خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً
٤٠
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً
٤١
قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً
٤٢
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً
٤٣
تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً
٤٤
وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً
٤٥
وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً
٤٦
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً
٤٧
ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً
٤٨
وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
٤٩
قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً
٥٠
أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً
٥١
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً
٥٢
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً
٥٣
رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً
٥٤
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً
٥٥
-الإسراء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
في الآيات تعقيب مسألة التوحيد وتوبيخ المشركين على اتخاذهم الآلهة ونسبة الملائكة الكرام إلى الأنوثية، وأنهم لا يتذكرون بما يلقي إليهم القرآن من حجج الوحدانية، ولا يفقهون الآيات بل يستهزؤون بالرسول وبما يلقي إليهم من أمر البعث ويسيئون القول في أمر الله وغير ذلك.
قوله تعالى: {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً} الإِصفاء الإِخلاص قال في المجمع: تقول: أصفيت فلاناً بالشيء إذا آثرته به. انتهى.
خطاب لمن يقول منهم: إن الملائكة بنات الله أو بعضهم بنات الله والاستفهام للإِنكار، ولعله بدل البنات من الاناث لكونهم يعدون الأُنوثة من صفات الخسة.
والمعنى إذا كان سبحانه ربكم لا رب غيره وهو الذي يتولى أمر كل شيء فهل تقولون أنه آثركم بكرامة لم يتكرم به هو نفسه وهو أنه خصكم بالبنين ولم يتخذ لنفسه من الولد إلا الإِناث وهم الملائكة الكرام الذين تزعمون أنهم إناث إنكم لتقولون قولاً عظيماً من حيث استتباعه التبعه السيئة.
قوله تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفوراً} قال في المفردات: الصرف رد الشيء من حالة إلى حالة أو إبداله بغيره. قال: والتصريف كالصرف إلا في التكثير، وأكثر ما يُقال في صرف الشيء من حالة إلى حالة ومن أمر إلى أمر، وتصريف الرياح هو صرفها من حال إلى حال قال تعالى: {وصرفنا الآيات} {وصرفنا فيه من الوعيد} ومنه تصريف الكرم وتصريف الدراهم. انتهى.
وقال: النفر الانزعاج من الشيء وإلى الشيء كالفزع إلى الشيء وعن الشيء يقال: نفر عن الشيء نفوراً قال تعالى: {ما زادهم إلا نفوراً} {وما يزيدهم إلا نفوراً} انتهى.
فقوله: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا} معناه بشهادة السياق: وأقسم لقد رددنا الكلام معهم في أمر التوحيد ونفي الشريك من وجه إلى وجه وحولناه من لحن إلى لحن في هذا القرآن فأوردناه بمختلف العبارات وبيناه بأقسام البيانات ليتذكروا ويتبين لهم الحق.
وقوله: {فما يزيدهم إلا نفوراً} أي ما يزيدهم التصريف إلا انزعاجاً كلما استؤنف جيء ببيان جديد أورثهم نفره جديدة.
وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبه تنبيهاً على أنهم غير صالحين للخطاب والتكليم بعد ما كان حالهم هذا الحال.
قال في المجمع: فإن قيل: إذا كان المعلوم أنهم يزدادون النفور عند إنزال القرآن فما المعنى في إنزاله؟ وما وجه الحكمه فيه؟.
قيل: الحكمة فيه إلزام الحجه وقطع المعذرة في إظهار الدلائل التي تحسن التكليف، وأنه يصلح عند إنزاله جماعه ما كانوا يصلحون عند عدم إنزاله، ولو لم ينزل لكان هؤلاء الذين ينفرون عن الإِيمان يفسدون بفساد أعظم من هذا النفور فالحكمه اقتضت إنزاله لهذه المعاني، وإنما ازدادوا نفوراً عند مشاهدة الآيات والدلائل لاعتقادهم أنها شبه وحيل وقلة تفكرهم فيها. انتهى.
وقوله: إنه لو لم ينزل لكانوا يفسدون بفساد أعظم من النفور لا يخلو من شيء فإن ازدياد النفور يبلغ بهم إلى الجحود ومعاندة الحق والصد عنه ولا فساد أعظم منه في باب الدعوة.
لكن ينبغي أن يعلم أن الكفر والجحود والنفور عن الحق والعناد معه كما كانت تضر أصحابها وتوردهم مورد الهلاك فهي تنفع أرباب الإِيمان والرضا بالحق والتسليم له إذ لو لم يتحقق لهذه الخصال الحسنه والصفات الجميله مقابلات لم تتحقق لها كينونة فافهم ذلك.
فمن الواجب في الحكمة أن تتم الحجه ثم تزيد في تمامها حتى يظهر من الشقي كل ما في وسعه من الشقاء، ويتخذ السعداء بمختلف مساعيهم من الدرجات ما يحاذي دركات الأشقياء وقد قال تعالى: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً} الآية 20 من السورة.
قوله تعالى: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} أعرض عن مخاطبتهم فصرف الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمره أن يكلمهم في أمر التوحيد ونفي الشريك والذي يقولون به أن هناك آلهه دون الله يتولون جهات التدبير في العالم على اختلاف مراتبهم والواحد منهم رب لما يدبره كإله السماء وإله الأرض وإله الحرب وإله قريش.
وإذ كانوا شركاء من جهة التدبير لكل واحد منهم الملك على حسب ربوبيته والملك من توابع الخلق الذي يختص به سبحانه حتى على معتقدهم كان الملك مما يقبل في نفسه أن يقوم به غيره تعالى وحب الملك والسلطنه ضروري لكل موجود كانوا بالضرورة طالبين أن ينازعوه في ملكه وينتزعوه من يده حتى ينفرد الواحد منهم بالملك والسلطنه، ويتعين بالعزة والهيمنة تعالى الله عن ذلك.
فملخص الحجة أنه لو كان معه آلهه كما يقولون وكان يمكن أن ينال غيره تعالى شيئاً من ملكه الذي هو من لوازم ذاته الفياضه لكل شيء وحب الملك والسلطنه مغروز في كل موجود بالضرورة لطلب أُولئك الآلهة أن ينالوا ملكه فيعزلوه عن عرشه ويزدادوا ملكاً على ملك لحبهم ذلك ضرورة لكن لا سبيل لاحد إليه تعالى عن ذلك.
فقوله: {إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} أي طلبوا سبيلاً إليه ليغلبوه على ما له من الملك، والتعبير عنه تعالى بذي العرش وهو من الصفات الخاصة بالملك للدلاله على أن ابتغاءهم السبيل إليه إنما هو لكونه ذا العرش وهو ابتغاء سبيل إلى عرشه ليستقروا عليه.
ومن هنا يظهر أن قول بعضهم أن الحجه في الآية هي في معنى الحجه التي في قوله تعالى:
{ لو كان فيهما آلهه إلا الله لفسدتا } [الأنبياء: 22] في غير محله.
وذلك أن الحجتين مختلفتان في مقدماتهما فالحجة التي في الآية التي نحن فيها تسلك إلى نفي الشريك من جهه ابتغاء الآلهه السبيل إلى ذي العرش وطلبهم الغلبة عليه بانتزاع الملك منه، والتي في آيه الأنبياء تسلك من جهه أن اختلاف الآلهه في ذواتهم يؤدي إلى اختلافهم في التدبير وذلك يؤدي إلى فساد النظام فالحق أن الحجه التي فيما نحن فيه غير الحجه التي في آيه الأنبياء، والتي تقرب من حجه آيه الأنبياء ما في قوله:
{ إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض } [المؤمنون: 91]. وكذا ما نقل عن بعض قدماء المفسرين: أن المراد من ابتغائهم سبيلاً إلى ذي العرش طلبهم التقرب والزلفى منه لعلوه عليهم، وتقريب الحجه أنه لو كان معه آلهه كما يقولون لطلبوا التقرب منه تعالى والزلفى لديه لعلمهم بعلوه وعظمته، والذي كان حاله هذا الحال لا يكون إلهاً فليسوا بآلهة.
في غير محله لشهادة السياق على خلافه كوصفه تعالى بذي العرش وقوله بعد: {سبحانه وتعالى عما يقولون} الخ فإنه ظاهر في أن لما قدروه من ثبوت الآلهة المستلزم لابتغائهم سبيلاً إلى الله محذوراً عظيماً لا تحتمله ساحة العظمة والكبرياء مثل كون ملكه في معرض ابتغاء سبيل إليه وتهاجم غيره عليه وكونه لا يأبى بحسب طبعه أن يبتز وينتقل إلى من دونه.
قوله تعالى: {سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} التعالي هو العلو البالغ ولهذا وصف المفعول المطلق أعني {علواً} بقوله: {كبيراً} فالكلام في معنى تعالى تعالياً، والآية تنزيه له تعالى عما يقولونه من ثبوت الآلهه وكون ملكه وربوبيته مما يمكن أن يناله غيره.
قوله تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} الخ الآية وما قبلها وان كانت واقعه موقع التعظيم كقوله: {وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه} لكنها تفيد بوجه في الحجه المتقدمة فإنها بمنزلة المقدمة المتممة لقوله: {لو كان معه آلهة كما يقولون} الخ فإن الحجة بالحقيقة قياس استثنائي والذي بمنزلة الاستثناء هو ما في الآية من تسبيح الأشياء له سبحانه كأنه قيل: لو كان معه آلهه لكان ملكه في معرض المنازعة والمهاجمة لكن الملك من السماوات والأرض ومن فيهن ينزهه عن ذلك ويشهد أن لا شريك له في الملك فإنها لم تبتدئ إلا منه ولا تنتهي إلا إليه ولا تقوم إلا به ولا تخضع سجداً إلا له فلا يتلبس بالملك ولا يصلح له إلا هو فلا رب غيره.
ومن الممكن أن تكون الآيتان أعني قوله: {سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. تسبح له السماوات} الخ جميعاً في معنى الاستثناء والتقدير لو كان معه آلهة لطلبوا مغالبته وعزله من ملكه لكنه سبحانه ينزه ذاته عن ذلك بذاته الفياضة التي يقوم به كل شيء وتلزمه الربوبيه من غير أن يفارقه أو ينتقل إلى غيره، وكذلك ملكه وهو عالم السماوات والأرض ومن فيهن ينزهنه سبحانه بذواتها المسبحه له حيث انها قائمة الذات به لو انقطعت أو حجبت عنه طرفة عين فنت وانعدمت فليس معه آلهة ولا أن ملكه وربوبيته مما يمكن أن يبتغيه غيره فتأمل فيه.
وكيف كان فقوله: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن} يثبت لأجزاء العالم المشهود التسبيح وأنها تسبح الله وتنزهه عما يقولون من الشريك و ينسبون إليه.
والتسبيح تنزيه قولي كلامي وحقيقه الكلام الكشف عما في الضمير بنوع من الإِشاره إليه والدلاله عليه غير أن الإِنسان لما لم يجد إلى إراده كل ما يريد الإِشاره إليه من طريق التكوين طريقاً التجأ إلى استعمال الألفاظ وهي الأصوات الموضوعة للمعاني، ودل بها على ما في ضميره، وجرت على ذلك سنة التفهيم والتفهم، وربما استعان على بعض مقاصده بالإِشاره بيده أو رأسه أو غيرهما، وربما استعان على ذلك بكتابة أو نصب علامة.
وبالجملة فالذي يكشف به عن معنى مقصود قول وكلام وقيام الشيء بهذا الكشف قول منه وتكليم وإن لم يكن بصوت مقروع ولفظ موضوع، ومن الدليل عليه ما ينسبه القرآن إليه تعالى من الكلام والقول والأمر والوحي ونحو ذلك مما فيه معنى الكشف عن المقاصد وليس من قبيل القول والكلام المعهود عندنا معشر المتلسنين باللغات وقد سماه الله سبحانه قولاً وكلاماً.
وعند هذه الموجودات المشهودة من السماء والأرض ومن فيهما ما يكشف كشفاً صريحاً عن وحدانية ربها في ربوبيته وينزهه تعالى عن كل نقص وشين فهي تسبح الله سبحانه.
وذلك أنها ليست لها في أنفسها إلا محض الحاجه وصرف الفاقة إليه في ذاتها وصفاتها وأحوالها. والحاجة أقوى كاشف عما إليه الحاجه لا يستقل المحتاج دونه ولا ينفك عنه فكل من هذه الموجودات يكشف بحاجته في وجوده ونقصه في ذاته عن موجده الغني في وجوده التام الكامل في ذاته وبارتباطه بسائر الموجودات التي يستعين بها على تكميل وجوده ورفع نقائصه في ذاته أن موجده هو ربه المتصرف في كل شيء المدبر لأمره.
ثم النظام العام الجاري في الأشياء الجامع لشتاتها الرابط بينها يكشف عن وحدة موجدها، وأنه الذي إليه بوحدته يرجع الأشياء وبه بوحدته ترتفع الحوائج والنقائص فلا يخلو من دونه من الحاجة، ولا يتعرى ما سواه من النقيصة وهو الرب لا رب غيره والغني الذي لا فقر عنده والكمال الذي لا نقص فيه.
فكل واحد من هذه الموجودات يكشف بحاجته ونقصه عن تنزه ربه عن الحاجة وبراءته من النقص حتى أن الجاهل المثبت لربه شركاء من دونه أو الناسب إليه شيئاً من النقص والشين تعالى وتقدس يثبت بذلك تنزهه من الشريك وينسب بذلك إليه البراءه من النقص فإن المعنى الذي تصور في ضمير هذا الإِنسان واللفظ الذي يلفظه لسانه وجميع ما استخدمه في تأدية هذا المقصود كل ذلك أُمور موجوده تكشف بحاجتها الوجودية عن رب واحد لا شريك له ولا نقص فيه.
فمثل هذا الإِنسان الجاحد في كون جحوده اعترافاً مثل ما لو ادعى إنسان أن لا إنسان متكلماً في الدنيا وشهد على ذلك قولاً فإن شهادته أقوى حجة على خلاف ما ادعاه وشهد عليه وكلما تكررت الشهادة على هذا النمط وكثر الشهود تأكدت الحجة من طريق الشهادة على خلافها.
فإن قلت: مجرد الكشف عن التنزه لا يسمى تسبيحاً حتى يقارن القصد والقصد مما يتوقف على الحياه وأغلب هذه الموجودات عادمة للحياه كالأرض والسماء وأنواع الجمادات فلا مخلص من حمل التسبيح على المجاز فتسبيحها دلالتها بحسب وجودها على تنزه ربها.
قلت: كلامه تعالى مشعر بأن العلم سار في الموجودات مع سريان الخلقه فلكل منها حظ من العلم على مقدار حظه من الوجود، وليس لازم ذلك أن يتساوى الجميع من حيث العلم أو يتحد من حيث جنسه ونوعه أو يكون عند كل ما عند الإِنسان من ذلك أو أن يفقه الإِنسان بما عندها من العلم قال تعالى حكاية عن أعضاء الإِنسان:
{ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } [فصلت: 21] وقال: { فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين } [فصلت: 11] والآيات في هذا المعنى كثيرة، وسيوافيك كلام مستقل في ذلك إن شاء الله تعالى.
وإذا كان كذلك فما من موجود مخلوق إلا وهو يشعر بنفسه بعض الشعور وهو يريد بوجوده إظهار نفسه المحتاجة الناقصة التي يحيط بها غنى ربه وكماله لا رب غيره فهو يسبح ربه وينزهه عن الشريك وعن كل نقص ينسب إليه.
وبذلك يظهر أن لا وجه لحمل التسبيح في الآية على مطلق الدلالة مجازاً فالمجاز لا يصار إليه إلا مع امتناع الحمل على الحقيقة، ونظيره قول بعضهم: إن تسبيح بعض هذه الموجودات قالي حقيقي كتسبيح الملائكه والمؤمنين من الإِنسان وتسبيح بعضها حالي مجازي كدلاله الجمادات بوجودها عليه تعالى ولفظ التسبيح مستعمل في الآية على سبيل عموم المجاز، وقد عرفت ضعفه آنفاً.
والحق أن التسبيح في الجميع حقيقي قالي غير أن كونه قالياً لا يستلزم أن يكون بألفاظ موضوعة وأصوات مقروعة كما تقدمت الإِشارة إليه وقد تقدم في آخر الجزء الثاني من الكتاب كلام في الكلام نافع في المقام.
فقوله تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن} يثبت لها تسبيحاً حقيقياً وهو تكلمها بوجودها وما له من الارتباط بسائر الموجودات الكائنة وبيانها تنزه ربها عما ينسب إليه المشركون من الشركاء وجهات النقص.
وقوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} تعميم التسبيح لكل شيء وقد كانت الجمله السابقة عدت السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وتزيد عليها بذكر الحمد مع التسبيح فتفيد أن كل شيء كما يسبحه تعالى كذلك يحمده بالثناء عليه بجميل صفاته وأفعاله.
وذلك أنه كما أن عند كل من هذه الأشياء شيئاً من الحاجة والنقص عائداً إلى نفسه كذلك عنده من جميل صنعه ونعمته تعالى شيء راجع إليه تعالى موهوب من لدنه، وكما أن إظهار هذه الأشياء لنفسها في الوجود إظهار لحاجتها ونقصها وكشف عن تنزه ربها عن الحاجه والنقص، وهو تسبيحها كذلك إبرازها لنفسها إبراز لما عندها من جميل فعل ربها الذي وراءه جميل صفاته تعالى فهو حمدها فليس الحمد إلا الثناء على الجميل الاختياري فهي تحمد ربها كما تسبحه وهو قوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}.
وبلفظ آخر إذا لوحظ الأشياء من جهه كشفها عما عند ربها بإبرازها ما عندها من الحاجه والنقص مع ما لها من الشعور بذلك كان ذلك تسبيحاً منها، وإذا لو حظت من جهه كشفها ما لربها بإظهارها ما عندها من نعمة الوجود وسائر جهات الكمال فهو حمد منها لربها وإذا لوحظ كشفها ما عند الله سبحانه من صفه جمال أو جلال مع قطع النظر عن علمها وشعورها بما تكشف عنه كان ذلك دلالة منها عليه تعالى وهي آياته.
وهذا نعم الشاهد على أن المراد بالتسبيح في الآية ليس مجرد دلالتها عليه تعالى بنفي الشريك وجهات النقص فإن الخطاب في قوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} إما للمشركين وإما للناس أعم من المؤمن والمشرك وهم على أي حال يفقهون دلالة الأشياء على صانعها مع أن الآية تنفي عنهم الفقه.
ولا يصغى إلى قول من قال: إن الخطاب للمشركين وهم لعدم تدبرهم فيها وقلة انتفاعهم بها كان فهمهم بمنزله العدم، ولا إلى دعوى من يدعي أنهم لعدم فهمهم بعض المراد من التسبيح جعلوا ممن لا يفقه الجميع تغليباً.
وذلك لأن تنزيل الفهم منزلة العدم أو جعل البعض كالجميع لا يلائم مقام الاحتجاج وهو سبحانه يخاطبهم في سابق الآية بالحجة على التنزيه على أن هذا النوع من المسامحة بالتغليب ونحوه لا يحتمله كلامه تعالى.
وأما ما وقع في قوله بعد هذه الآية: {وإذا قرأت القرآن} إلى آخر الآيات من نفي الفقه عن المشركين فليس يؤيد ما ذكروه فإن الآيات تنفي عنهم فقه القرآن وهو غير نفي فيه دلالة الأشياء على تنزهه تعالى إذ بها تتم الحجة عليهم.
فالحق أن التسبيح الذي تثبته الآية لكل شيء هو التسبيح بمعناه الحقيقي وقد تكرر في كلامه تعالى إثباته للسموات والأرض ومن فيهن وما فيهن وفيها موارد لا تحتمل إلا الحقيقة كقوله تعالى:
{ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير } [الأنبياء: 79]، وقوله: { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإِشراق } [ص: 18] ويقرب منه قوله: { يا جبال أوبي معه والطير } [سبأ: 10] فلا معنى لحملها على التسبيح بلسان الحال.
وقد استفاضت الروايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن للأشياء تسبيحاً ومنها روايات تسبيح الحصى في كف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيوافيك بعضها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: {إنه كان حليماً غفوراً} أي يمهل فلا يعاجل بالعقوبة ويغفر من تاب ورجع إليه وفي الوصفين دلاله على تنزهه تعالى عن كل نقص فإن لازم الحلم أن لا يخاف الفوت، ولازم المغفره أن لا يتضرر بالمغفرة ولا بإفاضه الرحمة فملكه وربوبيته لا يقبل نقصاً ولا زوالاً.
وقد قيل في وجه هذا التذييل أنه إشاره إلى أن الإِنسان في قصوره عن فهم هذا التسبيح الذي لا يزال كل شيء مشتغلاً به حتى نفسه بجميع أركان وجوده بأبلغ بيان، مخطئ من حقه أن يؤاخذ به لكن الله سبحانه بحلمه ومغفرته لا يعاجله ويعفو عن ذلك إن شاء.
وهو وجه حسن ولازمه أن يكون الإِنسان في وسعه أن يفقه هذا التسبيح من نفسه ومن غيره، ولعلنا نوفق لبيانه إن شاء الله في موضع يليق به.
قوله تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} ظاهر توصيف الحجاب بالمستور أنه حجاب مستور عن الحواس على خلاف الحجابات المتداولة بين الناس المعمولة لستر شيء عن شيء فهو حجاب معنوي مضروب بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أنه قار للقرآن حامل له وبين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة يحجبه عنهم فلا يستطيعون يفقهوا حقيقة ما عنده من معارف القرآن ويؤمنوا به ولا أن يذعنوا بأنه رسول من الله جاءهم بالحق، ولذلك تولوا عنه إذا ذكر الله وحده وبالغوا في إنكار المعاد ورموه بأنه رجل مسحور، والآيات التاليه تؤيد هذا المعنى.
وإنما وصف المشركين بقوله: {الذين لا يؤمنون بالآخرة} لأن إنكار الآخرة يلغو معه الإِيمان بالله وحده وبالرساله فالكفر بالمعاد يستلزم الكفر بجميع أصول الدين، وليكون تمهيداً لما سيذكر من إنكارهم البعث.
والمعنى: إذا قرأت القرآن وتلوته عليهم جعلنا بينك وبين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة - وفي توصيفهم بذلك ذم لهم - حجاباً معنوياً محجوباً عن فهمهم فلا يسعهم أن يسمعوا ذكره تعالى وحده، ولا أن يعرفوك بالرسالة الحقة، ولا أن يؤمنوا بالمعاد ويفقهوا حقيقته.
وللقوم في قوله: {حجاباً مستوراً} أقوال أُخر فعن بعضهم أن "مفعول" فيه للنسب أي حجاباً ذا ستر نظير قولهم: رجل مرطوب ومكان مهول وجارية مغنوجة أي ذو رطوبة وذو هول وذات غنج، ومنه قوله تعالى: {وعده مأتيا} أي ذا إتيان والإِكثر في ذلك أن يجيء على فاعل كلابن وتامر.
وعن الأخفش أن "مفعول" ربما ورد بمعنى فاعل كميمون ومشؤوم بمعنى يامن وشائم كما أن "فاعل" ربما ورد بمعنى مفعول كماء دافق أي مدفوق فمستور بمعنى ساتر.
وعن بعضهم أن ذلك من الإِسناد المجازي والمستور بحسب الحقيقة هو ما وراء الحجاب لا نفسه.
وعن بعضهم أنه من قبيل الحذف والإِيصال وأصله حجاباً مستوراً به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وقيل: المعنى حجاباً مستوراً بحجاب آخر أي بحجب متعدده وقيل المعنى حجاباً مستوراً كونه حجاباً بمعنى أنهم لا يدرون أنهم لا يدرون والثلاثه الأخيرة أسخف الوجوه.
قوله تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً} الأكنه جمع كن بالكسر وهو على ما ذكره الراغب ما يحفظ فيه الشيء ويستر به عن غيره، والوقر الثقل في السمع، وفي المجمع: النفور جمع نافر، وهذا الجمع قياس في كل فاعل اشتق من فعل مصدره على فعول مثل ركوع وسجود وشهود. انتهى.
وقوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة} الخ كالبيان للحجاب المذكور سابقاً أي أغشينا قلوبهم بأغشيه وحجب حذار أن يفقهوا القرآن وجعلنا في آذانهم وقراً وثقلاً أن يسمعوه فهم لا يسمعون القرآن سمع قبول ولا يفقهونه فقه إيمان وتصديق كل ذلك مجازاة لهم بما كفروا وفسقوا.
وقوله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} أي على نعت التوحيد ونفى الشريك ولوا على أدبارهم نافرين وأعرضوا عنه مستديرين.
قوله تعالى: {نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك} إلى آخر الآية، النجوى مصدر ولذا يوصف به الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث وهو لا يتغير في لفظه.
والآية بمنزلة الحجة على ما ذكر في الآية السابقة أنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً فقوله: {نحن أعلم بما يستمعون به} الخ ناظر إلى جعل الوقر وقوله: {وإذ هم نجوى} الخ ناظر إلى جعل الأكنة.
يقول تعالى: نحن أعلم بآذانهم التي يستمعون بها إليك وبقلوبهم التي ينظرون بها في أمرك وكيف لا؟ وهو تعالى خالقها ومدبر أمرها فإخباره أنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقراً أصدق وأحق بالقبول - فنحن أعلم بما يستمعون به وهو آذانهم في وقت يستمعون إليك، ونحن أعلم أي بقلوبهم إذ هم نجوى إذ يناجي بعضهم بعضاً متحرزين عن الإِجهار ورفع الصوت وهم يرون الرأي {إذ يقول الظالمون} أي يقول القائلون منهم وهم ظالمون في قولهم - {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} وهذا تصديق أنهم لم يفقهوا الحق.
وفي الآية إشعار بل دلالة على أنهم كانوا لا يأتونه صلى الله عليه وآله وسلم لاستماع القرآن علناً حذراً من اللائمة وإنما يأتونه متسترين مستخفين حتى إذا رأى بعضهم بعضاً على هذا الحال تلاوموا بالنجوى خوفاً أن يحس النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون بموقفهم فقال بعضهم لبعض: إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً، وبهذا يتأيد ما ورد في أسباب النزول بهذا المعنى، وسنورده إن شاء الله في البحث الروائي الآتي.
قوله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً} المثل بمعنى الوصف، وضرب الأمثال التوصيف بالصفات ومعنى الآية ظاهر، وهي تفيد أنهم لا مطمع في إيمانهم كما قال تعالى:
{ وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } [يس: 10]. قوله تعالى: {وقالوا أإذا كنا عظاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون خلقاً جديداً} قال في المجمع: الرفات ما تكسر وبلي من كل شيء، ويكثر بناء فعال في كل ما يحطم ويرضض يقال: حطام ودقاق وتراب وقال المبرد: كل شيء مدقوق مبالغ في دقه حتى انسحق فهو رفات. انتهى.
في الآية مضي في بيان عدم فقههم بمعارف القرآن حيث استبعدوا البعث وهو من أهم ما يثبته القرآن وأوضح ما قامت عليه الحجج من طريق الوحي والعقل حتى وصفه الله في مواضع من كلامه بأنه {لا ريب فيه} وليس لهم حجة على نفيه غير أنهم استبعدوه استبعاداً.
ومن أعظم ما يزين في قلوبهم هذا الاستبعاد زعمهم أن الموت فناء للإِنسان ومن المستبعد أن يتكون الشيء عن عدم بحت كما قالوا: أإذا كنا عظاماً ورفاتاً بفساد أبداننا عن الموت حتى إذا لم يبق منها إلا العظام ثم رمت العظام وصارت رفاتاً أإنا لفي خلق جديد نعود أناسي كما كنا؟ ذلك رجع بعيد ولذلك رده سبحانه إليهم بتذكيرهم القدرة المطلقة والخلق الأول كما سيأتي.
قوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم} جواب عن استبعادهم، وقد عبروا في كلامهم بقولهم: {أإذا كنا} فأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمرهم أمر تسخير أن يكونوا حجارة أو حديداً "الخ" مما تبديله إلى الإِنسان أبعد وأصعب عندهم من تبديل العظام الرفات إليه.
فيكون إشاره إلى أن القدرة المطلقة الإِلهية لا يشقها شيء تريد تجديد خلقه سواء أكان عظاماً ورفاتاً أو حجاره أو حديداً أو غير ذلك.
والمعنى: قل لهم ليكونوا شيئاً أشد من العظام والرفات حجارة أو حديداً أو مخلوقاً آخر من الأشياء التي تكبر في صدورهم ويبالغون في استبعاد أن يخلق منه الإِنسان - فليكونوا ما شاءوا فإن الله سيعيد إليهم خلقهم الأول ويبعثهم.
قوله تعالى: {فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة} أي فإذا أجبت عن استبعادهم بأنهم مبعوثون أياً ما كانوا وإلى أي حال وصفة تحولوا سيسألونك ويقولون من يعيدنا إلى ما كنا عليه من الخلقة الإِنسانية؟ فاذكر لهم الله سبحانه وذكرهم من وصفه بما لا يبقى معه لاستبعادهم محل وهو فطره إياهم أول مرة ولم يكونوا شيئاً وقل: يعيدكم الذي خلقكم أول مرة.
ففي تبديل لفظ الجلالة من قوله: {الذي خلقكم أول مرة} إثبات الإِمكان ورفع الاستبعاد بإراءة المثل.
قوله تعالى: {فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً} قال الراغب: الإِنغاض تحريك الرأس نحو الغير كالمتعجب منه. انتهى.
والمعنى: فإذا قرعتهم بالحجه وذكرتهم بقدرة الله على كل شيء وفطره إياهم أول مرة وجدتهم يحركون إليك رؤوسهم تحريك المستهزئ المستخف بك المستهين له ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريباً فإنه لا سبيل إلى العلم به وهو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله لكن وصف اليوم معلوم باعلامه تعالى ولذا وصفه لهم واضعاً الصفه مكان الوقت فقال: يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده، الآية.
قوله تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً} {يوم} منصوب بفعل مضمر أي تبعثون يوم كذا وكذا والدعوة هي أمره تعالى لهم أن يقوموا ليوم الجزاء واستجابتهم هي قبولهم الدعوه الإِلهيه، وقوله: {بحمده} حال من فاعل تستجيبون والتقدير تستجيبون متلبسين بحمده أي حامدين له تعدون البعث والإِعاده منه فعلاً جميلاً يحمد فاعله ويثنى عليه لأن الحقائق تنكشف لكم اليوم فيتبين لكم أن من الواجب في الحكمه الإِلهية أن يبعث الناس للجزاء وأن تكون بعد الأُولى أُخرى.
وقوله: {وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً} أي تزعمون يوم البعث أنكم لم تلبثوا في القبور بعد الموت إلا زماناً قليلاً وترون أن اليوم كان قريباً منكم جداً.
وقد صدقهم الله في هذه المزعمة وان خطأهم فيما ضربوا له من المدة قال تعالى:
{ قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون } [المؤمنون: 114]، وقال: { ويوم تقوم الساعه يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعه كذلك كانوا يؤفكون قال الذين أُوتوا العلم والإِيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث } [الروم: 55-56] إلى غير ذلك من الآيات.
وفي التعرض لقوله: {وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً} تعريض لهم في استبطائهم اليوم واستهزائهم به، وتأييد لما مر من رجاء قربه في قوله: {قل عسى أن يكون قريباً} أي وأنكم ستعدونه قريباً، وكذا في قوله: {فتستجيبون بحمده} تعريض لهم في استهزائهم به وتعجبهم منه أي وانكم ستحمدونه يوم البعث وانتم اليوم تستبعدونه وتستهزؤن بأمره.
قوله تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم} الخ يلوح من السياق أن المراد بعبادي هم المؤمنون فالإِضافة للتشريف، وقوله: {قل لعبادي يقولوا} الخ أي مرهم أن يقولوا فهو أمر وجواب أمر مجزوم، وقوله: {التي هي أحسن} أي الكلمه التي هي أحسن، وهو اشتمالها على الأدب الجميل وتعريها عن الخشونة والشتم وسوء الأمر.
الآية وما بعدها من الآيتين ذات سياق واحد، وخلاصة مضمونها الأمر باحسان القول ولزوم الأدب الجميل في الكلام تحرزاً عن نزغ الشيطان، وليعلموا أن الأمر إلى مشيئة الله لا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يرفع القلم عن كل من آمن به وانتسب إليه ويتأهل للسعادة، فله ما يقول، وله أن يحرم غيره كل خير ويسيء القول فيه فما للإِنسان إلا حسن سريرته وكمال أدبه، وقد فضل الله بذلك بعض الأنبياء على بعض وخص داود بإيتاء الزبور الذي فيه أحسن القول وجميل الثناء على الله سبحانه.
ومن هنا يظهر أن المؤمنين قبل الهجرة ربما كانوا يحاورون المشركين فيغلظون لهم في القول ويخاشنونهم بالكلام وربما جبهوهم بأنهم أهل النار، وأنهم معشر المؤمنين أهل الجنه ببركة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان ذلك يهيج المشركين عليهم ويزيد في عداوتهم ويبعثهم إلى المبالغة في فتنتهم وتعذيبهم وإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعناد مع الحق.
فأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمرهم بقول التي هي أحسن والمقام مناسب لذلك فقد تقدم آنفاً حكاية إساءة الأدب من المشركين إلى النبي وتسميتهم إياه رجلاً مسحوراً واستهزائهم بالقرآن وبما فيه من معارف المبدأ والمعاد، وهذا هو وجه اتصال الآيات الثلاث بما قبلها واتصال بعض الثلاث ببعض فافهم ذلك.
فقوله: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} أمر بالأمر والمأمور به قول الكلمه التي هي أحسن فهو نظير قوله:
{ وجادلهم بالتي هي أحسن } [النحل: 125] وقوله: {إن الشيطان ينزغ بينهم} تعليل للأمر، وقوله: {إن الشيطان كان للإِنسان عدواً مبيناً} تعليل لنزغ الشيطان بينهم.
وربما قيل: إن المراد بقول التي هي أحسن الكف عن قتال المشركين ومعاملتهم بالسلم والخطاب للمؤمنين بمكه قبل الهجرة فالآية نظيرة قوله:
{ وقولوا للناس حسناً } [البقرة: 83] على ما ورد في أسباب النزول، وأنت خبير بأن سياق التعليل في الآية لا يلائمه.
قوله تعالى: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلاً} قد تقدم أن الآية وما بعدها تتمة السياق السابق، وعلى ذلك فصدر الآية من تمام كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أُمر بإلقائه على المؤمنين بقوله: {قل لعبادي يقولوا} الخ وذيل الآية خطاب للنبي خاصه فلا إلتفات في الكلام.
ويمكن أن يكون الخطاب في صدر الآية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين جميعاً بتغليب جانب خطابه على غيبتهم، وهذا أنسب بسياق الآية السابقة وتلاحق الكلام، والكلام لله جميعاً.
وكيف كان فقوله: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم} في مقام تعليل الأمر السابق ثانياً، ويفيد أنه يجب على المؤمنين أن يتحرزوا من اغلاظ القول على غيرهم والقضاء بما الله أعلم به من سعادة أو شقاء كأن يقولوا: فلان سعيد بمتابعة النبي وفلان شقي وفلان من أهل الجنة وفلان من أهل النار وعليهم أن يرجعوا الأمر ويفوضوه إلى ربهم فربكم - والخطاب للنبي وغيره - أعلم بكم وهو يقضي فيكم على ما علم من استحقاق الرحمة أو العذاب إن يشأ يرحمكم ولا يشاء ذلك إلا مع الإِيمان والعمل الصالح على ما بينه في كلامه أو إن يشأ يعذبكم ولا يشاء ذلك إلا مع الكفر والفسوق، وما جعلناك أيها النبي عليهم وكيلاً مفوضاً إليه أمرهم حتى تختار لمن تشاء ما تشاء فتعطي هذا وتحرم ذاك.
ومن ذلك يظهر أن الترديد في قوله: {إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم} باعتبار المشيئه المختلفة باختلاف الموارد بالإِيمان والكفر والعمل الصالح والطالح وأن قوله: {وما أرسلناك عليهم وكيلاً} لردع المؤمنين عن أن يعتمدوا في نجاتهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والانتساب إلى قبول دينه نظير قوله:
{ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به } [النساء: 123] وقوله: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 62] وآيات أُخرى في هذا المعنى.
وفي الآية أقوال أُخر تركنا التعرض لها لعدم الجدوى.
قوله تعالى: {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً} صدر الآية توسعة في معنى التعليل السابق كأنه قيل: وكيف لا يكون أعلم بكم وهو أعلم بكم وهو أعلم بمن في السماوات والأرض وأنتم منهم.
وقوله: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} كأنه تمهيد لقوله: {وآتينا داود زبوراً} والجملة تذكر فضل داود عليه السلام بكتابه الذي هو زبور وفيه أحسن الكلمات في تسبيحه وحمده تعالى، وفيه تحريض للمؤمنين أن يرغبوا في احسن القول ويتأدبوا بالأدب الجميل في المحاورة والكلام.
ولهم في تفسير الآية أقوال أُخرى تركنا التعرض لها ومن أرادها فليراجع المطولات.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {لو كان معه آلهه كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} قال: قال: لو كانت الأصنام آلهه كما تزعمون لصعدوا إلى العرش.
أقول: أي لاستولوا على ملكه تعالى وأخذوا بأزمة الأُمور وأما العرش بمعنى الفلك المحدد للجهات أو جسم نوراني عظيم فوق العالم الجسماني كما ذكره بعضهم فلا دليل عليه من الكتاب، وعلى تقدير ثبوته لا ملازمة بين الربوبيه والصعود على هذا الجسم.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أن نوحاً لما حضرته الوفاه قال لابنيه: آمركما بسبحان الله وبحمده فإنها صلاه كل شيء، وبها يرزق كل شيء.
أقول: قد ظهر مما قدمناه في معنى تسبيح الأشياء الارتباط المشار إليه في الرواية بين تسبيح كل شيء وبين رزقه فإن الرزق يقدر بالحاجه والسؤال وكل شيء إنما يسبح الله تعالى بالإِشاره بإظهار حاجته ونقصه إلى تنزهه تعالى من ذلك.
وفي تفسير العياشي عن أبي الصباح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: له قول الله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال: كل شيء يسبح بحمده، وإنا لنرى أن تنقض الجدر هو تسبيحها.
أقول: ورواه أيضاً عن الحسين بن سعيد عنه عليه السلام.
وفيه عن النوفلي عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال:
"نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يوسم البهائم وأن يضرب وجهها فإنها تسبح بحمد ربها" .
أقول: وروي النهي عن ضربها على وجوهها الكليني في الكافي بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وفي حديث آخر: لا تسمها في وجوهها.
وفيه عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من طير يصاد في بر أو بحر ولا شيء يصاد من الوحش إلا بتضييعه التسبيح.
أقول: وهذا المعنى رواه أهل السنة بطرق كثيرة عن ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي هريره وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيه عن مسعده بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام أنه دخل عليه رجل فقال: فداك أبي وأمي أني أجد الله يقول في كتابه: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} فقال له: هو كما قال الله تبارك وتعالى.
قال: أتسبح الشجرة اليابسة؟ فقال: نعم أما سمعت خشب البيت كيف ينقصف؟ وذلك تسبيحه فسبحان الله على كل حال.
وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن أبي هريره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"إن النمل يسبحن"
]. وفيه أخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر قال: نهى رسول الله عن قتل الضفدع وقال: نعيقها تسبيح.
وفيه أخرج الخطيب عن أبي حمزه قال: كنا مع علي بن الحسين فمر بنا عصافير يصحن فقال: أتدرون ما تقول هذه العصافير؟ فقلنا: لا فقال: أما إني ما أقول: إنا نعلم الغيب ولكني سمعت أبي يقول - سمعت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين يقول: إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها وسألته قوت يومها وإن هذه تسبح ربها وتسأل قوت يومها.
أقول: وروى أيضاً مثله عن أبي الشيخ وأبي نعيم في الحلية عن أبي حمزة الثمالي عن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام ولفظه قال محمد بن علي بن الحسين وسمع عصافير يصحن قال: تدري ما يقلن؟ قلت: لا قال: يسبحن ربهن عز وجل ويسألن قوت يومهن.
وفيه أخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي:
"يا عائشة اغسلي هذين البردين فقلت: يا رسول الله بالأمس غسلتهما فقال لي: أما علمت أن الثوب يسبح فإذا اتسخ انقطع تسبيحه"
]. وفيه أخرج العقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ والديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "آجال البهائم كلها وخشاش الأرض والنمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها وغير ذلك آجالها في التسبيح فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها، وليس إلى ملك الموت منها شيء"
]. أقول: ولعل المراد من قوله: وليس إلى ملك الموت منها شيء، أنه لا يتصدى بنفسه قبض أرواحها وإنما يباشرها بعض الملائكة والأعوان، والملائكة أسباب متوسطة على أي حال.
وفيه أخرج أحمد عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل فقال لهم: اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً لله منه.
وفي الكافي بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: للدابة على صاحبها ستة حقوق: لا يحملها فوق طاقتها، ولا يتخذ ظهرها مجلساً يتحدث عليها، ويبدأ بعلفها إذا نزل، ولا يسمها في وجهها، ولا يضربها فإنها تسبح، ويعرض عليها الماء إذا مر بها.
وفي مناقب ابن شهر آشوب: علقمة وابن مسعود: كنا نجلس مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونسمع الطعام يسبح ورسول الله يأكل، وأتاه مكرز العامري وسأله آية فدعا بتسع حصيات فسبحن في يده، وفي حديث أبي ذر: فوضعهن على الأرض فلم يسبحن وسكتن ثم عاد وأخذهن فسبحن. ابن عباس قال: قدم ملوك حضرموت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا كيف نعلم أنك رسول الله؟ فأخذ كفاً من حصى فقال: هذا يشهد أني رسول الله فسبح الحصا في يده وشهد أنه رسول الله.
وفيه أبو هريرة وجابر الأنصاري وابن عباس وأُبي بن كعب وزين العابدين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب بالمدينة إلى بعض الأجذاع فلما كثر الناس واتخذوا له منبراً وتحول إليه حن كما يحن الناقة، فلما جاء إليه واكرمه كان يئن انين الصبي الذي يسكت.
أقول: والروايات في تسبيح الأشياء على اختلاف أنواعها كثيرة جداً، وربما اشتبه أمرها على بعضهم فزعم أن هذا التسبيح العام من قبيل الأصوات، وأن لعامة الأشياء لغة أو لغات ذات كلمات موضوعة لمعان نظير ما للإِنسان مستعملة للكشف عما في الضمير غير أن حواسنا مصروفة عنها وهو كما ترى.
والذي تحصل من البحث المتقدم في ذيل الآية الكريمة أن لها تسبيحاً هو كلام بحقيقة معنى الكلام وهو إظهارها تنزه ربها بإظهارها نقص ذاتها وصفاتها وأفعالها عن علم منها بذلك، وهو الكلام فما روي من سماعهم تسبيح الحصى في كف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو سماع تسبيح الجبال والطير إذا سبح داود عليه السلام أو ما يشبه ذلك انما كان بإدراكهم تسبيحها الواقعي بحقيقة معناه من طريق الباطن ثم محاكاة الحس ذلك بما يناظره ويناسبه من الألفاظ والكلمات الموضوعة لما يفيد ما أدركوه من المعنى.
نظير ذلك ما تقدم من ظهور المعاني المجردة عن الصورة في الرؤيا فيما يناسبه من الصور المألوفة كظهور حقيقة يعقوب وأهله وبنيه ليوسف عليهما السلام في رؤياة في صورة الشمس والقمر والكواكب ونظير سائر الرؤى التي حكاها الله سبحانه في سورة يوسف وقد تقدم البحث عنها.
فالذي يناله من ينكشف له تسبيح الأشياء أو حمدها أو شهادتها أو ما يشابه ذلك حقيقة المعنى أولاً ثم يحاكيه الحس الباطن في صورة ألفاظ مسموعة تؤدي ما ناله من المعنى. والله أعلم.
وفي الدر المنثور: أخرج ابو يعلى وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت {يدا أبي لهب} اقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول:

مذمما أبينا * ودينه قلينا * وأمره عصينا

ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وأبو بكر إلى جنبه فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك فقال: إنها لن تراني وقرأ قرآناً اعتصم به كما قال تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم تر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها.
أقول: وروي أيضاً بطريق آخر عن أسماء وعن أبي بكر وابن عباس مختصراً ورواه أيضاً في البحار عن قرب الإِسناد عن الحسن بن ظريف عن معمر عن الرضا عن أبيه عن جده عليه السلام في حديث يذكر فيه جوامع معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي تفسير العياشي عن زرارة عن أحدهما عليه السلام قال في {بسم الله الرحمن الرحيم} قال: هو أحق ما جهر به، وهي الآية التي قال الله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده - بسم الله الرحمن الرحيم - ولوا على أدبارهم نفوراً} كان المشركون يستمعون إلى قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} نفروا وذهبوا فإذا فرغ منه عادوا وتسمعوا.
أقول: وروي هذا المعنى أيضاً عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام ورواه القمي في تفسيره مضمراً.
وفي الدر المنثور أخرج البخاري في تاريخه عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لم كتمتم {بسم الله الرحمن الرحيم} فنعم الاسم والله كتموا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا دخل منزله اجتمعت عليه قريش فيجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع صوته بها فتولي قريش فراراً فأنزل الله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً}.
وفيه أخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال: حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليله يستمعون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي بالليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فتلاوموا فقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رأكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً.
ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له حتى طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا.
فلما أصبح الأخنس أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد قال: والله سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به.
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فقال: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف في الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجانبنا على الركب وكنا كفرسي الرهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى تدرك هذه؟ لا والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه فقام عنه الأخنس وتركه.
وفي المجمع: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة فيقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فيقول لهم: إني لم اؤمر فيهم بشيء فأنزل الله سبحانه: {قل لعبادي} الآية عن الكلبي.
أقول: قد أشرنا في تفسير الآية أنه لا يلائم سياقها. والله أعلم.