خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً
٥٦
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً
٥٧
وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً
٥٨
وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً
٥٩
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً
٦٠
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً
٦١
قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً
٦٢
قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً
٦٣
وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً
٦٤
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً
٦٥
-الإسراء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
احتجاج من وجه آخر على التوحيد ونفي ربوبية الآلهة الذين يدعون من دون الله وأنهم لا يستطيعون كشف الضر ولا تحويله عن عبادهم بل هم أمثالهم في الحاجة إلى الله سبحانه يبتغون إليه الوسيلة يرجون رحمته ويخافون عذابه.
وأن الضر والهلاك والعذاب بيد الله، وقد كتب في الكتاب على كل قرية أن يهلكها قبل يوم القيامة أو يعذبها عذاباً شديداً وكان يرسل للأولين الآيات الإِلهية لكن لما كفروا وكذبوا بها وتعقب ذلك عذاب الاستئصال لم يرسلها الله إلى الآخرين فإنه شاء أن لا يعاجلهم بالهلاك غير أن أصل الفساد سينمو بينهم والشيطان سيضلهم فيحق عليهم القول فيأخذهم الله وكان أمراً مفعولاً.
قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً} الزعم بتثليث الزاي مطلق الاعتقاد ثم غلب استعماله في الاعتقاد الباطل، ولذا نقل عن ابن عباس أن ما كان في القرآن من الزعم فهو كذب.
والدعاء والنداء واحد غير أن النداء إنما هو فيما إذا كان معه صوت والدعاء ربما يطلق على ما كان باشارة أو غيرها، وذكر بعضهم في الفرق بينهما أن النداء قد يقال إذا قيل: يا أو أيا أو نحوهما من غير أن يضم إليه الاسم والدعاء لا يكاد يُقال إلا إذا كان معه الاسم نحو يا فلان. انتهى.
والآية تحتج على نفي ألوهيه آلهتهم من دون الله بأن الرب المستحق للعبادة يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر إذ هو لازم ربوبية الرب على أن المشركين مسلمون لذلك وإنما اتخذوا الآلهة وعبدوهم طمعاً في نفعهم وخوفاً من ضررهم لكن الذين يدعونهم من دون الله لا يستطيعون ذلك فليسوا بآلهة، والشاهد على ذلك أن يدعوهم هؤلاء الذين يعبدونهم لكشف ضر مسهم أو تحويله عنهم إلى غيرهم فإنهم لا يملكون كشفاً ولا تحويلاً.
وكيف يملكون من عند أنفسهم كشف ضر أو تحويله ويستقلون بقضاء حاجة ورفع فاقة وهم في أنفسهم مخلوقون لله يبتغون إليه الوسيلة يرجون رحمته ويخافون عذابه باعتراف من المشركين.
فقد بان أولاً أن المراد بقوله: {الذين زعمتم من دونه} هم الذين كانوا يعبدونهم من الملائكة والجن والإِنس فإنهم إنما يقصدون بعبادة الأصنام التقرب إليهم وكذا بعبادة الشمس والقمر والكواكب التقرب إلى روحانيتهم من الملائكة.
على أن الأصنام بما هي أصنام ليست بأشياء حقيقية كما قال تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم}.
وأما ما صنعت منه من خشب أو فلز فليس إلا جماداً حاله حال الجماد في التقرب إليه والسجود له وتسبيحه، وليست من تلك الجهة بأصنام.
وثانياً: أن المراد بنفي قدرتهم نفي استقلالهم بالقدرة من دون استعانة بالله واستمداد من إذنه والدليل عليه قوله سبحانه في الآية التالية: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} الخ.
وقال بعض المفسرين: وكأن المراد من نفي ملكهم ذلك نفي قدرتهم التامة الكاملة عليه، وكون قدرة الآلهة الباطلة مفاضة منه تعالى مسلم عند الكفرة لأنهم لا ينكرون أنها مخلوقة لله تعالى بجميع صفاتها وأن الله سبحانه أقوى وأكمل صفة منها.
وبهذا يتم الدليل ويحصل الإِفحام وإلا فنفي قدرة نحو الجن والملائكة الذين عبدوا من دون الله تعالى مطلقاً على كشف الضر مما لا يظهر دليله فإنه إن قيل هو أن الكفره يتضرعون إليهم ولا يحصل لهم الإِجابة عورض بأنا نرى أيضاً المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى ولا يحصل لهم الإِجابة.
وقد يُقال: المراد نفي قدرتهم على ذلك أصلاً ويحتج له بدليل الأشعري على استناد جميع الممكنات إليه عز وجل ابتداء انتهى.
قلت: هو سبحانه يثبت في كلامه أنواعاً من القدرة للملائكة والجن والإِنس في آيات كثيرة لا تقبل التأويل البتة غير أنه يخص حقيقه القدرة بنفسه في مثل قوله:
{ أن القوة لله جميعاً } [البقرة: 145] ويظهر به أن غيره إنما يقدر على ما يقدر بإقداره ويملك ما يملك بتمليكه تعالى إياه فلا أحد مستقلاً بالقدرة والملك إلا هو، وما عند غيره تعالى من القدرة والملك مستعار منوط في تأثيره بالإِذن والمشيئة.
وعلى هذا فلا سبيل إلى تنزيل الحجة في الآية على نفي قدرة آلهتهم من الملائكة والجن والإِنس من أصلها بل الحجة مبتنية على أن أُولئك المدعوين غير مستقلين بالملك والقدرة، وأنهم فيما عندهم من ذلك كالداعين محتاجون إلى الله مبتغون إليه الوسيلة والدعاء إنما يتعلق بالقدرة المستقلة بالتأثير والدعاء والمسألة ممن هو قادر بقدرة غيره مالك بتمليكه مع قيام القدرة والملك بصاحبهما الأصلي فهو في الحقيقة دعاء ومسألة ممن قام بهما حقيقة واستقلالاً دون من هو مملك بتمليكه.
وأما ما ذكره أن نفي قدرتهم مطلقاً غير ظاهر الدليل فإنه إن قيل: إن الكفرة يتضرعون إليهم ولا يحصل لهم الإِجابة، عورض بأنا نرى أيضاً المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى ولا يحصل لهم الإِجابة، فقد أجاب الله سبحانه في كلامه عن مثل هذه المعارضة.
توضيح ذلك: أنه تعالى قال وقوله الحق:
{ أُجيب دعوة الداع إذا دعانِ } [البقرة: 184] وقال: { ادعوني أستجب لكم } [غافر: 60] فأطلق الكلام وأفاد أن العبد إذا جد بالدعاء ولم يلعب به ولم يتعلق قلبه في دعائه الجدي إلا به تعالى بأن انقطع عن غيره والتجأ إليه فإنه يستجاب له البتة ثم ذكر هذا الانقطاع في الدعاء والسؤال في ذيل هذه الآيات الذي كالمتمم لما في هذه الحجة بقوله: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم} الآية 67 من السورة فأفاد أنكم عند مس الضر في البحر تنقطعون عن كل شيء إليه فتدعونه بهداية من فطرتكم فيستجيب لكم وينجيكم إلى البر.
ويتحصل من الجميع أن الله سبحانه إذا انقطع العبد عن كل شيء ودعاه عن قلب فارغ سليم فإنه يستجيب له وأن غيره إذا انقطع داعيه عن الله وسأله مخلصاً فإنه لا يملك الاستجابة.
وعلى هذا فلا محل للمعارضة من قبل المشركين فإنهم لا يستجاب لهم إذا دعوا آلهتهم وهم أنفسهم يرون أنهم إذا مسهم الضر في البحر وانقطعوا إلى الله وسألوه النجاة نجاهم إلى البر وهم معترفون بذلك، ولئن دعاه المسلمون على هذا النمط عن جد في الدعاء وانقطاع إليه كان حالهم في البر حال غيرهم وهم في البحر ولم يخيبوا ولا ردوا.
ولم يقابل سبحانه في كلامه بين دعائهم آلهتهم ودعاء المسلمين لإِلههم حتى يعارض باشتراك الدعاءين في الرد وعدم الاستجابة وإنما قابل بين دعاء المشركين لآلهتهم وبين دعائهم أنفسهم له سبحانه في البحر عند انقطاع الأسباب وضلال كل مدعو من دون الله.
ومن لطيف النكتة في الكلام إلقاؤه سبحانه الحجة إليهم بواسطة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه} ولو ناقشه المشركون بمثل هذه المعارضة لدعا ربه عن انقطاع وإخلاص فاستجيب له.
قوله تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} إلى آخر الآية {أولئك} مبتدء و {الذين} صفة له و {يدعون} صلته وضميره عائد إلى المشركين، و {يبتغون} خبر {أُولئك} وضميره وسائر ضمائر الجمع إلى آخر الآية راجعة إلى {أُولئك} وقوله: {أيهم أقرب} بيان لابتغاء الوسيلة لكون الابتغاء فحصاً وسؤالاً في المعنى هذا ما يعطيه السياق.
والوسيلة على ما فسروه هي التوصل والتقرب، وربما استعملت بمعنى ما به التوصل والتقرب ولعله هو الأنسب بالسياق بالنظر إلى تعقيبه بقوله: {أيهم أقرب}.
والمعنى - والله أعلم - أولئك الذين يدعوهم المشركون من الملائكة والجن والإِنس يطلبون ما يتقربون به إلى ربهم يستعلمون أيهم أقرب؟ حتى يسلكوا سبيله ويقتدوا بأعماله ليتقربوا إليه تعالى كتقربه {ويرجون رحمته} من كل ما يستمدون به في وجودهم {ويخافون عذابه} فيطيعونه ولا يعصونه {إن عذاب ربك كان محذوراً} يجب التحرز منه.
والتوسل إلى الله ببعض المقربين إليه - على ما في الآية الكريمة قريب منه قوله:
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } [المائدة: 35] - غير ما يرومه المشركون من الوثنيين فإنهم يتوسلون إلى الله ويتقربون بالملائكة الكرام والجن والأولياء من الإِنس فيتركون عبادته تعالى ولا يرجونه ولا يخافونه، وإنما يعبدون الوسيلة ويرجون رحمته ويخافون سخطه ثم يتوسلون إلى هؤلاء الأرباب والآلهة بالأصنام والتماثيل فيتركونهم ويعبدون الأصنام ويتقربون إليهم بالقرابين والذبائح.
وبالجملة يدعون التقرب إلى الله ببعض عباده أو أصنام خلقه ثم لا يعبدون إلا الوسيلة مستقلة بذلك ويرجونها ويخافونها مستقلة بذلك من دون الله فيشركون بإعطاء الاستقلال لها في الربوبية والعبادة.
والمراد بأُولئك الذين يدعون إن كان هو الملائكة الكرام والصلحاء المقربون من الجن والأنبياء والأولياء من الإِنس كان المراد من ابتغائهم الوسيلة ورجاء الرحمة وخوف العذاب ظاهره المتبادر، وإن كان المراد بهم أعم من ذلك حتى يشمل من كانوا يعبدونه من مردة الشياطين وفسقة الإِنسان كفرعون ونمرود وغيرهما كان المراد بابتغائهم الوسيلة إليه تعالى ما ذكر من خضوعهم وسجودهم وتسبيحهم التكويني وكذا المراد من رجائهم وخوفهم ما لذواتهم.
وذكر بعضهم: أن ضمائر الجمع في الآية جميعاً راجعة إلى أُولئك والمعنى أُولئك الأنبياء الذين يعبدونهم من دون الله يدعون الناس إلى الحق أو يدعون الله ويتضرعون إليه يبتغون إلى ربهم التقرب، وهو كما ترى.
وقال في الكشاف في معنى الآية: يعني أن آلهتهم أُولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله تعالى، و {أيهم} بدل من واو {يبتغون} وأي موصولة أي يبتغي من هو أقرب منهم وأزلف الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟.
أو ضمن {يبتغون الوسيلة} معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بالطاعة وازدياد الخير والصلاح ويرجون ويخافون كما غيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة. انتهى.
والمعنيان لا بأس بهما لولا أن السياق لا يلائمهما كل الملاءمة وثانيهما أقرب إليه من أولهما.
وقيل: إن معنى الآية أُولئك الذين يدعونهم ويعبدونهم ويعتقدون أنهم آلهة يبتغون الوسيلة والقربة إلى الله تعالى بعبادتهم ويجتهد كل منهم ليكون أقرب من رحمته. انتهى. وهو معنى لا ينطبق على لفظ الآية البتة.
قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطوراً} ذكروا أن المراد بالعذاب الشديد عذاب الاستئصال فيبقى للإِهلاك المقابل له الإِماتة بحتف الأنف فالمعنى ما من قرية إلا نحن نميت أهلها قبل يوم القيامة أو نعذبهم عذاب الاستئصال قبل يوم القيامة إذ لا قرية بعد طي بساط الدنيا بقيام الساعة وقد قال تعالى:
{ وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً } [الكهف: 8] ولذا قال بعضهم: إن الإِهلاك للقرى الصالحة والتعذيب للقرى الطالحة.
وقد ذكروا في وجه اتصال الآية أنها موعظة، وقال بعضهم: كأنه تعالى بعدما ذكر من شأن البعث والتوحيد ما ذكر، ذكر بعض ما يكون قبل يوم البعث مما يدل على عظمته سبحانه وفيه تأييد لما ذكر قبله.
والظاهر أن في الآية عطفاً على ما تقدم من قوله قبل آيات: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} فإن آيات السورة لا تزال ينعطف بعضها على بعض، والغرض العام بيان سنة الله تعالى الجارية بدعوتهم إلى الحق ثم إسعاد من سعد منهم بالسمع والطاعة وعقوبة من خالف منهم وطغى بالاستكبار.
وعلى هذا فالمراد بالإِهلاك التدمير بعذاب الاستئصال كما نقل عن أبي مسلم المفسر والمراد بالعذاب الشديد ما دون ذلك من العذاب كقحط أو غلاء ينجر إلى جلاء أهلها وخراب عمارتها أو غير ذلك من البلايا والمحن.
فتكون في الآية إشارة إلى أن هذه القرى سيخرب كل منها بفساد أهلها وفسق مترفيها، وأن ذلك بقضاء من الله سبحانه كما يشير إليه ذيل الآية، وبذلك يتضح اتصال الآية التالية {وما منعنا} الخ بهذه الآية فإن المعنى أنهم مستعدون للفساد مهيأون لتكذيب الآيات الإِلهية وهي تتعقب بالهلاك والفناء على من يردها ويكذب بها وقد أرسلناها إلى الأولين فكذبوا بها واستؤصلوا فلو أنا أرسلنا إلى هؤلاء شيئاً من جنس تلك الآيات المخوفة لحق بهم الإِهلاك والتدمير وانطوى بساط الدنيا فأمهلناهم حتى حين وسيلحق بهم ولا يتخطاهم - كما أُشير إليه في قوله:
{ ولكل أُمة رسول } [يونس: 47] الآيات.
وذكر بعضهم: أن المراد بالقرى في الآية القرى الكافرة وأن تعميم القرى لا يساعد عليه السياق انتهى. وهو دعوى لا دليل عليها.
وقوله: {كان ذلك في الكتاب مسطوراً} أي إهلاك القرى أو تعذيبها عذاباً شديداً كان في الكتاب مسطوراً وقضاء محتوماً، وبذلك يظهر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ الذي يذكر القرآن أن الله كتب فيه كل شيء كقوله:
{ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } [يس: 12]، وقوله: { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } [يونس: 61]. ومن غريب الكلام ما ذكره بعضهم: وذكر غير واحد أنه ما من شيء إلا بين فيه أي في اللوح المحفوظ والكتاب المسطور بكيفياته وأسبابه الموجبة له ووقته المضروب له، واستشكل العموم بأنه يقضي عدم تناهي الأبعاد، وقد قامت البراهين النقلية والعقلية على خلاف ذلك فلا بد أن يُقال بالتخصيص بأن يحمل الشيء على ما يتعلق بهذه النشأه أو نحو ذلك.
وقال بعضهم: بالعموم إلا أنه التزم كون البيان على نحو يجتمع مع التناهي فاللوح المحفوظ في بيانه جميع الأشياء الدنيوية والأُخروية وما كان وما يكون نظير الجفر الجامع في بيانه لما يبينه. انتهى.
والكلام مبني على كونه لوحاً جسمانياً موضوعاً في بعض أقطار العالم مكتوباً فيه أسماء الأشياء وأوصافها وأحوالها وما يجري عليها في الأنظمة الخاصة بكل منها والنظام العام الجاري عليها من جميع الجهات، ولو كان كما يقولون لوحاً مادياً جسمانياً لم يسع كتابة أسماء أجزائه التي تألف منها جسمه وتفصيل صفاتها وحالاتها فضلاً عن غيره من الموجودات التي لا يحصيها ولا يحيط بتفاصيل صفاتها وأحوالها وما يحدث عليها والنسب التي بينها إلا الله سبحانه، وليس ينفع في ذلك التخصيص بما في هذه النشأة أو بما دون ذلك وهو ظاهر.
وما التزم به البعض أنه من قبيل انطواء غير المتناهي في المتناهي نظير اشتمال الحروف المقطعة جميع الكلام مع عدم تناهي التأليفات الكلامية التزام بوجود صور الحوادث فيه بالقوة والإِمكان أو الإِجمال وكلامه سبحانه فيما يصف فيه هذا اللوح كالصريح أو هو صريح في اشتماله على الأشياء والحوادث مما كان أو يكون أو هو كائن بالفعل وعلى نحو التفصيل وبسمة الوجوب الذي لا سبيل للتغير إليه، ولو كان كذلك لكفى فيه كتابة حروف التهجي في دائرة على لوح.
على أن الجمع بين جسمية اللوح وماديته التي من خاصتها قبول التغير وبين كونه محفوظاً من أي تغير وتحول مفروض مما يحتاج إلى دليل أجلى من هذه التصويرات، وفي الكلام مواقع أُخرى للنظر.
فالحق أن الكتاب المبين هو متن الأعيان بما فيه من الحوادث من جهة ضرورة ترتب المعلولات على عللها، وهو القضاء الذي لا يرد ولا يبدل لا من جهة إمكان المادة وقوتها، والتعبير عنه بالكتاب واللوح لتقريب الأفهام إلى حقيقة المعنى بالتمثيل، وسنستوفي الكلام في هذا البحث إن شاء الله في موضع يناسبه.
قوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} إلى آخر الآية قد تقدم وجه اتصال الآية بما قبلها ومحصله أن الآية السابقة افادت أن الناس - وآخروهم كأوليهم - مستحقون بما فيهم من غريزة الفساد والفسق لحلول الهلاك وسائر أنواع العذاب الشديد، وقد قضى الله على القرى أن تهلك أو تعذب عذاباً شديداً وهذا هو الذي منعنا أن نرسل بالآيات التي يقترحونها فإن السابقين منهم اقترحوها فأرسلناها إليهم فكذبوا بها فأهلكناهم، وهؤلاء اللاحقون في خلق سابقيهم فلو أرسلنا بالآيات حسب اقتراحهم لكذبوا بها فحل الهلاك بهم لا محالة كما حل بسابقيهم، وما يريد الله سبحانه أن يعاجلهم بالعقوبة.
وبهذا يظهر أن للآيتين ارتباطاً بما سيحكيه من اقتراحهم الآيات بقوله: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} الآية 90 من السورة إلى آخر الآيات، وظاهر آيات السورة أنها نزلت دفعة واحدة.
فقوله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات} المنع هو قسر الغير عما يريد أن يفعله وكفه عنه، والله سبحانه يحكم ولا معقب لحكمه وهو الغالب القاهر إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، فكون تكذيب الأولين لآياته مانعاً له من إرسال الآيات المقترحة بعد ذلك كون الفعل بالنظر إلى ما ارتكز فيهم من خلق التكذيب خالياً عن المصلحة بالنسبه إلى أُمة أراد الله أن لا يعاجلهم بالعقوبة والهلاك أو خالياً عن المصلحة مطلقاً للعلم بأن عامتهم لا يؤمنون بالآيات المقترحة.
وإن شئت فقل: إن المنافاة بين إرسال الآيات المقترحة مع تكذيب الأولين وكون الآخرين سالكين سبيلهم المستتبع للاستئصال وبين تعلق المشيئة بإمهال هذه الأُمة عبر عنها في الآية بالمنع استعارة.
وكأنه للاشعار بذلك عبر عن إيتاء الآيات بالإِرسال كأنها تتعاضد وتتداعى للنزول لكن التكذيب وتعرق الفساد في فطر الناس يمنع من ذلك.
وقوله: {إلا أن كذب بها الأولون} التعبير عن الأُمم الهالكة بالأولين المضايف للآخرين فيه إيماء إلى أن هؤلاء آخر أُولئك الأولين فهم في الحقيقة أُمه واحدة لآخرها من الخلق والغريزه ما لأولها، ولذيلها من الحكم ما لصدرها ولذلك كانوا يقولون:
{ وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } [القصص: 36] ويكررون ذكر هذه الكلمة.
وكيف كان فمعنى الآية أنا لم نرسل الآيات التي يقترحونها - والمقترحون هم قريش - لأنا لو أرسلناها لم يؤمنوا وكذبوا بها فيستحقوا عذاب الاستئصال كما أنا أرسلناها إلى الأولين بعد اقتراحهم إياها فكذبوا بها فأهلكناهم لكنا قضينا على هذه الأُمة أن لا نعذبهم إلا بعد مهلة ونظرة كما يظهر من مواضع من كلامه تعالى.
وذكروا في معنى الآية الكريمة وجهين آخرين:
أحدهما: أنا لا نرسل الآيات لعلمنا بأنهم لا يؤمنون عندها فيكون إنزالها عبثاً لا فائدة فيه كما أن من قبلهم لم يؤمنوا عند إنزال الآيات وهذا إنما يتم في الآيات المقترحة وأما الآيات التي يتوقف عليها ثبوت النبوة فإن الله يؤتيها رسوله لا محالة وكذا الآيات التي في نزولها لطف منه سبحانه فإن الله يظهرها أيضاً لطفاً منه، وأما غير هذين النوعين فلا فائدة في إنزالها.
وثانيهما: أن المعنى أنا لا نرسل الآيات لأن آباءكم وأسلافكم سألوا مثلها ولم يؤمنوا به عند ما نزل وأنتم على آثار أسلافكم مقتدون فكما لم يؤمنوا هم لا تؤمنون أنتم.
والمعنى الثاني منقول عن أبي مسلم وتمييزه من المعنيين السابقين من غير أن ينطبق على أحدهما لا يخلو من صعوبة.
وقوله: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} ثمود هم قوم صالح ولقد آتاهم الناقه آية، والمبصرة الظاهرة البينة على حد ما في قوله تعالى:
{ وجعلنا آية النهار مبصرة } [الإسراء: 12]، وهي صفة الناقة أو صفة لمحذوف والتقدير آية مبصرة والمعنى وآتينا قوم ثمود الناقة حال كونها ظاهرة بينة أو حال كونها آية ظاهرة بينة فظلموا أنفسهم بسببها أو ظلموا مكذبين بها.
وقوله: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً} أي ان الحكمة في الإِرسال بالآيات التخويف والإِنذار فإن كانت من الآيات التي تستتبع عذاب الاستئصال ففيها تخويف بالهلاك في الدنيا وعذاب النار في الآخرة، وإن كانت من غيرها ففيها تخويف وإنذار بعقوبة العقبى.
وليس من البعيد أن يكون المراد بالتخويف إيجاد الخوف والوحشة بإرسال ما دون عذاب الاستئصال على حد ما في قوله تعالى:
{ أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم } [النحل: 47] فيرجع محصل معنى الآية أنا لا نرسل بالآيات المقترحة لأنا لا نريد أن نعذبهم بعذاب الاستئصال وإنما نرسل ما نرسل من الآيات تخويفاً ليحذروا بمشاهدتها عما هو أشد منها وافظع ونسب الوجه إلى بعضهم.
قوله تعالى: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} فقرات الآية وهي أربع واضحة المعاني لكنها بحسب ما بينها من الاتصال وارتباط بعضها ببعض لا تخلد من إجمال والسبب الأصلي في ذلك إجمال الفقرتين الوسطيين الثانية والثالثة.
فلم يبين سبحانه ما هذه الرؤيا التي أراها نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقع في سائر كلامه ما يصلح لأن يفسر به هذه الرؤيا، والذي ذكره من رؤياه في مثل قوله:
{ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم } [الأنفال: 43] وقوله: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام } [الفتح: 27] من الحوادث الواقعة بعد الهجرة وهذه الآية مكية نازلة قبل الهجرة.
ولا يدرى ما هذه الشجرة الملعونة في القرآن التي جعلها فتنة للناس، ولا توجد في القرآن شجرة يذكرها الله ثم يلعنها نعم ذكر سبحانه شجرة الزقوم، ووصفها بأنها فتنة كما في قوله:
{ أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين } [الصافات: 62-63] لكنه سبحانه لم يلعنها في شيء من المواضع التي ذكرها، ولو كان مجرد كونها شجرة تخرج في أصل الجحيم وسبباً من أسباب عذاب الظالمين موجباً للعنها لكانت النار وكل ما أعد الله فيها للعذاب ملعونة ولكانت ملائكة العذاب وهم الذين قال تعالى فيهم: { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } [المدثر: 31] ملعونين وقد أثنى الله عليهم ذاك الثناء البالغ في قوله: { عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } [التحريم: 6] وقد عد سبحانه أيدي المؤمنين من أسباب عذاب الكفار إذ قال: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } [التوبة: 14] وليست بملعونة.
وبهذا يتأيد أنه لم يكن المراد بالآية الكشف عن قناع الفقرتين وإيضاح قصة الرؤيا والشجرة الملعونة في القرآن المجعولتين فتنة للناس بل إنما أُريدت الإِشارة إلى إجمالهما والتذكير بما يقتضيانه بحكم السياق.
نعم ربما يلوح السياق إلى بعض شأن الأمرين: الرؤيا والشجرة الملعونة فإن الآيات السابقة كانت تصف الناس أن آخريهم كأوليهم وذيلهم كصدرهم في عدم الاعتناء بآيات الله سبحانه وتكذيبها، وأن المجتمعات الإِنسانية ذائقون عذاب الله قرية بعد قرية وجيلاً بعد جيل بإهلاك أو بعذاب مخوف دون ذلك، والآيات اللاحقة {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} الخ المشتملة على قصة إبليس وعجيب تسلطه على إغواء بني آدم تجري على سياق الآيات السابقة.
وبذلك يظهر أن الرؤيا والشجرة المشار إليهما في الآية أمران سيظهران على الناس أو هما ظاهران يفتتن بهما الناس فيشيع بهما فيهم الفساد ويتعرق فيهم الطغيان والاستكبار وذيل الآية {ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} يشير إلى ذلك ويؤيده بل وصدر الآية {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس}.
أضف إلى ذلك أنه تعالى وصف هذه الشجرة التي ذكرها بأنها ملعونه في القرآن، وبذلك يظهر أن القرآن مشتمل على لعنها وأن لعنها بين اللعنات الموجودة في القرآن كما هو ظاهر قوله: {والشجرة الملعونة في القرآن} وقد لعن في القرآن إبليس ولعن فيه اليهود ولعن فيه المشركون ولعن فيه المنافقون ولعن فيه أناس بعناوين أُخر كالذين يموتون وهم كفار والذين يكتمون ما أنزل الله والذين يؤذون الله ورسوله إلى غير ذلك.
وقد جعل الموصوف بهذه اللعنة شجرة، والشجرة كما تطلق على ذي الساق من النبات كذلك تستعمل في الأصل الذي تطلع منه وتنشأ عليه فروع بالنسب أو بالاتباع على أصل اعتقادي، قال في لسان العرب: ويقال: فلان من شجرة مباركة أي من أصل مبارك. انتهى. وقد ورد ذلك في لسانه صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً كقوله: أنا وعلي من شجرة واحدة، ومن هذا الباب قوله في حديث العباس: عم الرجل صنو أبيه.
وبالتأمل في ذلك يتضح للباحث المتدبر أن هذه الشجرة الملعونة قوم من هؤلاء الملعونين في كلامه لهم صفة الشجرة في النشوء والنمو وتفرع الفروع على أصل له حظ من البقاء والإِثمار وهم فتنة تفتتن بها هذه الأُمة، وليس يصلح لهذه الصفة إلا طوائف ثلاث من المعدودين وهم أهل الكتاب والمشركون والمنافقون ولبثهم في الناس وبقاؤهم على الولاء إما بالتناسل والتوالد كأهل بيت من الطوائف المذكورة يعيشون بين الناس ويفسدون على الناس دينهم ودنياهم ويفتتن بهم الناس وإما بطلوع عقيدة فاسدة ثم اتباعها على الولاء من خلف بعد سلف.
ولم يظهر من المشركين وأهل الكتاب في زمن الرسول قبل الهجرة وبعدها قوم بهذا النعت، وقد آمن الله الناس من شرهم مستقلين بذلك بمثل قوله النازل في أواخر عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
{ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشوني } [المائدة: 3] وقد استوفينا البحث عن معنى الآية فيما تقدم.
فالذي يهدي إليه الإِمعان في البحث أن المراد بالشجرة الملعونة قوم من المنافقين المتظاهرين بالإِسلام يتعرقون بين المسلمين إما بالنسل وإما بالعقيدة والمسلك هم فتنة للناس، ولا ينبغي أن يرتاب في أن في سياق الآية تلويحاً بالارتباط بين الفقرتين أعني قوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة} وخاصة بعد الإِمعان في تقدم قوله: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} وتذييل الفقرات جميعاً بقوله: {ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} فإن ارتباط الفقرات بعضها ببعض ظاهر في أن الآية بصدد الإِشارة إلى أمر واحد هو سبحانه محيط به ولا ينفع فيه عظة وتخويف إلا زيادة في الطغيان.
ويستفاد من ذلك أن الشأن هو أن الله سبحانه أرى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في الرؤيا هذه الشجرة الملعونة وبعض أعمالهم في الإِسلام ثم بين لرسوله أن ذلك فتنة.
فقوله: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} مقتضى السياق أن المراد بالإِحاطة الإِحاطة العلمية والظرف متعلق بمحذوف والتقدير واذكر إذ قلنا لك كذا وكذا والمعنى واذكر للتثبت فيما ذكرنا لك في هذه الآيات أن شيمة الناس الاستمرار في الفساد والفسوق واقتداء أخلافهم بأسلافهم في الإِعراض عن ذكر الله وعدم الاعتناء بآيات الله، وقتاً قلنا لك إن ربك أحاط بالناس علماً وعلم أن هذه السنة ستجري بينهم كما كانت تجري.
وقوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن} محصل معناه على ما تقدم أنه لم نجعل الشجرة الملعونة في القرآن التي تعرفها بتعريفنا، وما أريناك في المنام من أمرهم إلا فتنه للناس وامتحاناً وبلاء نمتحنهم ونبلوهم به وقد أحطنا بهم.
وقوله: {ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ضميرا الجمع للناس ظاهراً والمراد بالتخويف إما التخويف بالموعظة والبيان أو بالآيات المخوفة التي هي دون الآيات المهلكة المبيدة، والمعنى ونخوف الناس فما يزيدهم التخويف إلا طغياناً ولا أي طغيان كان بل طغياناً كبيراً أي انهم لا يخافون من تخويفنا حتى ينتهوا عما هم عليه بل يجيبوننا بالطغيان الكبير فهم يبالغون في طغيانهم ويفرطون في عنادهم مع الحق.
وسياق الآية سياق التسلية فالله سبحانه يعزي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيها بأن الذي أراه من الأمر، وعرفه من الفتن، وقد جرت سنته تعالى على امتحان عباده بالمحن والفتن، وقد اعترف بذلك غير واحد من المفسرين.
ويؤيد جميع ما تقدم ما ورد من طرق أهل السنة واتفقت عليه أحاديث أئمه أهل البيت عليهم السلام أن المراد بالرؤيا في الآية هي رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بني أُميه والشجرة شجرتهم وسيوافيك الروايات في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر جمع من المفسرين استناداً إلى ما نقل عن ابن عباس أن المراد بالرؤيا التي أراها الله نبيه هو الإِسراء، والمراد بالشجرة الملعونة في القرآن شجرة الزقوم، وذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رجع من الإِسراء وأصبح أخبر المشركين بذلك فكذبوه واستهزؤا به، وكذلك لما سمع المشركون آيات ذكر الله فيها الزقوم كذبوه وسخروا منه فأنزل الله في هذه الآية أن الرؤيا التي أريناك وهي الإِسراء وشجرة الزقوم ما جعلناهما إلا فتنة للناس.
ثم لما ورد عليهم أن الرؤيا على ما صرح به أهل اللغة هي ما يراه النائم في منامه والإِسراء كان في اليقظه اعتذروا عنه تاره بأن الرؤيا كالرؤية مصدر رأى ولا اختصاص لها بالمنام، وتارة بأن الرؤيا ما يراه الإِنسان بالليل سواء فيه النوم واليقظة، وتارة بأنها مشاكلة لتسمية المشركين له رؤيا، وتارة بأنه جار على زعمهم كما سموا أصنامهم آلهة فقد روي أن بعضهم قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قص عليهم إسراءه: لعله شيء رأيته في منامك فسماه الله رؤيا على زعمهم كما قال في الأصنام {آلهتهم} وتارة بأنه سمي رؤيا تشبيهاً له بالمنام لما فيها من العجائب أو لوقوعه ليلاً أو لسرعته.
وقد أجاب عن ذلك بعضهم أن الإِسراء كان في المنام كما روي عن عائشة ومعاوية.
ولما ورد عليهم أيضاً أن لا معنى لتسميه الزقوم شجرة ملعونة ولا ذنب للشجرة اعتذروا عنه تارة بأن المراد من لعنها لعن طاعميها على نحو المجاز في الإِسناد للدلالة على المبالغة في لعنهم كما قيل، وتاره بأن اللعنة بمعنى البعد وهي في أبعد مكان من الرحمة لكونها تنبت في أصل الجحيم، وتارة بأنها جعلت ملعونة لأن طلعها يشبه رؤوس الشياطين والشياطين ملعونون، وتارة بأن العرب تسمي كل غذاء مكروه ضار ملعوناً.
أما ما ذكروه في معنى الرؤيا فما قيل: إن الرؤيا مصدر مرادف للرؤية أو إنها بمعنى الرؤية ليلاً يرده عدم الثبوت لغة ولم يستندوا في ذلك إلى شيء من كلامهم من نظماً أو نثراً إلا إلى مجرد الدعوى.
وأما قولهم: إن ذلك مشاكلة لتسمية المشركين الإِسراء رؤيا أو جرى على هذه العناية وأنه ليس فيه اعتراف بكونها رؤيا حقيقة؟ ولم يطلق تعالى على أصنامهم "آلهة" و "شركاء" وانما أطلق {آلهتهم} و {شركائهم} فأضافها إليهم والإِضافة نعمت القرينه على عدم التسليم، ونظير الكلام جار في اعتذارهم بأنه من تشبيه الإِسراء بالرؤيا فالاستعارة كسائر المجازات لا تصح الا مع قرينة، ولو كانت هناك قرينة لم يستدل كل من قال بكون الإِسراء منامياً بوقوع لفظة الرؤيا في الآية بناء على كون الآية ناظرة إلى الإِسراء.
وأما قول القائل: ان الإِسراء كان في المنام فقد اتضح بطلانه في أول السورة في تفسير آية الإِسراء.
وأما المعاذير التي ذكروها عن جعل الشجرة ملعونة في القرآن فقولهم: إن حقيقة لعنها لعن طاعميها على طريق المجاز في الإِسناد للمبالغة في لعنهم فهو وإن كان كثير النظير في محاورات العامة لكنه مما يجب أن ينزه عنه ساحة كلامه تعالى وإنما هو من دأب جهلة الناس وسفلتهم تراهم إذا أرادوا أن يسبوا أحداً لعنوه بلعن أبيه وأُمه وعشيرته مبالغه في سبه، وإذا شتموا رجلاً أساؤا ذكر زوجته وبنته وسبوا السماء التي تظله والأرض التي تقله والدار التي يسكنها والقوم الذين يعاشرهم وأدب القرآن يمنعه أن يبالغ في لعن أصحاب النار بلعن الشجره التي يعذبهم الله بأكل ثمارها.
وقولهم: إن اللعن مطلق الإِبعاد مما لم يثبت لغة والذي ذكروه ويشهد به ما ورد من استعماله في القرآن أن معناه الإِبعاد من الرحمة والكرامة وما قيل: إنها كما قال الله {شجرة تنبت في أصل الجحيم} فهي في أبعد مكان من الرحمة إن أريدت بالرحمة الجنة فهو قول من غير دليل وإن أُريدت به الرحمة المقابلة للعذاب كان لازمه كون الشجرة ملعونة بمعنى الإِبعاد من الرحمة والكرامة ومقتضاه كون جهنم وما أعد الله فيها من العذاب وملائكة النار وخزنتها ملعونين مغضوبين مبعدين من الرحمة، وليس شيء منها ملعوناً وإنما اللعن والغضب والبعد للمعذبين فيها من الإِنس والجن.
وقولهم: إنها جعلت ملعونة لأن طلعها يشبه رؤوس الشياطين والشياطين ملعونون فهو مجاز في الإِسناد بعيد من الفهم يرد عليه ما أوردناه على الوجه الأول.
وقولهم: إن العرب تسمي كل غذاء مكروه ضار ملعوناً فيه استعمال الشجرة وإرادة الثمرة مجازاً ثم جعلها ملعونة لكونها مكروهة ضارة أو نسبة اللعن وهو وصف الثمرة إلى الشجرة مجازاً، وعلى أي حال كونها معنى من معاني اللعن غير ثابت بل الظاهر أنهم يصفونه باللعن بمعناه المعروف والعامة يلعنون كل ما يرتضونه من طعام وشراب وغيرهما.
وأما انتساب القول إلى ابن عباس فعلى تقدير ثبوته لا حجية فيه وخاصة مع معارضته لما في حديث عائشة الآتي وغيرها وهو يتضمن تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يعارضه قول غيره.
وقال في الكشاف في قوله تعالى: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش يعني بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم وذلك قوله: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون} وغير ذلك فجعله كأن قد كان ووجد فقال: {أحاط بالناس} على عادته في إخباره.
وحين تزاحف الفريقان يوم بدر والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول: اللهم إني أسألك عهدك ووعدك ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}.
ولعل الله تعالى أراه مصارعهم في منامه فقد كان يقول حين ورد ماء بدر: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومئ إلى الأرض ويقول: هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان فتسامعت قريش بما أُوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمر يوم بدر وما أُري في منامه من مصارعهم فكانوا يضحكون ويستسخرون ويستعجلون به استهزاء.
وحين سمعوا بقوله: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} جعلوها سخرية وقالوا: إن محمداً يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول: ينبت فيها الشجر - إلى أن قال - والمعنى أن الآيات إنما يرسل بها تخويفاً للعباد، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر. انتهى ثم ذكر تفسير الرؤيا في الآية بالإِسراء ناسباً له إلى قيل.
وهو ظاهر في أنه لم يرتض تفسير الرؤيا في الآية بالإِسراء وإن نسب إلى الرواية فعدل عنه إلى تفسيرها برؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقعة بدر قبل وقوعها وتسامع قريش بذلك واستهزاءهم به.
وهو وإن تقصَّى به عما يلزم تفسيرهم الرؤيا بالإِسراء من المحذور لكنَّه وقع فيما ليس بأهون منه أن لم يكن أشد وهو تفسير الرؤيا بما رجا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى في منامه وقعة بدر ومصارع القوم فيها قبل وقوعها ويسخر قريش منه فيجعل فتنة لهم فلا حجَّة له على ما فسَّر إلا قوله: "ولعل الله أراه مصارعهم في منامه" وكيف يجترئ على تفسير كلامه تعالى بتوهم أمر لا مستند له ولا حجة عليه من أثر يعوّل عليه أو دليل من خلال الآيات يرجع إليه.
وذكر بعضهم: أن المراد بالرؤيا رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يدخل مكة والمسجد الحرام وهي التي ذكرها الله سبحانه بقوله: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا} الآية.
وفيه أن هذه الرؤيا إنما رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة قبل صلح الحديبيه والآية مكية؛ وسنستوفي البحث عن هذه الرؤيا إن شاء الله تعالى.
وذكر بعضهم: أنّ المراد بالشجرة الملعونة في القرآن هم اليهود ونسب إلى أبي مسلم المفسر.
وقد تقدم ما يمكن أن يوجه به هذا القول مع ما يرد عليه.
قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ءأسجد لمن خلقت طيناً} قال في المجمع: قال الزجاج: طيناً منصوب على الحال بمعنى أنك أنشأته في حال كونه من طين، ويجوز أن يكون تقديره من طين فحذف "من" فوصل الفعل، ومثله قوله: {أن تسترضعوا أولادكم} أي لأولادكم وقيل: إنه منصوب على التميز. انتهى.
وجوز في الكشاف كونه حالاً من الموصول لا من المفعول {خلقت} كما قاله الزجاج، وقيل: إن الحالية على أي حال خلاف الظاهر لكون {طيناً} جامداً.
وفي الآية تذكير آخر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بقصة إبليس وما جرى بينه وبين الله سبحانه من المحاورة عند ما عصى أمر السجدة ليتثبت فيما أخبره الله من حال الناس أنهم لم يزالوا على الاستهانة بأمر الله والاستكبار عن الحق وعدم الاعتناء بآيات الله ولن يزالوا على ذلك فليذكر قصة إبليس وما عقد عليه أن يحتنك ذرية آدم وسلطه الله يومئذ على من أطاعه من بني آدم واتبع دعوته ودعوة خيله ورجله ولم يستثن في عقده إلا عباده المخلصين.
فالمعنى: واذكر إذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس - فكأنه قيل: فماذا صنع؟ أو فماذا قال إذ لم يسجد؟ فقيل: إنه أنكر الأمر بالسجدة وقال أأسجد - والاستفهام للإِنكار - لمن خلقته من طين وقد خلقتني من نار وهي أشرف من الطين.
وفي القصة اختصار بحذف بعض فقراتها، والوجه فيه أن السياق اقتضى ذلك فإن الغرض بيان العلل والعوامل المقتضية لاستمرار بني آدم على الظلم والفسوق فقد ذكر أولاً أن الأولين منهم لم يؤمنوا بالآيات المقترحة والآخرون بانون على الاقتداء بهم ثم ذكّره صلى الله عليه وآله وسلم أن هناك من الفتن ما سيفتنون به ثم ذكّره بما قصه عليه من قصة آدم وإبليس وفيها عقد إبليس أن يغوي ذرية آدم وسؤاله أن يسلطه الله عليهم وإجابته تعالى اياه على ذلك في الغاوين فليس بمستبعد أن يميل أكثر الناس إلى سبيل الضلال وينكبُّوا على الظلم والطغيان والإِعراض عن آيات الله وقد أحاطت بهم الفتنه الإِلهية من جانب والشيطان يخيله ورجله من جانب.
قوله تعالى: {قال أرأيتك هذا الذي كرمت عليَّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} الكاف في {أرأيتك} زائدة لا محل لها من الإِعراب وإنما تفيد معنى الخطاب كما في أسماء الإِشارة، والمراد بقوله: {هذا الذي كرمت علي} آدم عليه السلام وتكريمه على إبليس تفضيله عليه بأمره بالسجدة ورجمه حيث أبى.
ومن هنا يظهر أنه فهم التفضيل من أمر السجدة كما أنه اجترأ على إرادة إغواء ذريته مما جرى في محاورته تعالى الملائكة من قولهم:
{ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } [البقرة: 30]، وقد تقدم في تفسير الآية ما ينفع ها هنا.
والاحتناك - على ما في المجمع - الاقتطاع من الأصل، يُقال: احتنك فلان ما عند فلان من مال أو علم إذا استقصاه فأخذه كله واحتنك الجراد الزرع إذا أكله كله، وقيل: إنه من قولهم حنك الدابة بحبلها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به والظاهر أن المعنى الأخير هو الأصل في الباب، والاحتناك الإِلجام.
والمعنى: قال إبليس بعدما عصى وأخذه الغضب الإِلهي رب أرأيت هذا الذي فضلته بأمري بسجدته ورجمي بمعصيته أقسم لئن أخرتني إلى يوم القيامة وهو مدة مكث بني آدم في الأرض لألجمن ذريته إلا قليلاً منهم وهم المخلصون.
قوله تعالى: {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً} قيل: الأمر بالذهاب ليس على حقيقته وإنما هو كناية عن تخليته ونفسه كما تقول لمن يخالفك: افعل ما تريد، وقيل: الأمر على حقيقته وهو تعبير آخر لقوله في موضع آخر: {اخرج منها فإنك رجيم} والموفور المكمل فالجزاء الموفور الجزاء الذي يوفى كله ولا يدخر منه شيء، ومعنى الآية واضح.
قوله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} إلى آخر الآية الاستفزاز الازعاج والاستنهاض بخفة وإسراع، والإِجلاب كما في المجمع السوق بجلبة من السائق والجلبه شدة الصوت، وفي المفردات: أصل الجلب سوق الشيء يُقال: جلبت جلباً قال الشاعر: "وقد يجلب الشيء البعيد الجواب" وأجلبت عليه صحت عليه بقهر، قال الله عز وجل: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} انتهى.
والخيل - على ما قيل - الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه ويطلق على الفرسان مجازاً، والرجل بالفتح فالكسر هو الراجل كحذر وحاذر وكمل وكامل وهو خلاف الراكب، وظاهر مقابلته بالخيل أن يكون المراد به الرجالة وهم غير الفرسان من الجيش.
فقوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك}: أي استنهض للمعصية من استطعت أن تستنهضه من ذرية آدم - وهم الذين يتولونه منهم ويتبعونه كما ذكره في سورة الحجر - بصوتك، وكأن الاستفزاز بالصوت كناية عن استخفافهم بالوسوسة الباطلة من غير حقيقة، وتمثيل بما يساق الغنم وغيره بالنعيق والزجر وهو صوت لا معنى له.
وقوله: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} أي وصح عليهم لسوقهم إلى معصية الله بأعوانك وجيوشك فرسانهم ورجالتهم وكأنه اشارة إلى أن قبيله وأعوانه منهم من يعمل ما يعمل بسرعة كما هو شأن الفرسان في معركة الحرب ومنهم من يستعمل في غير موارد الحملات السريعة كالرجالة، فالخيل والرجل كناية عن المسرعين في العمل والمبطئين فيه وفيه تمثيل نحو عملهم.
وقوله: {وشاركهم في الأموال والأولاد} الشركة إنما يتصور في الملك والاختصاص ولازمه كون الشريك سهيماً لشريكه في الانتفاع الذي هو الغرض من اتخاذ المال والولد فإن المال عين خارجي منفصل من الإِنسان وكذا الولد شخص إنساني مستقل عن والديه، ولولا غرض الانتفاع لم يعتبر الإِنسان مالية لمال ولا اختصاصاً بولد.
فمشاركة الشيطان للإِنسان في ماله أو ولده مساهمته له في الاختصاص والانتفاع كأن يحصل المال الذي جعله الله رافعاً لحاجه الإِنسان الطبيعية من غير حله فينتفع به الشيطان لغرضه والإِنسان لغرضه الطبيعي، أو يحصله من طريق الحل لكن يستعمله في غير طاعة الله فينتفعان به معاً وهو صفر الكف من رحمة الله وكأن يولد الإِنسان من غير طريق حله أو يولد من طريق حله ثم يربيه تربية غير صالحة ويؤدبه بغير أدب الله فيجعل للشيطان سهماً ولنفسه سهماً، وعلى هذا القياس.
وهذا وجه مستقيم لمعنى الآية وجامع لما ذكره المفسرون في معنى الآية من الوجوه المختلفة كقول بعضهم: الأموال والأولاد التي يشارك فيها الشيطان كل مال أُصيب من حرام، وأُخذ من غير حقه وكل ولد زنا كما ابن عباس وغيره.
وقول آخر: إن مشاركته في الأموال أنه أمرهم أن يجعلوها سائبة وبحيرة وغير ذلك وفي الأولاد أنهم هوَّدوهم ونصّروهم ومجَّسوهم كما عن قتادة.
وقول آخر: إن كل مال حرام وفرج حرام فله فيه شرك كما عن الكلبي، وقول آخر: إن المراد بالأولاد تسميتهم عبد شمس وعبد الحارث ونحوهما، وقول آخر: هو قتل الموؤدة من أولادهم كما عن ابن عباس أيضاً، وقول آخر: إن المشاركة في الأموال الذبح للآلهة كما عن الضحاك إلى غير ذلك مما روي عن قدماء المفسرين.
وقوله: {وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً} أي ما يعدهم إلا وعداً غاراً بإظهار الخطأ في صورة الصواب والباطل على هيئة الحق فالغرور مصدر بمعنى اسم الفاعل للمبالغة.
قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً} المراد بعبادي أعم من المخلصين الذين استثناهم إبليس بقوله: {إلا قليلاً} بل غير الغاوين من أتباع أبليس كما قال في موضع آخر:
{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } [الحجر: 42] والإِضافة للتشريف.
وقوله: {وكفى بربك وكيلاً} أي قائماً على نفوسهم وأعمالهم حافظاً لمنافعهم متولياً لأُمورهم فإن الوكيل هو الكافل لأُمور الغير القائم مقامه في تدبيرها وإدارة رحاها، وبذلك يظهر أن المراد به وكالته الخاصة لغير الغاوين من عباده كما مر في سورة الحجر.
وقد تقدمت أبحاث مختلفة حول قصة سجدة آدم نافعة في هذا المقام في مواضع متفرقة من كلامه تعالى كسورة البقرة وسورة الأعراف وسورة الحجر.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة} قال: هو الفناء بالموت أو غيره، وفي رواية أُخرى عنه عليه السلام: {وإن من قريه إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة} قال: بالقتل والموت أو غيره.
أقول: ولعله تفسير لجميع الآية.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات} الآية قال: نزلت في قريش. قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في الآية: وذلك أن محمداً سأل قومه أن يأتيهم فنزل جبرئيل فقال: إن الله عز وجل يقول: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون، وكنا إذا أرسلنا إلى قريش آية فلم يؤمنوا بها اهلكناهم فلذلك أخرنا عن قومك الآيات.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: سأل أهل مكه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون فقيل له: إن شئت أن نتأنى بهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أُهلكوا كما أُهلكت من قبلهم من الأُمم قال: لا بل أستأني بهم فأنزل الله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون}.
أقول: وروي ما يقرب منه بغير واحد من الطرق.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات فأنزل الله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنه للناس}.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أن النبي قال: رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة وأنزل الله في ذلك: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة} يعني الحكم وولده.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُريت بني أُمية على منابر الأرض وسيتملكونكم فتجدونهم أرباب سوء، واهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك فأنزل الله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس}.
وفيه أخرج ابن مردوية عن الحسين بن علي أن رسول الله أصبح وهو مهموم فقيل: مالك يا رسول الله؟ فقال: إني أُريت في المنام كأن بني أُمية يتعاورون منبري هذا فقيل: يا رسول الله لا تهتم فإنها دنيا تنالهم فأنزل الله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس}.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن سعيد ابن المسيب قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني أُميه على المنابر فساءه ذلك فأوحى الله إليه إنما هي دنيا أعطوها فقرت عينه، وهي قوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنه للناس} يعني بلاء للناس.
أقول: ورواه في تفسير البرهان عن الثعلبي في تفسيره يرفعه إلى سعيد بن المسيب.
وفي تفسير البرهان عن كتاب فضيلة الحسين يرفعه إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رأيت في النوم بني الحكم أو بني العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة فأصبح كالمتغيظ فما رؤي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتى مات.
وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأبيك وجدك: إنكم الشجرة الملعونة في القرآن.
وفي مجمع البيان: رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قروداً تصعد منبره وتنزل وساءه ذلك واغتم: رواه سهل بن سعيد عن أبيه. ثم قال: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقالوا: على هذا التأويل الشجرة الملعونة في القرآن هو بنو أُمية.
أقول: وليس من التأويل في شيء بل هو تنزيل كما تقدم بيانه، إلا أن التأويل ربما أُطلق في كلامهم على مطلق توجيه المقصود.
وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره عن عدة من الثقات كزرارة وحمران ومحمد بن مسلم ومعروف بن خربوذ وسلام الجعفي والقاسم بن سليمان ويونس بن عبد الرحمن الأشل وعبد الرحيم القصير عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام ورواه القمي في تفسيره مضمراً، ورواه العياشي أيضاً عن أبي الطفيل عن علي عليه السلام.
وفي بعض هذه الروايات أن مع بني أُمية غيرهم وقد تقدم ما يهدي إليه البحث في معنى الآية، وقد مر أيضاً الروايات في ذيل قوله تعالى: {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة} الآية أن الشجرة الخبيثة هي الأفجران من قريش.
وفي الدر المنثور أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} قال: هي رؤيا عين أُريها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أُسري به إلى بيت المقدس وليست برؤيا منام {والشجرة الملعونة في القرآن} قال: هي شجره الزقوم.
أقول: وروى هذا المعنى أيضاً عن ابن سعد وأبي يعلى وابن عساكر عن أُم هاني، وقد عرفت حال الرواية في الكلام على تفسير الآية.
وفيه أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} الآية قال: إن رسول الله أُري أنه دخل مكة هو وأصحابه وهو يومئذ بالمدينة فسار إلى مكه قبل الأجل فرده المشركون فقال أُناس: قد رد وقد كان حدثنا أنه سيدخلها فكانت رجعته فتنتهم.
أقول: وقد تقدم ما على الرواية في تفسير الآية على أنها تعارض ما تقدمها.
وفي تفسير البرهان عن الحسين بن سعيد في كتاب الزهد عن عثمان بن عيسى عن عمر بن اذينة عن سليمان بن قيس قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن الله حرم الجنة علي كل فحاش بذيء قليل الحياء لا يبالي ما قال وما قيل له فإنك إن فتشته لم تجده إلا لغيه أو شرك شيطان"
]. فقال رجل: يا رسول الله وفي الناس شرك شيطان؟ فقال: أو ما تقرأ قول الله عز وجل: {وشاركهم في الأموال والأولاد}؟.
فقال: من لا يبالي ما قال وما قيل له؟ فقال: نعم من تعرض للناس فقال فيهم وهو يعلم أنهم لا يتركونه فذلك الذي لا يبالي ما قال وما قيل له.
وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن شرك الشيطان: قوله: {وشاركهم في الأموال والأولاد} قال: ما كان من مال حرام فهو شرك الشيطان. قال: ويكون مع الرجل حتى يجامع فيكون من نطفته ونطفة الرجل إذا كان حراماً.
أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة، وهي من قبيل ذكر المصاديق، وقد تقدم المعنى الجامع لها.
وما ذكر فيها على مشاركته الرجل في الوقاع والنطفة وغير ذلك كناية عن أن له نصيباً في جميع ذلك فهو من التمثيل بما يتبين به المعنى المقصود، ونظائرة كثيرة في الروايات.