: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} وأشار بذلك إلى نفي الاستكبار عنهم ذاتاً وفعلاً.
توضيح ذلك أن قوله: {يخافون ربهم من فوقهم} يثبت لهم الخوف من ربهم والله سبحانه ليس عنده إلا الخير ولا شر عنده ولا سبب شر يخاف منه إلا أن يكون الشر وسببه عند العبد وقد أخذ متعلق الخوف هو ربهم لا عذابه تعالى أو عصيان أمره كما في قوله:
{ ويرجون رحمته ويخافون عذابه } } [الإسراء: 57]. فهذه المخافة هي المخافة منه تعالى وهو وإن لم يكن عنده إلا الخير، والخوف إنما يكون من شر مترقب إلا أن حقيقته التأثر والانكسار والصغار وتأثر الضعيف قبال القوي الظاهر بقوته، وانكسار الصغير الوضيع أمام الكبير المتعال القاهر بكبريائه وتعاليه ضروري فمخافتهم هي تأثرهم الذاتي عما يشاهدونه من مقام ربهم ولا يغفلون عنه قط.
ويؤيد ما ذكرناه تقييد قوله: {يخافون ربهم} بقوله: {من فوقهم} فإن فيه إشارة إلى أن كونه تعالى فوقهم قاهراً لهم متعالياً بالنسبة إليهم هو السبب في مخافتهم، وليس هذا إلا الخوف من مقامه تعالى لا من عذابه فهو خوف ذاتي ويرجع إلى نفي الاستكبار عن ذواتهم.
وأما قوله: {ويفعلون ما يؤمرون} فإشارة إلى عدم استكبارهم في مقام الفعل وقد تقدم أنه إذا لم يستكبر عليه تعالى في ذات لم يستكبر عليه في فعل فهم لا يعصون الله سبحانه في أمر بل يفعلون ما يؤمرون، وفي إتيان قوله: {يؤمرون} مبنياً للمجهول من التعظيم والتفخيم لمقامه سبحانه ما لا يخفى.
فتبين أن الملائكة نوع من خلق الله تعالى لا تأخذهم غفلة عن مقام ربهم ولا يطرأ عليهم ذهول ولا سهو ولا نسيان عن ذلك ولا يشغلهم عنه شاغل، وهم لا يريدون إلا ما يريده الله سبحانه.
وإنما خص سبحانه الملائكة من بين الساجدين المذكورين في الآية بذكر شأنهم وتعريف أوصافهم وتفصيل عبوديتهم لأن أكثر آلهة الوثنيين من الملائكة كإله السماء وإله الأرض وإله الرزق وإله الجمال وغيرهم، وللدلالة على أنهم بالرغم من زعم الوثنيين - أمعن خلق الله تعالى في عبوديته وعبادته.
ومن عجيب الاستدلال ما استدل به بعضهم بالآية على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء كمثلنا أما دلالتها على التكليف فلمكان الأمر، وأما إدارتهم بين الخوف والرجاء فلان الآية ذكرت خوفهم والخوف يستلزم الرجاء.
وهو ظاهر الفساد أما الأمر فقد ورد في كلامه تعالى في موارد لا تكليف فيها قطعاً كالسماء والأرض وغيرهما قال تعالى:
{ فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين } [فصلت: 11]، وقال: {ويوم يقول كن فيكون}.
وأما استلزام الخوف للرجاء فإنما الملازمة ما بين الخوف من نزول العذاب وإصابة المكروه وبين الرجاء، وقد تقدم أن الذي في الآية إنما هو خوف مهابة وإجلال بمعنى تأثر الضعيف من القوي وانكسار الصغير الحقير قبال العظيم الكبير الظاهر عليه بعظمته وكبريائه ولا مقابلة بين الخوف بهذا المعنى وبين الرجاء.
وقد استدل بالآية أيضاً على أن الملائكة أفضل من البشر، وفيه أن من الممكن استظهار أفضليتهم من عصاة البشر وكفارهم ممن يفقد الصفات المذكورة لكونها مسوقة في مقام المدح وأما غيرهم فلا تعرض للآية لهم إثباتاً ونفياً، وسيأتي تفصيل القول في الملائكة في موضع يليق به إن شاء الله.
قوله تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} الرهبة الخوف وتقابل الرغبة كما أن الخوف يقابل به الرجاء.
والكلام معطوف على قوله: {ولله يسجد} وقيل: معطوف على قوله: {وأنزلنا إليك الذكر} وقيل: على قوله: {ما خلق الله} على طريقة قوله: "غلفتها تبناً وماء بارداً" أي وسقيتها ماء بارداً، والتقدير في الآية أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء وألم يسمعوا إلى ما قال الله {لا تتخذوا} الخ؟ والأول هو الوجه.
وقوله: {لا تتخذوا إلهين اثنين} أريد به - والله أعلم - النهي عن التعدّي عن الإِله الواحد باتخاذ غيره معه فيشمل الاثنين وما فوقه من العدد، ويؤيده تأكيده بقوله: {إنما هو إله واحد} و {اثنين} صفة {إلهين} كما أن {واحد} صفة {إله} جيء بهما للإِيضاح والتبيين.
وبعبارة أُخرى العناية متعلقة بالنهي عن اتخاذ غيره معه سواء كان واحداً أو أكثر من واحد لكن لما كان كل عدد اختاروه في الإِله فوق الإِثنين يجب أن يسلكوا إليه من الاثنين إذ لا يتحقق عدد هو فوق الإِثنين إلا بعد تحقق الإِثنين نهي عن اتخاذ الإِثنين واكتفى به عن النهي عن كل عدد فوق الواحد.
ويمكن أن يكون اعتبار الإِثنين نظراً إلى ما عليه دأبهم وسنتهم فإنهم يعتقدون من الإِله بإله الصنع والإِيجاد وهو الذي له الخلق فحسب وهو إله الآلهة وموجد الكل، وبإله العبادة وهو الذي له الربوبية والتدبير، وهذا المعنى أنسب بما يتلوه من الجمل.
وعلى هذا فالمعنى لا تتخذوا إلهين اثنين: إله الخلق وإله التدبير الذي له العبادة إنما هو أي الإِله إله واحد له الخلق والتدبير جميعاً لأن كل تدبير ينتهي إلى الإِيجاد، وإذ كنت أنا الخالق الموجد فأنا المدبر الذي تجب عبادته فإياي فارهبون وإياي فاعبدون.
ومن هنا يظهر وجه تفرّع قوله: {فإياي فارهبون} على ما تقدمه وأنه من لطيف الاستدلال، والجملة تفيد الحصر بتقديم المفعول على سبيل الاشتغال، و القصر قصر قلب لا قصر إفراد كما يفيده كلامهم فإن الوثنيين لا يعبدون الله وآلهتهم غير الله، وإنما يعبدون آلهتهم فحسب معتذرين بأن الله سبحانه لا يحيط به علم ولا يناله فهم فلا يمكن التوجه إليه بالعبادة فمن الواجب أن يعبد الكرام أو الأقوياء من خلقه كالملائكة والكاملين من البشر والجن فهم المدبرون لأمر العالم ينال بالعبادة خيرهم ويتقى بها شرهم وهذا معنى التقرب إلى الله بشفاعتهم.
والظاهر أن الأمر بالرهبة كناية عن الأمر بالعبادة وإنما اختصت الرهبة بالذكر ليوافق ما تقدم في حديث سجدة الكل التي هي الأصل في تشريع العبادة من خوف الملائكة، وعلى هذا فالظاهر أن المراد بالرهبة ما هي رهبة إجلال ومهابة لا ما هي رهبة مؤاخذة وعذاب، فافهم ذلك.
قوله تعالى: {وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصباً أفغير الله تتقون} قال في المفردات: الوصب السقم اللازم وقد وصب فلان فهو وصب وأوصبه كذا فهو يتوصب نحو يتوجع، قال تعالى: {ولهم عذاب واصب} {وله الدين واصباً} فتوعّدٌ لمن اتخذ إلهين وتنبيهٌ أن جزاء من فعل ذلك عذاب لازم شديد.
ويكون الدين ههنا الطاعة، ومعنى الواصب الدائم أي حق الإِنسان أن يطيعه دائماً في جميع أحواله كما وصف به الملائكة حيث قال: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ويقال: وصب وصوباً دام، ووصب الدين وجب، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها. انتهى.
والآية وما بعدها تحتج على وحدانيته تعالى في الألوهية بمعنى المعبودية بالحق وأن الدين له وحده ليس لأحد أن يشرّع من ذلك شيئاً ولا أن يطاع فيما شرع فالآية وما بعدها في مقام التعليل لقوله: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} إلى آخر الآية، واحتجاج على مضمونها وعود بعد عود إلى ما تقدم بيانه من التوحيد والنبوة اللذين ينكرهما المشركون.
فقوله: {وله ما في السماوات والأرض} احتجاج على توحّده تعالى في الربوبية فإن ما في السماوات والأرض من شيء فهو مملوك له بحقيقة معنى الملك إذ ما في العالم المشهود من شيء فهو بما له من الصفات والأفعال، قائم به تعالى موجود بإيجاده وظاهر بإظهاره لا يسعه أن ينقطع منه ولا لحظة فالأشياء قائمة به قيام الملك بمالكه مملوكة له ملكاً حقيقياً لا يقبل تغييراً ولا انتقالاً كما هو خاصة الملك الحقيقي كملك الإِنسان لسمعه وبصره مثلاً.
وإذا كان كذلك كان هو تعالى المدبر لأمر العالم إذ لا معنى لكون العالم مملوكاً له بهذا الملك ثم يستقل غيره بتدبير أمره والتصرف فيه وينعزل هو تعالى عما خلقه وملكه، وإذا كان هو المدبر لأمره كان هو الرب له إذ الرب هو المالك المدبر، وإذا كان هو الرب كان هو الذي يجب أن يتقي ويخضع له بالعبادة.
وقوله: {وله الدين واصباً} أي دائماً لازماً، وذلك أنه لما كان تعالى هو الرب الذي يملك الأشياء ويدبر أمرها ومن واجب التدبير أن يستن العالم الإِنساني بسنّة يبلغ به الجرى عليها غايته ويهديه إلى سعادته - وهذه السنّة والطريقة هي التي يسميها القرآن ديناً - كان من الواجب أن يكون تعالى هو القائم على وضع هذه السنّة وتشريع هذه الطريقة فهو تعالى المالك للدين كما قال: {وله الدين واصباً} وعليه أن يشرّع ما يصلح به التدبير كما قال فيما مرّ: {وعلى الله قصد السبيل} الآية.
وقيل: المراد بالدين الطاعة، وقيل: الملك، وقيل: الجزاء، ولكل منها وجه غير خفي على المتأمل، والأوجه هو ما قدّمناه لأنه أوفق وأنسب بسياق ما يحفها من الآيات السابقة واللاحقة الباحثة عن توحيد الربوبية وتشريع الدين من طريق الوحي والرسالة.
وقوله: {أفغير الله تتقون} استفهام إنكاري - متفرع على الجملتين جميعاً - على الظاهر، والمعنى: وإذا كان كذلك فهل غيره تعالى تتقون وتعبدون؟ وليس يملك شيئا ولا يدبر أمراً حتى يعبد، وليس من حقه أن يشرّع ديناً فيطاع فيما وضعه وشرعه.
قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسَّكم الضر فإليه تجأرون} بيان آخر لوحدانيته تعالى في الربوبية يفرّع سبحانه عليه ذمّهم وتوبيخهم على شركهم بالله وعلى تشريعهم أُموراً من عند أنفسهم من غير إذن منه ورضى ويجري الكلام في هذا المجرى إلى تمام بضع آيات.
والمراد بالضر سوء الحال من جهة فقدان النعمة التي تصلح بها الحال، والجؤار بضم الجيم صوت الوحوش استعير لرفع الصوت بالدعاء والتضرع والاستغاثة تشبيهاً له به.
وقوله: {وما بكم من نعمة فمن الله} الكلام مسوق للعموم وليس مجرد دعوى غير مستدل فقد بيّن ذلك في الآيات السابقة. على أن السامعين يسلّمون ذلك ويقولون به ويدلّ عليه جؤارهم واستغاثتهم إليه عند مسيس الضر بفقدان نعمة من النعم.
فالمعنى: أن جميع النعم التي عندكم من إنعامه تعالى عليكم وأنتم تعلمون ذلك ثم إذا حلَّ بكم شيء من الضر وسوء حال يسير رفعتم أصواتكم بالتضرع وجأرتم إليه لا إلى غيره ولو كان لغيره صنيعة عندكم لتوجّهتم إليه فهو سبحانه منعم النعمة وكاشف الضر فما بالكم لا تخصّونه بالعبادة ولا تطيعونه.
والاستغاثة به تعالى والتضرع إليه عند حلول المصائب وهجوم الشدائد التي ينقطع عندها الرجاء عن الأسباب الظاهرية ضرورية لا يرتاب فيها فإن الإِنسان ولو لم ينتحل إلى دين ولم يؤمن بالله سبحانه فإنه لا ينقطع رجاؤه عند الشدائد إذا رجع إلى ما يجده من نفسه، ولا رجاء إلا وهناك مرجو منه فمن الضروري أن تحقق ما لا يخلو من معنى التعلق كالحب والبغض والإِرادة والكراهة والجذب ونظائرها في الخارج لا يمكن إلا مع تحقق طرف تعلقها في الخارج فلو لم يكن في الخارج مراد لم تتحقق إرادة من مريد، ولو لم يكن هناك مطلوب لم يكن طلب ولو لم يكن جاذب يجذب لم يتصور مجذوب ينجذب، وهذا حال جميع المعاني الموجودة التي لا تخلو كينونتها عن نسبة.
فتعلق الرجاء من الإِنسان بالتخلص من البليّة عند انقطاع الأسباب دليل على أنه يرى أن هناك سبباً فوق هذه الأسباب المنقطع عنها لا تعجزه عظائم الحوادث وداهمات الرزايا، ولا ينقطع عنه الإِنسان، ولا يزول ولا يفنى ولا يسهو ولا ينسى قط.
هذا شيء يجده الإِنسان من نفسه وتقضي به فطرته وإن ألهاه عنه الاشتغال بالأسباب الظاهرة وجذبته إلى نفسها أمتعة الحياة وزخارف المادة المحسوسة لكنه إذا أحاطت به البليّة وأعيته الحيلة وسدَّت عليه طرق النجاة وانهزمت الأسباب الظاهرة عن آخرها وطارت الموانع عن نظره ولم يبقَ هناك مُلهٍ يلهيه ولا شاغل يشغله ظهر له ما أخفته الأسباب وعاين ما كان على غفلة منه فتعلقت نفسه به، وهو السبب الذي فوق كل سبب وهو الله عزّ اسمه.
قوله تعالى: {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} شروع في ذمّهم وتوبيخهم وينتهي إلى إيعادهم وحق لهم ذلك لأن الذي يستدعيه كشف الضر عن استغاثتهم ورجوعهم الفطري إلى ربهم أن يوحدوه بالربوبية بعد ما انكشفت لهم الحقيقة باندفاع البليّة ونزول الرحمة لكن فريقاً منهم تفاجئهم الشقوة فيعودون إلى التعلق بالأسباب فينتبه عندئذ الراقد من رذائل ملكاتهم فيثير لهم الأهواء ويشركون بربهم غيره، ومنه الأسباب التي يتعلقون بها، ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} اللام للغاية أي إنهم إنما يشركون بربهم ليكفروا بما أعطيناهم من النعمة بكشف الضر عنهم ولا يشكروه.
وجعل الكفر بالنعمة غاية للشرك إنما هو بدعوى أنهم لا غاية لهم في مسير حياتهم إلا الكفر بنعمة الله وعدم شكره على ما أولى فإن اشتغالهم بالحس والمادة أورثهم في قلوبهم ملكة التعلق بالأسباب الظاهرة وإسناد النعم الإِلهية إليها وضربهم إياها حجاباً ثخيناً على عرفان الفطرة فأنساهم ذلك توحيد ربهم في ربوبيته فصاروا يذكرون عند كل نعمة أسبابها الظاهرة دون الله، ويتعلقون بها ويخشون انقطاعها ويخضعون لها دون الله فكأنهم بل إنهم لا غاية لهم إلا كفر نعمة الله وعدم شكرها.
فالكفر بالله سبحانه هو غايتهم العامة في كل شأن أبدوه وكل عمل أتوا به فإذا أشركوا بربهم بعد كشف الضرّ بالخضوع لسائر الأسباب فإنما أشركوا ليكفروا بما آتاهم من النعمة.
ولما كان كفرانهم هذا - وهو كفر دائم يصرّون عليه واستكبار على الله، وقد قال تعالى:
{ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } [إبراهيم: 7] أثار ذكر ذلك الغضب الإِلهي فعدل عن خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم على نعت الغيبة إلى خطابهم وإيعادهم من غير توسيط فقال: {فتمتعوا فسوف تعلمون}.
ولم يذكر ما يتمتعون به ليفيد بالإِطلاق أن كل ما تمتعوا به سيؤاخذون عليه ولا ينفعهم شيء منه، ولم يذكر ما يعلمونه - وهو لا محالة أمر يسوؤهم - ليكونوا على جهل منه حتى يحل بهم مفاجأة ويبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وفيه تشديد للإِيعاد.
وذكر بعضهم: أن اللام في قوله: {ليكفروا بما آتيناهم} لام الأمر والمراد به الإِيعاد على نحو التعجيز وهو تكلف.
قوله تعالى: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون} ذكروا أنه معطوف على سائر جناياتهم التي دلّت عليها الآيات السابقة والتقدير أنهم يفعلون ما قصصناه من جناياتهم ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً، والظاهر أن "ما" في {لما لا يعلمون} موصولة والمراد به آلهتهم وضمير الجمع يعود إلى المشركين ومفعول {لا يعلمون} محذوف والمعنى ويجعل المشركون لآلهتهم التي لا يعلمون من حالها أنها تضر وتنفع نصيباً مما رزقناهم.
والمراد من هذا الجعل ما ذكره سبحانه في سورة الأنعام بقوله:
{ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون } [الأنعام: 136] هذا ما ذكروه ولا يخلو عن تكلف.
ويمكن أن يكون معطوفاً على ما مرّ من قوله: {يشركون} والتقدير إذا فريق منكم بربهم يشركون ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم، والمراد بما لا يعلمون الأسباب الظاهرة التي ينسبون إليها الآثار على سبيل الاستقلال وهم جاهلون بحقيقة حالها ولا علم لهم جازماً أنها تضر وتنفع مع ما يرون من تخلفها عن التأثير أحياناً.
وإنما نسب إليهم أنهم يجعلون لها نصيباً من رزقهم مع أنهم يسندون الرزق إليها بالاستقلال من غير أن يذكروا الله معها ومقتضاه نفي التأثير عنه تعالى رأساً لا إشراكه معها لأن لهم علماً فطرياً بأن الله سبحانه له تأثير في الأمر وقد ذكر عنهم آنفاً أنهم يجأرون إليه عند مس الضر وإذا اعتبر اعترافهم هذا مع إسنادهم التأثير إلى الأسباب أنتج ذلك أن الأسباب عندهم شركاء لله في الرزق ولها نصيب فيه ثم أوعدهم بقوله {تالله لتسألن عما كنتم تفترون}.
قوله تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} عتاب آخر لهم في حكم حكموا به جهلاً من غير علم فاحترموا لأنفسهم وأساؤا الأدب مجترئين على الله سبحانه حيث اختاروا لأنفسهم البنين وكرهوا البنات لكنهم نسبوها إلى الله سبحانه.
فقوله: {ويجعلون لله البنات سبحانه} هو أخذهم الآلهة دون الله أو بعض الآلهة إناثاً، وقولهم: إنهن بنات الله، وقد قيل: إن خزاعة وكنانة كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله.
وكانت الوثنية البرهمية والبوذية والصابئة يثبتون آلهة كثيرة من الملائكة والجن إناثاً وهنّ بنات الله، وفي القرآن الكريم:
{ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثاً } [الزخرف: 20]، وقال تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنّة نسباً } } [الصافات: 158]. وقال الإِمام في تفسيره في وجه ذلك: أظن أنهم سموها بنات لاستتارها عن العيون كالنساء كما أنهم أخذوا الشمس مؤنثاً لاستتار قرصها بنورها الباهر وضوئها عن العيون كالمخدرات من النساء ولا يلزم الأطراد في التسمية حتى يلزم مثل ذلك في الجن لاستتارهم عن العيون مع عدم التأنيث. انتهى ملخصاً.
وذكر بعضهم: أن الوجه في التأنيث كونها مستترة عن العيون مع كونها في محل لا يصل إليه الأغيار فهي كالبنات التي يغار عليهن الرجل فيسكنهن في محل أمين ومكان مكين، والجن وإن كانوا مستترين عن العيون لكنه على غير هذه الصورة انتهى.
وهذان الوجهان لا يتعديان طور الاستحسان، وأنت لو راجعت آراء الوثنية على اختلافهم - وقد تقدم شطر منها في الجزء العاشر من هذا الكتاب - عرفت أن العرب لم تكن مبتكرة في هذه العقيدة بل لها أصل قديم في آراء قدماء الوثنية في الهند ومصر وبابل واليونان والروم.
والإِمعان في أُصول آرائهم يعطي أنهم كانوا يتخذون الملائكة الذين ينتهي إليهم وجوه الخير في العالم والجن الذين يرجع إليهم الشرور آلهة يعبدونهم رغباً ورهباً، وهذه المبادئ العالية والقوى الكلية التي هم يحملونها، وبعبارة أخرى هم مظاهر لها تنقسم إلى فاعله ومنفعلة وهم يعتبرون اجتماع الفاعل والمنفعل منها نكاحاً وازدواجاً والفاعل منها أباً والمنفعل منها أُماً، والمتحصل من اجتماعهما ولداً وينقسم الأولاد إلى بنين وبنات فمن الآلهة ما هن أُمهات وبنات ومنها ما هم آباء وبنون.
فلئن كان بعض وثنية العرب قالت: إن الملائكة جميعاً بنات الله فقول أرادوا أن يقلدوا فيه من قبلهم جهلاً ومن غير تثبت.
وقوله: {ولهم ما يشتهون} ظاهر السياق أنه معطوف على {لله البنات} والتقدير ويجعلون لهم ما يشتهون، أي يثبتون لله سبحانه البنات باعتقاد أن الملائكة بناته ويثبتون لأنفسهم ما يشتهون وهم البنون بقتل البنات ووأدها والمحصل أنهم يرضون لله بما لا يرضون به لأنفسهم.
وقيل: إن {ما يشتهون} مبتدأ مؤخّر و {لهم} خبر مقدَّم والجملة معطوفة على {يجعلون} وعلى هذا فالجملة مسوقة للتقريع أو الاستهزاء.
وقد وجهوا ذلك بأن عطف الجملة على {لله البنات} غير جائز لمخالفته القاعدة وهي أن الفعل المتعدي إلى المفعول بنفسه أو بحرف جر إذا كان فاعله ضميراً متصلاً مرفوعاً فإنه لا يتعدى إلى نفس هذا الضمير بنفسه أو بحرف جر إلا بفاصل مثلاً إذا ضرب زيد نفسه لم يقل: زيد ضربه وأنت ضربتك وإذا غضب على نفسه لم يقل: زيد غضب عليه، وإنما يقال: زيد ضرب نفسه أو ما ضرب إلا إياه، وزيد غضب على نفسه أو ما غضب إلا عليه إلا في باب ظن وما الحق به من فقد وعدم فيجوز أن يقال: زيد ظنه قوياً أي نفسه.
وعلى هذا فلو كان قوله: {ولهم ما يشتهون} معطوفاً على قوله: {لله البنات} كان من الواجب أن يقال: {ولأنفسهم ما يشتهون} انتهى محصلاً.
والحق أن التزام هذه القاعدة إنما هو لدفع اللبس، وأن تخلل حرف الجر بين الضميرين من الفصل، وفي القرآن الكريم:
{ وهزي إليك بجذع النخلة } [مريم: 25] { واضمم إليك جناحك } [القصص: 32]، ومنهم من رد القاعدة من رأس لانتقاضها بالآيتين، وأجابوا أيضاً بوجوه أُخر لا حاجة بنا إلى ذكرها من أرادها فليراجع التفاسير.
قوله تعالى: {وإذا بشر أحدهم بالأُنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم} اسوداد الوجه كناية عن الغضب، والكظيم هو الذي يتجرع الغيظ، والجملة حالية أي ينسبون إلى ربهم البنات والحال أنهم إذا بشر أحدهم بالأُنثى فقيل: ولدت لك بنت اسود وجهه من الغيظ وهو يتجرع غيظه.
قوله تعالى: {يتوارى من القوم من سوء ما بشّر به} إلى آخر الآية، التواري الاستخفاء والتخفى وهو مأخوذ من الوراء، والهون الذلة والخزي، والدس الإِخفاء.
والمعنى: يستخفي هذا المبشر بالبنت من القوم من سوء ما بشّر به على عقيدته ويتفكر في أمره: أيمسك ما بشّر به وهي البنت على ذلة من إمساكه وحفظه أم يخفيه في التراب كما كان ذلك عادتهم في المواليد من البنات كما قيل: إن أحدهم كان يحفر حفيرة صغيرة فإذا كان المولود أُنثى جعلها في الحفيرة وحثا عليها التراب حتى تموت تحته، وكانوا يفعلون ذلك مخافة الفقر عليهن فيطمع غير الأكفاء فيهن.
وأول ما بدا لهم ذلك أن بني تميم غزوا كسرى فهزمهم وسبى نساءهم وذراريهم فأدخلهن دار الملك واتخذ البنات جواري وسرايا ثم اصطلحوا بعد برهة واستردّوا السبايا فخيّرن في الرجوع إلى أهلهن فامتنعت عدّة من البنات فأغضب ذلك رجال بني تميم فعزموا لا تولد لهم أُنثى إلا وأدوها ودفنوها حيّة ثم تبعهم في ذلك بعض من دونهم فشاع بينهم وأد البنات.
وقوله: {ألا ساء ما يحكمون} هو حكمهم أن له البنات ولهم البنون لا لهوان البنات وكرامة البنين في نفس الأمر بل معنى هذا الحكم عندهم أن يكون لله ما يكرهون ولهم ما يحبون، وقيل المراد بالحكم حكمهم بوجوب وأد البنات وكون إمساكهن هوناً، وأول الوجهين أوفق وأنسب للآية التالية.
قوله تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} المثل هو الصفة ومنه سمّي المثل السائر مثلاً لأنه صفة تسير في الألسن وتجري في كل موضع تناسبه وتشابهه.
والسوء - بالفتح والسكون - مصدر ساء يسوء كما أن السوء بالضم اسمه وإضافة المثل إلى السوء تفيد التنويع فإن الأشياء إنما توصف إما من جهة حسنها وإما من جهة سوئها وقبحها فالمثل مثلان: مثل الحسن ومثل السوء.
والحسن والقبح ربما كانا من جهة الخلقة لا صنع للإِنسان ولا مدخل لاختياره فيهما كحسن الوجه ودمامة الخلقة، وربما لحقا من جهة الأعمال الاختيارية كحسن العدل وقبح الظلم، وإنما يحمد ويذمّ العقل ما كان من القسم الثاني دون القسم الأول فيدور الحمد والذم بحسب الحقيقة مدار العمل بما تستحسنه وتأمر به الفطرة الإِنسانية من الأعمال التي توصله إلى ما فيه سعادة حياته وترك العمل بها وهو الذي يتضمنه الدين الحق من أحكام الفطرة.
ومن المعلوم أن الطبع الإِنساني لا رادع له عن اقتراف العمل السئ إلا أليم المؤاخذة وشديد العقاب وإذعانه بإيقاعه وإنجازه، وأما الذم فإنه يتبدل مدحاً إذا شاع الفعل وخرج بذلك عن كونه منكراً غير معروف.
ومن هنا يظهر أن الإِيمان بالآخرة والإِذعان بالحساب والجزاء هو الأصل الوحيد الذي يضمن حفظ الإِنسان عن اقتراف الأعمال السيئة ويجيره من لحوق أي ذم وخزي وهو المنشأ الذي يقوّم أعمال الإِنسان تقويماً يحمله على ملازمة طريق السعادة، ولا يؤثر أثره أي شيء آخر من المعارف الأصلية حتى التوحيد الذي إليه ينتهى كل أصل.
وإلى ذلك يشير قوله تعالى:
{ ولا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل الله إن الذين يضلّون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } } [ص: 26]. فعدم الإِيمان بالآخرة واستخفاف أمر الحساب والجزاء هو مصدر كل عمل سيء ومورده، وبالمقابلة الإِيمان بالآخرة هو منشأ كل حسنة ومنبع كل خير وبركة.
فكل مثل سوء وصفة قبح يلزم الإِنسان ويلحقه فإنما يأتيه من قبل نسيان الآخرة كما أن كل مثل حسن وصفة حمد بالعكس من ذلك.
وبما تقدم يظهر النكتة في قوله: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} فقد كان يصفهم في الآيات السابقة بالشرك فلما أراد بيان أن لهم مثل السوء بدّل ذلك من وصفهم بعدم إيمانهم بالآخرة.
فالذين لا يؤمنون بالآخرة هم الأصل في عروض كل مثل سوء وصفة قبح فإن ملاكه وهو إنكار الآخرة نعتهم اللازم لهم. ولو لحق بعض المؤمنين بالآخرة شيء من مثل السوء فإنما يلحقه لنسيان ما ليوم الحساب والمنكرون هم الأصل في ذلك.
هذا في صفات السوء التي يستقبحها العقل ويذمّها، وهناك صفات سوء لا يستقبحها العقل وإنما يكرهها الطبع كالأُنوثة عند قوم وإيلاد البنات عند آخرين والفقر المالي والمرض وكالموت والفناء والعجز والجهل تشترك بين المؤمن والكافر وصفات أُخرى تحليلية كالفقر والحاجة والنقص والعدم والإِمكان لا تختص بالإِنسان بل هي مشتركة بين جميع الممكنات سارية في عامة الخلق، والكافر يتصف بها كما يتصف بها غيره، فالكافر في معرض الاتصاف بكل مثل سوء منها ما يختص به ومنها ما يشترك بينه وبين غيره كما بيّن تفصيلاً.
والله سبحانه منزّه من أن يتصف بشيء من هذه الصفات التي هي أمثال السوء أما أمثال السوء التي تتحصل من ناحية سيئات الأعمال مما يستقبحه العقل ويذمّه ويجمعها الظلم فلأنه لا يظلم شيئاً، قال تعالى:
{ ولا يظلم ربك أحداً } [الكهف: 49]، وقال: { وهو الحكيم العليم } [الزخرف: 84]، فما قضاه من حكم أو فعله من شيء فهو المتعين في الحكمة لا يصلح بالنظر إلى النظام الجاري في الوجود إلا ذاك.
وأما أمثال السوء مما يستكرهه الطبع أو يحلله العقل فلا سبيل لها إليه تعالى فإنه عزيز مطلق يمتنع جانبه من أن تسرب إليه ذلة فإن له كل القدرة لا يعرضه عجز، وله العلم كله فلا يطرأ عليه جهل، وله محض الحياة لا يهدّده موت ولا فناء منزّه عن كل نقص وعدم فلا يتصف بصفات الأجسام مما فيه نقص أو فقد أو قصور أو فتور، والآيات في هذه المعاني كثيرة ظاهرة لا حاجة إلى إيرادها.
فهو سبحانه ذو علو ونزاهة من أن يتصف بشيء من أمثال السوء التي يتصف بها غيره، ولا هذا المقدار من التنزّه والتقدّس فحسب بل منزّه من أن يتصف بشيء من الأمثال الحسنة والصفات الجميلة الكريمة بمعانيها التي يتصف بها غيره كالحياة والعلم والقدرة والعزة والعظمة والكبرياء وغيرها، فإن الذي يوجد من هذه الصفات الحسنة الكمالية في الممكنات محدودة متناه مشوب بالفقر والحاجة مخلوط بالفقدان والنقيصة لكن الذي له سبحانه من الصفات محض الكمال وحقيقته غير محدودة ولا متناه ولا مشوب بنقص وعدم، فله حياة لا يهددها موت، وقدرة لا يعتريها عيّ وعجز، وعلم لا يقارنه جهل، وعزة ليس معها ذلة.
فله المثل الأعلى والصفة الحسنى، قال تعالى:
{ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض } [الروم: 27]،وقال: { له الأسماء الحسنى } [الحشر: 24]، فالأمثال منها دانية ومنها عالية والعالية منها أعلى ومنها غيره، والأعلى مثله تعالى والأسماء سيئة وحسنة والحسنة منها أحسن وغيره ولله منها ما هو احسن فافهم ذلك.
فقد تبين بما تقدم معنى كون مثله أعلى، وأن قوله: {ولله المثل الأعلى} مسوق للحصر أي لله المثل الذي هو أعلى دون المثل الذي هو سيئ دان ودون المثل الذي هو حسن عال من صفات الكمال الذي تتصف به الممكنات وليس بأعلى.
وتبين أيضاً أن المثل الأعلى الذي يظهر له تعالى من البيان السابق هو انتفاء جميع الصفات السيئة عنه كما قال:
{ ليس كمثله شيء } [الشورى: 11]، ومن الصفات الثبوتية كل صفة حسنة منفياً عنه الحدود والنواقص.
وقوله: {وهو العزيز الحكيم} مسوق لإِفادة الحصر وتعليل ما تقدمه أي وهو الذي له كل العزة فلا تعتريه ذلة أصلاً لأن كل ذلة فهو فقد عزة ما وليس يفقد عزة ما، وله كل الحكمة فلا يعرضه جهالة لأنها فقد حكمة ما وليس يفقد شيئاً من الحكمة.
وإذ لا سبيل لذلة ولا جهالة إليه فلا يتصف بشيء من صفات النقص، ولا ينعت بشيء من نعوت الذّم وأمثال السوء، لكن الكافر ذليل في ذاته جهول في نفسه فتلحقه وتلازمه صفات النقص ويتصف بصفات الذم وأمثال السوء فللذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء.
والمؤمن وإن كان ذليلاً في ذاته جهولاً في نفسه كالكافر إلا أنه لدخوله في ولاية الله أعزه ربه بعزته وأظهره على الجهالة بتأييده بروح منه، قال تعالى:
{ والله ولي المؤمنين } [آل عمران: 68]، وقال: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } [المنافقون: 8]، وقال: { أُولئك كتب في قلوبهم الإِيمان وأيدهم بروح منه } } [المجادلة: 22]. قوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} إلى آخر الآية. ضمير "عليها" عائد إلى الأرض لدلالة "الناس" عليها.
ولا يبعد أن يدعى أن السياق يدل على كون المراد بالدابة الإِنسان فقط من جهة كونه يدب ويتحرك، والمعنى ولو أخذ الله الناس بظلمهم مستمراً على المؤاخذة ما ترك على الأرض من إنسان يدب ويتحرك، أما جل الناس فإنهم يهلكون بظلمهم وأما الأشذ الأندر وهم الأنبياء والأئمة المعصومون من الظلم فهم لا يوجدون لهلاك آبائهم وأُمهاتهم من قبل.
والقوم أخذوا الدابة في الآية بإطلاق معناها وهو كل ما يدب على الأرض من إنسان وحيوان فعاد معنى الآية إلى أنه لو يؤاخذهم بظلمهم لأهلك البشر وكل حيوان على الأرض فتوجه إليه: أن هذا هو الإِنسان يهلك بظلمه فما بال سائر الحيوان يهلك ولا ظلم له أو يهلك بظلم من الإِنسان؟
وأوجه ما أُجيب به عنه قول بعضهم بإصلاح منا: إن الله تعالى لو أخذهم بظلمهم بكفر أو معصية لهلك عامة الناس بظلمهم إلا المعصومين منهم وأما المعصومون على شذوذهم وقلة عددهم فإنهم لا يوجدون لهلاك آبائهم وأُمهاتهم من قبل، وإذا هلك الناس وبطل النسل هلكت الدواب من سائر الحيوان لأنها مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم كما يشعر به قوله تعالى:
{ خلق لكم ما في الأرض جميعاً } } [البقرة: 29]. ولهم وجوه أُخر في الذب عن الآية على تقدير عموم الدابة فيها لا جدوى في نقلها من أرادها فليراجع مطولات التفاسير.
واحتج بعضهم بالآية على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام، وفيه أن الآية لا تدل على أزيد من أنه تعالى لو أخذ بالظلم لهلك جميع الناس وانقرض النوع، وأما أن كل من يهلك فإنما هلك عن ظلمه فلا دلالة لها عليه فمن الجائز أن يهلك الأكثرون بظلمهم ويفنى الأقلون بفناء آبائهم وأُمهاتهم كما تقدم فلا دلالة في الآية على استغراق الظلم الأفراد حتى الأنبياء والمعصومين وإنما تدل على استغراق الفناء.
وربما قيل في الجواب أن المراد بالناس الظالمون منهم بقرينة قوله: {على ظلمهم} فلا يشمل المعصومين من رأس.
وربما أُجيب: أن المراد بالظلم أعم من المعصية التي هي مخالفة الأمر المولوي وترك الأولى الذي هو مخالفة الأمر الإِرشادي وربما صدر عن الأنبياء عليهم السلام كما حكى عن آدم وزوجه:
{ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } [الأعراف: 23]، وغيره من الأنبياء فحسنات الأبرار سيئات المقربين وحينئذ فلا يدل عموم الظلم في الآية للأنبياء على عدم عصمة الأنبياء عن المعصية بمعنى مخالفة الأمر المولوي.
وربما أُجيب بأن إهلاك جميع الناس إنما هو بأن الله يمسك عن إنزال المطر على الأرض لظلم الظالمين من الناس فيهلك به الظالمون والأولياء والدواب فإن العذاب إذا نزل لم يفرّق بين الشقي والسعيد فيكون على العدو نقمة ونكالاً وعلى غيره محنة ومزيد أجر.
والأجوبة الثلاثة غير تامة جميعاً:
أما الأول: فإن اختصاص الناس بالظالمين يوجب اختصاص الهلاك بهم كما ادعي فلا يعم الهلاك المعصومين، ولا موجب حينئذ لهلاك سائر الدواب المخلوقة للإِنسان فلا يستقيم قوله: {ما ترك عليها من دابة} كما لا يخفى.
وأما الثاني: فلأن الآيات بما لها من السياق تبحث عن الظلم بمعنى الشرك وسائر المعاصي المولوية فتعميم الظلم في الآية لترك الأولى وخاصة بالنظر إلى ذيل الآية {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} الظاهر في الإِيعاد لا يلائم السياق.
وأما الثالث: فلعدم دليل من جهة اللفظ على ما ذكر فيه.
وقوله: {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} استدراك عن مقدر يدل عليه الجملة الشرطية في صدر الآية والتقدير: فلا يعاجل في مؤاخذتهم ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى والأجل المسمى بالنسبة إلى الفرد من الإِنسان موته المحتوم، وبالنسبة إلى الأُمة يوم انقراضها وبالنسبة إلى عامة البشر نفخ الصور وقيام الساعة، ولكل منها ذكر في كلامه تعالى قال:
{ ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلاً مسمى } [غافر: 67]، وقال: { ولكل أُمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } [الأعراف: 34] وقال: { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم } } [الشورى: 14]. قوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} إلى آخر الآية، عود إلى نسبة المشركين إليه تعالى البنات واختيارهم لأنفسهم البنين وهم يكرهون البنات ويحبون البنين ويستحسنونهم.
فقوله: {ويجعلون لله ما يكرهون} يعني البنات وقوله: {وتصف ألسنتهم الكذب} أي تخبر ألسنتهم الخبر الكاذب وهو {أن لهم الحسنى} أي العاقبة الحسنى من الحياة وهي أن يخلفهم البنون، وقيل: المراد بالحسنى الجنة على تقدير صحة البعث وصدق الأنبياء فيما يخبرون به كما حكاه عنهم في قوله:
{ ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } [فصلت: 50]، وهذا الوجه لا بأس به لولا ذيل الآية بما سيجيء من معناه.
وقوله: {لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} أي المقدمون إلى عذاب النار يقال فرط وأفرط أي تقدم والإِفراط الإِسراف في التقدم كما أن التفريط التقصير فيه، والفرط بفتحتين هو الذي يسبق السيَّارة لتهيئة المسكن والماء، ويقال: أفرطه أي قدَّمه.
ولما كان قولهم كذباً وافتراء إن لله ما يكرهون ولهم الحسنى في معنى دعوى أنهم سبقوا ربهم إلى الحسنى وتركوا له ما يكرهون أوعدهم بحقيقة هذا الزعم جزاء لكذبهم وهو أن لهم النار وأنهم مقدمون إليها حقاً وذلك قوله: {لا جرم أن لهم النَّار} الخ.
قوله تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أُمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم} ظاهر السياق أن المراد باليوم يوم نزول الآية والمراد بكون الشيطان ولياً لهم يومئذ اتفاقهم على الضلال في زمان الوحي والمراد بالعذاب الموعود عذاب يوم القيامة كما هو ظاهر غالب الآيات التي توعد بالعذاب.
والمعنى: تالله لقد أرسلنا رسلنا إلى أُمم من قبلك كاليهود والنصارى والمجوس ممن لم ينقرضوا كعاد وثمود فزين لهم الشيطان أعمالهم فاتبعوه وأعرضوا عن رسلنا فهو وليهم اليوم وهم متفقون على الضلال ولهم يوم القيامة عذاب أليم.
وجوّز الزمخشري على هذا الوجه أن يكون ضمير {وليهم} لقريش والمعنى أن الشيطان زيّن للأُمم الماضين أعمالهم وهو اليوم ولي قريش. ويبعّده لزوم اختلاف الضمائر.
ويمكن أن يكون المراد بالأُمم الأُمم الماضين والهالكين فولاية الشيطان لهم اليوم كونهم من أولياء الشيطان في البرزخ ولهم هناك عذاب أليم.
وقيل: المراد باليوم مدة الدنيا فهي يوم الولاية والعذاب يوم القيامة.
وقيل: المراد به يوم القيامة فهناك ولاية الشيطان لهم ولهم هناك عذاب أليم.
وقيل: المراد يوم تزيين الشيطان أعمالهم وهو من قبيل حكاية الحال الماضية.
وأقرب الوجوه أولها ثم التالى فالتالي والله أعلم.
قوله تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه} الخ ضمير لهم للمشركين والمراد بالذي اختلفوا فيه هو الحق من اعتقاد وعمل فيكون المراد بالتبين الإِيضاح والكشف لإِتمام الحجة، والدليل على هذا الذي ذكرنا تفريق أمر المؤمنين منهم وإفرادهم بالذكر في قوله: {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.
والمعنى: هذا حال الناس في الاختلاف في المعارف الحقة والأحكام الإِلهية وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتكشف لهؤلاء المختلفين الحق الذي اختلف فيه فيتم لهم الحجة، وليكون هدى ورحمة لقوم يؤمنون يهديهم الله به إلى الحق ويرحمهم بالإِيمان به والعمل.
(بحث روائي)
في الكافي بإسناده عن عبد الرحمان بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} قال: الذكر محمد ونحن أهله المسؤولون الحديث.
أقول: يشير عليه السلام إلى قوله تعالى:
{ قد أنزل الله عليكم ذكراً رسولاً } [الطلاق: 10ـ11] وفي معناه روايات كثيرة.
وفي تفسير البرهان عن البرقى بإسناده عن عبد الكريم بن أبي الديلم عن أبي عبد الله عليه السلام: قال جلّ ذكره: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} قال: الكتاب الذكر وأهله آل محمد عليهم السلام أمر الله عز وجل بسؤالهم ولم يأمر بسؤال الجهّال وسمى الله عز وجل القرآن ذكراً فقال تبارك وتعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزَّل إليهم ولعلهم يتفكرون} وقال تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون}.
أقول: وهذا احتجاج على كونهم أهل الذكر بأن الذكر هو القرآن وأنهم أهله لكونهم قوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والآيتان في آخر الكلام للاستشهاد على ذلك كما صرّح بذلك في غيره من الروايات، وفي معنى الحديث أحاديث أُخر.
وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له إن من عندنا يزعمون أن قول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أنهم اليهود والنصارى فقال: إذاً يدعونكم إلى دينهم قال: ثم قال بيده إلى صدره: نحن أهل الذكر الذكر ونحن المسؤولون. قال: قال أبو جعفر عليه السلام الذكر القرآن.
أقول: وروى نظير هذا البيان عن الرضا عليه السلام في مجلس المأمون.
وقد مرَّ أن الخطاب في الآية على ما يفيده السياق للمشركين من الوثنيين المحيلين للرسالة أُمروا أن يسألوا أهل الذكر وهم أهل الكتب السماوية: هل بعث الله للرسالة رجالاً من البشر يوحى إليهم؟ ومن المعلوم أن المشركين لما كانوا لا يقبلون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن معنى لإِرجاعهم إلى غيره من أهل القرآن لأنهم لم يكونوا يقرّون للقرآن أنه ذكر من الله فتعين أن يكون المسؤول عنه بالنظر إلى مورد الآية هم أهل الكتاب وخاصة اليهود.
وأما إذا أُخذ قوله: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} في نفسه مع قطع النظر عن المورد ومن شأن القرآن ذلك - ومن المعلوم أن المورد لا يخصّص بنفسه - كان القول عامّاً من حيث السائل والمسؤول والمسؤول عنه ظاهراً فالسائل كل من يمكن أن يجهل شيئاً من المعارف حقيقية والمسائل من المكلفين، والمسؤول عنه جميع المعارف والمسائل التي يمكن أن يجهله جاهل، وأما المسؤول فإنه وإن كان بحسب المفهوم عاماً فهو بحسب المصداق خاص وهم أهل بيت النبي عليه وعليهم السلام.
وذلك أن المراد بالذكر إن كان هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في آية الطلاق فهم أهل الذكر، وإن كان هو القرآن كما في آية الزخرف فهو ذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولقومه - وهم قومه أو المتيقن من قومه - فهم أهله وخاصته وهم المسؤولون وقد قارنهم صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن وأمر الناس بالتمسك بهما في حديث الثقلين المتواتر قائلاً: إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. الحديث.
ومن الدليل على أن كلامهم عليهم السلام من الجهة التي ذكرناها عدم تعرّضهم لشيء من خصوصيات مورد الآية.
ومما قدمناه يظهر فساد ما أورده بعضهم على الأحاديث أن المشركين الذين أُمروا بالسؤال ما كانوا يقبلون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يقبلون من أهل بيته؟
وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله وقد قال الله: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} فينبغي للمؤمن أن يعرف عمله على هدى أم على خلافه"
]. وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات} إلى قوله {بمعجزين} قال: قال: عليه السلام: إذا جاؤا وذهبوا في التجارات فيأخذهم في تلك الحالة {أو يأخذهم على تخوّف} قال: قال: على تيقظ.
وفي تفسير العياشي عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألت عن قول الله: {وله الدين واصباً} قال: واجباً.
وفي المعاني بإسناده عن حنّان بن سدير عن الصادق عليه السلام في حديث قال عليه السلام: {ولله المثل الأعلى} الذي لا يشبهه شيء ولا يوصف ولا يتوهم.
وفي الدر المنثور في قوله: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} الآية، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لو أن الله يؤاخذني وعيسى بن مريم بذنوبنا - وفي لفظ: بما جنت هاتان الإِبهام والتى تليها - لعذّبنا ما يظلمنا شيئاً" .
أقول: والحديث مخالف لما يثبته الكتاب والسنّة من عصمة الأنبياء عليهم السلام ولا وجه لحمله على إرادة ترك الأولى من الذنوب إذ لا عذاب عليه.